من أجل نظام بلا دولة

سوريا بين سندان الحلفاء ومطرقة الأعداء

أ.د.محمد فكري الجزار 

حين تسقط الدولة يتحول المجتمع إلى إرهابيين وضحايا، ويصبح قابلا لامتصاص المأساة قابلية لم تكن ببال الشيطان، ويستباح تحت كل شعار وأي شعار، ويرى حتى في أشد أعدائه، وليس حلفاءه فحسب، منقذا. ويصبح مفهوم السيادة الوطنية مسألة نسبية، بل تصبح الوطنية مجرد وجهة نظر، والخيانة ضرورة حياة. وتستباح الأرض والسماء وحتى البحار، لكل أجنبي مستفيد من هذا الوضع أيا كان تصنيفه سياسيا، حليفا كان أو عدوا. ويبدو النظام السياسي، والحال هذه، كالشخص المعلق في الهواء لا يعنيه إلا أن يمنع سقوطه هو الآخر، يشكر الله أنه لم يزل حيا رغم وضعه الغريب هذا… هذه للأسف حقيقة الأوضاع في “سوريا” الشقيقة…

إن سوريا تدفع ثمنا شديد الفداحة للغباء الأمريكي وهو يزيح نظاما سنيا في العراق لتمتد إيران فيه عقائديا وحتى عسكريا. وليس البديل، من نظام صدام حسين في العراق، إقامة نظام سني في سوريا، فهو مشروع غير مأمون مستقبليا بالنسبة لإسرائيل. وإذن، فليتحول السنة إلى إرهابيين تحت شعار “الجهاد”، وليتم نقل كل القتلة والمجرمين من كل أنحاء العالم المسلم وغير المسلم، لتاسيس جغرافيا الفوضى وإسقاط الدولة. أما حماية النظام من السقوط فلم يكن ليمثل عناء كبيرا للأمريكي، فبديهي أن يتحرك الأصدقاء (المزعومون) لحماية النظام تحت عنوان مواجهة الإرهاب، وأيضا بديهي ألا يتعرض الأمريكي للمقرات السيادية للنظام… وهكذا اكتملت أحبولة الشيطان.

الأكثر مأساوية في الوضع السوري، أن استراتيجية الحلفاء قبل الأعداء، لا توفر نهاية سعيدة ولا حتى حزينة، لمأساة الشعب السوري، فهم يراهنون على بقاء الوضع على ما هو عليه، بتهيئة الأزمة للحراك المستدام وفق الاستراتيجية المتفق عليها ضمنا، ومن جميع الأطراف الفاعلة عسكريا، سواء من البحر والجو، أو على الأرض. وهي استراتيجية يمكن تسميتها: “نظام بلا دولة”، فالجميع رابحون هناك، بدءا من حزب الله وإيران إلى روسيا من جهة، ومن الجهة المقابلة بدءا من إسرائيل وتركيا ووصولا إلى أمريكا وذيولها الأوروبية والعربية… حتى مفاوضات السلام المزعومة موظفة لتعظيم هذه الأرباح، فأرباح الفوضى في سوريا أكبر بكثير من فاتورة السلاح المدفوعة من كل الأطراف.

وجميعهم، فوق جبال من العظام والأنقاض وأنهار من الدم، يمارسون الخديعة ويعلنون أنهم معنيون بالمصالحة بين الأطراف المتصارعة. وتمد طاولات التفاوض وموائد الحوار، وبين الموعدين يتخلل قصف الطائرات وإطلاق الصواريخ، واتهام النظام باستخدام السلاح الكيماوي، ولجان فحص ذاهبة وآيبة. بينما لا يعلن الرعاة القتلة، ولن يعلنوا، أنهم المسئولون مسئولية مباشرة عما يحدث. وأنهم ، جميعا، مشتركون في إسقاط الدولة مشتركون في حماية النظام، مشتركون في قتل الشعب السوري المسكين. والعالم كله يعرف الحقيقة إلا أنه عالم منافق لا تهمه الإنسانية ما دام اقتصاده المتأمرك بخير، ومؤشر بورصاته في تصاعد.

السؤال المر، كم سيبقى من الشعب السوري حيا، وكم من الأحياء سيكونون بصحة وعافية لكي يتنفسوا بعمق نسيم الحرية ويتمتعوا بملذات الديمقراطية، هذا الذي خرج الحمقى والمشبوهون في 2011 ينادون به. نعم، توجد إجابة، وإجابة مدعمة بالإحصاءات الدقيقة، لكنها حبيسة أدراج الرئيسين الأمريكي والروسي باعتبارها وثائق قومية، ولعلها كذلك في مكتب الموساد الصهيوني بوصفها معادلة ديموجرافية جديدة لصالح كيانه.

شكرا أيها العالم القذر …

شكرا أيتها الديمقراطية اللعينة …

شكرا أيتها الحرية على كل هذه المذابح التي تتم باسمك.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, د. محمد فكرى الجزار and tagged , , . Bookmark the permalink.