الإصلاح الديني: ملاحظات أساسية

د. مجدي خليل 

فى يوم الأربعاء 31 أكتوبر 1517 علّق مارتن لوثر أطروحاته الـ 95 على باب كنيسة فتنبرج بمقاطعة سكسونيا بألمانيا، احتجاجًا على صكوك الغفران التي جاء مندوب البابا لبيعها في المدينة، ومن هنا بدأت شرارة الإصلاح التي كانت أوروبا مستعدة للتجاوب معها هذه المرّة، لوجود رغبة عارمة للتجديد كانت مكبوتة بفعل سلطوية البابوية، بخلاف ما حدث لمصلحين سابقين دفعوا حياتهم وحريتهم ثمنًا، لأفكارهم لأن عوامل الإصلاح لم تكن قد اختمرت بعد.

هناك ملاحظة مبدئية وهى أن الإصلاح الديني هو أهم حدث مسيحى، من حيث التأثير، بعد الكرازة الرسولية في عهد الرسل الأوائل، ويليه بعد ذلك الحركة الإرسالية المسكونية الضخمة في القرون الـ 18- 20، وقد أنقذ الإصلاح الديني المسيحية في أوروبا من السقوط، وهيأ العالم الغربي للتأقلم مع العقلانية والتنوير والديموقراطية والحداثة فيما بعد، بل ومهّد الطريق لكل ذلك.

فى هذا المقال أقدم ملاحظات أساسية مركزة على مجمل عصر الإصلاح، وكل ملاحظة تستحق مقالًا كاملًا لشرحها، وهذا ما سنحاول القيام به في وقت لاحق، بمشيئة الرب.

أولى هذه الملاحظات يتعلق بمصطلح “تعريف الكنيسة”

حيث عملت مؤسسة البابوية في روما على حصر تعريف الكنيسة في مجموعة رجال الدين أو الاكليروس، رغم أن معنى ومفهوم وتعريف الكنيسة هي جماعة المؤمنين، فالمسيح هو رأس الكنيسة وجماعة المؤمنين هم الجسد.

أ- ترتب على ذلك مفهوم خاطى آخر وهو التفسير المتعسف للآية:”أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها”، فرغم أن الآية تتكلم عن الصخرة التي هي الإيمان بالمسيح، وعلى الكنيسة التي هي عروسه وتمثل جميع المؤمنين الحقيقيين عبر العصور إلا أن التفسير المشوّه لآيات الكتاب حصرها في المؤسسات الكنسية وفقا لتعريفهم المشوّه للكنيسة، فالمؤسسات الكنسية في الواقع تسقط وتقوم وقد اختفت بالفعل كراسى رسولية شهيرة مثل القسطنطينية ، ورجال الدين بينهم الصالح والطالح، ولا يمثل سقوطهم أو سقوط مؤسساتهم أي مساس بالمعنى الحقيقي للآية.

ب-ترتب على ذلك مصطلح خاطئ آخر وهو “فساد كنيسة العصور الوسطى”، فالكنيسة لا تفسد أبدًا، والمسيحية لم تكن أبدًا -ولن تكون- فاسدة مطلقًا، وإنما الفساد حلّ بمؤسسات حادت عن المسيحية وطال أشخاص انحرفوا تمامًا عن تعاليم المسيح.

ج-ولقد كان حصر تعريف الكنيسة في رجال الدين جُزءًا من بناء سلطوية رجال الدين التي ترتب عليها أمور كثيرة خطيرة بعد ذلك، ليس أقلها ترويج لمفهوم خاطئ آخر وهو ”لا خلاص إلا من خلال الكنيسة”، ويعنى عمليًا أنه لا يوجد خلاص للمسيحى إلا من خلال رجل الدين. وهذا الكلام الفاسد يفرغ المسيحية كلها من رسالتها الواضحة بأن لا خلاص إلا من خلال شخص المسيح وفدائه العظيم.

د-وترتب على ذلك توحش سلطة وعقوبة دينية اسمها “الحرمان الكنسي”  أو “القطع من شركة الكنيسة” سواء على المستوى الفرديExcommunication  (بحيث يصبح الفرد منبوذًا في مجتمعه المسيحي المحلي)، أو على المستوى الجماعيInterdict  وهي عقوبة يتم توقيعها على مجتمع مسيحي بأكمله، بحيث تُغلق الكنائس ويتوقف رجال الدين عن تأدية وظائفهم كمراسيم التعميد والزواج والشعائر الجنائزية.

وقد توسعت السلطة الدينية بناءً على هذه المفاهيم الفاسدة ووصلت إلى مستوى الفساد الكامل، وهذا ما سنفصّله لاحقًا.

 ولا تقتصر هذه المشكلة على الغرب فقط بل نرى نفس المشكلة فى الشرق أيضا، فمثلًا في عصر البابا شنودة الثالث (نيح الله نفسه) وضع استراتيجية لسيطرة رجال الدين على الشعب القبطي ولهذا روّج لتعريف الكنيسة على أنها رجال الاكليروس. وفى عام 1996 أوقف البابا شنودة بنفسه الأستاذ الدكتور سامى بولس (أطال الله عمره) عن الخدمة والوعظ في كنيسة مارمرقس بجيرسى سيتى بالولايات المتحدة لأنه كتب مقالًا وقتها في جريدة محلية كان اسمها “الحرية” وضّح فيها أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين وليست جماعة الاكليروس. وعلى الفور أوقفه البابا شنودة رغم أن الرجل كان عميدًا لكلية التربية بنيويورك وخادمًا تقيًا وصديقًا شخصيًا للبابا شنودة ومن جيله، علاوة على أن له مؤلفات كنسية عديدة باللغتيْن العربية والانجليزية.

كذلك سنَّ البابا شنودة عقوبة مهينة لآهل المتوفى وهي عدم الصلاة على الميت المختلف معه (انظر مقالي بدعة عدم الصلاة على الميت).

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=502584&r=0&cid=0&u=&i=0&q=

تمادت بعد ذلك المؤسسة الكنسية في ترويج مفاهيم دينية خاطئة مثل: 

  • البابا هو خليفة بطرس الرسول، رغم أن بطرس لم يترك خليفة ولم يستخدم اللفظ أي من الرسل. وكان أول بابا استخدم هذا اللقب هو البابا داماسوس الأول (366-384) ليغطي على جريمة كبرى قام بها أتباعه، حيث قتلوا 137 شخصًا من أتباع منافسه على البابوية أورسانيوس عام 366 م، عندما احتموا بسطح كنيسة سانتا ماريا (المشهورة بكنيسة سيدتنا الحبيبة) ، فدمروا سطح الكنيسة تمامًا على رؤوسهم! ولتعزير مكانته، كتب هذا البابا مؤلفًا كبيرًا استعرض فيه سيادة البابوية وسُمُوها ومكانة كرسي روما الأسقفي المتقدّم على ما عداه من الكراسي الرسولية الأخرى. ثم تمادى بابا آخر ولقّب نفسه بـ “خليفة ونائب” المسيح على الأرض وهو البابا جريجوري السابع ومن بعده البابا أنوسنت الثالث.
  • ثم تمادى البابوات في منح أنفسهم صفات مزيّفة مثل “ممثل” المسيح على الأرض، رغم أن المسيح لم يترك له ممثلين وإنما فقط مبشرين باسمه ، ورغم أن دعوة الرسول بولس لجميع المؤمنين أن يكونوا سفراء للمسيح للبشارة وللأعمال الصالحة. ثم تمادوا أكثر في الفساد، وزعموا أن البابا هو متحدث باسم المسيح، وأنه معصوم من الخطأ لأن الروح القدس يتكلم على لسانه، وأنه ممثل للشعب المسيحي رغم أنه لم يفوضه أحد بهذا، فكل رئيس ديني هو ممثل لمؤسسته وليس ممثلًا للشعب المسيحي. وزعموا كذلك أن الله هو الذي يختار رجال الدين رغم أننا نحن –البشر- من نختارهم وليس الله. وبحسب أمانتنا مع أنفسنا وأمانتنا مع الله تأتى اختياراتنا صحيحة بارشاد الروح القدس، أو خاطئة إن كنا غير أمناء ومنحازين لأهواءنا. ولو أن الله هو الذي يختارهم فعلًا لوقعنا في ورطة كبيرة وهى مسؤولية الله عن اختيارات باباوات صكوك الغفران ومحاكم التفتيش، والباوات القتلة، والبابوات الذين انخرطوا في تعذيب الخصوم وحرق المصلحين ومطاردة الساحرات والعداء للعلم، وباباوات السيمونية .. الخ.

ثم تمددت الألقاب، وكما يقول المؤرخ المعروف جوناثان رايلى سميث فى كتابه “الحملة الصليبية الأولى” بدأ الأساقفة فى أوروبا فى القرن الحادى عشر ينتزعون لأنفسهم لقب سيدنا Lord أو Dominus، وهو لقب كان مقتصرا على الرب فقط،God ،وتبعهم الملوك فى ذلك.. ثم رأينا لقب “قداسة”: يسبق أسم البابا(أى مصدر القدس)،هل هناك مصدرا للقدس سوى الله؟…ثم اطلقوا على مجمع الأساقفة لقب ” المجمع المقدس”،أى أن قراراته مقدسة…..الخ

وقد انتقلت معظم هذه المفاهيم الفاسدة وتجذرت فى جميع الكنائس الرسولية تقريبًا، في الغرب والشرق، في إطار صُنع هالة وهمية حول رجل الدين وتعظيم سلطاته.

وهنا يجب أن نقف وقفة ضرورية ونقول أنه لا يوجد شكل محدد للكنيسة هو الصواب وغيره من الأشكال خاطئة، فالمسيح لم يؤسس شكلًا للكنيسة على الأرض وإنما أسس مفهوم للعلاقة معه، وعندما سألوه علّمنا أن نصلى قال لهم: “متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السماوات …”.

أما شكل الكنيسة التقليدي الذي أطلقوا عليه اسم “كنائس رسولية” فهو اجتهاد بشري، مسترشد بالمعابد اليهودية وبهيكلية رجال الدين اليهود ودورهم. ولا يعنى هذا أن هذا الشكل خطأ أو صواب، ولا يعنى كذلك أنه الشكل الوحيد للعبادة؛ فشكل العبادة مفتوح لاختيارات البشر وظروفهم وبيئاتهم، طالما أنه قائم على الإيمان الكتابى… وفى المستقبل يمكن أن تظهر أشكال أخرى للعبادة تختلف حتى عن كنائس البروتستانت، وأرى أنه لا ضير في ذلك. ومؤخرًا انتشرت ما تسمى الكنائس المنزلية وهى تشبه الكنائس الأولى الموجودة فى الرسائل، وهناك كنائس الشوارع التى تسعى للبشر أينما وجدوا… وهذا الموضوع مفتوح ومتشعب.

هناك مفهوم آخر خاطئ وهو أن حركة الإصلاح قسمت الكنيسة! والصحيح هو أن ما حدث هو تقسيم المؤسسات الكنسية -وليس الكنيسة- وتم قبل وبعد الإصلاح. فوحدة الكنيسة تستمد ديمومتها من وحدة جسد المسيح، والذي يتكون بدوره من جميع المؤمنين الحقيقيين من كافة المذاهب المسيحية. فالكنيسة موحدة على اسم يسوع، وهو حاميها، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها أبدًا. فالمسيح أسس الكنيسة، والبشر أسسوا الطوائف المسيحية. وهذه المؤسسات منقسمة منذ عصر الانفصال الأول بعد خلقدونية عام 451 ميلادية، ثم الانفصال البيزنطي عام 1054، ثم الانقسام الغربي نفسه بوجود ثلاث باباوات للكاثوليك في وقت واحد لمدة 73 سنة (1305-1377)، وذلك قبل أن يبدأ الانفصال البروتستانتي بداية من عام 1517.

وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى أساسية وهامة، وهى أن ما يجمع المذاهب المسيحية الثلاثة الكبرى أكثر بكثير جدًا جدًا ممّا يفرقها؛ فقد حُسمت المسائل اللاهوتية الكبرى في القرون الخمسة الأولى للميلاد، والخلافات الحالية بين المذاهب هي في العقائد الفرعية التي لا تنتقص من جوهر الإيمان المسيحي. وعلى رؤساء الطوائف أن يعملوا معًا لوقف نزيف خروج الكثيرين من المسيحية متجهين إلى الإلحاد أو اللادينية أو إلى اللادرية، أو إلى الفتور والبلادة الروحية وتآكل الضمير المسيحي، ولمواجهة مئات المشاكل العصرية، وللتعاون معا للتبشير باسم المسيح، وهي الوصية الموجّهة لكل مسيحي.

علينا أيضًا أن ندرك أن كافة المذاهب المسيحية والمؤسسات الكنسية تحتاج إلى إصلاح، فالإصلاح هو عملية مستمرة ومتطورة وفقًا لتغير الزمن، ووفقًا لتطورات العصر واختلاف احتياجات البشر والتحديات التي تواجههم. ولهذا فإن كلامنا عن الإصلاح ليس موجهًا ضد أحد بل هو -في النهاية- لاستخلاص العبر من التاريخ. هذا يقودنا إلى نقطة أخرى وهى:

قامت الكنيسة الكاثوليكية باصلاحات عظيمة بدءًا بما سُمي بـ “حركة الإصلاح المضاد” وحتى المجامع الفاتيكانية الممتدة، ومازال أمامها مشوار طويل. وما قامت به الكنيسة الكاثوليكية من إصلاحات، منذ عصر لوثر وحتى الآن، يحتاج إلى كتب لسرده، بل هو بالفعل مدوّن في عشرات الكتب والأبحاث.

نقطة أخرى جديرة بالاعتبار عند دراسة تاريخ الكنيسة وتاريخ الإصلاح، وهى أنه لا يوجد شخص واحد عبر التاريخ الكنسي كله، ممن أُطلق عليهم قديسين أو مصلحين، لم يخطئ، بل الجميع أخطأوا. ومن يدرس تاريخ المجامع المسكونية، من باكورة المسيحية، يكتشف كمًا هائلًا من الأخطاء من جميع الأطراف التي تصارعت معًا. بل وأزيد أنه لا يوجد قديس أو مصلح لم تكن له شطحات لاهوتية، وبعضهم انخرط في هرطقات! وفى الخلاف البروتستانتي الكاثوليكي ارتكب كلا الطرفين أخطاءًا جسيمة، وانخرط كلاهما في جرائم مروعة، ومارس كلاهما اضطهادًا مريرًا ضد الآخر، وأشعلوا الحروب الدينية التي سقط فيها مئات الآلاف من البشر. وحدث ذلك أيضًا في اضطهاد الفرق البروتستانتية لبعضها البعض … والمجال لا يتسع هنا لذكر كل هذه المآسي.

ونحن نتناول الإصلاح يجب أن نعرف أنه إذا كانت الكنائس البروتستانتية تعتمد على سلطة الكتاب المقدس وحده، والكنائس “الرسولية” تؤمن بكل من الكتاب والتقليد الكنسىّ، إلا أن التقليد الكنسي -رغم أهميته- يُواجه تحديًا كبيرًا وهو ضرورة تنقيته واختزاله. فعلى مدى قرون من الزمان توسّع هذا التقليد حتى همّش الكتاب المقدس! وفى مواضع كثيرة تعارض التقليد مع الكتاب المقدس. ومع مرور الزمن أضاف رجال الدين إلى هذا التقليد الكثير لكن أحدًا لم يجرؤ على الحذف منه. ومن ثم أصبح لدينا جبل كبير اسمه التقليد يخشى الجميع الاقتراب منه، حتى أن أسقف يوناني وصف ذلك بمصطلح “العبودية للتقليد”، وأصبح داخل التقليد أشياء إيجابية جيدة، وجزء ثان هو مجرّد حشو عديم الفائدة، وجزء ثالث يناقض التعليم الكتابي…الخ. وهذا الأمر يتطلب وقفة شجاعة لتنقية هذا التقليد، ضمن إطار أوسع وهو إصلاح الكنائس الرسولية. 

من المهم التركيز أيضًا على أن الإصلاح الديني كان موجهًا أساسًا ضد توحش سلطة البابوية لإنقاذ الكنيسة – التي هي جماعة المؤمنين- من هذه السلطة، ومن الآثار المخيفة المترتبة على هذا التوحش، حتى إن المقولة الخالدة للورد التون “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة” كتبها أساسًا من وحى دراسته لتضخم السلطة البابوية، ويمكن أن نسرد بعضًا من ملامح هذا التوحش السلطوي البابوي في الآتي: 

معركة البابا داموس الأول (366-384) على البابوية والتي راح ضحيتها 137 قتيلًا من أنصار منافسه أرسانيوس، وهذا البابا هو أول من أطلق على نفسه لقب” خليفة بطرس الرسول”.

البابا ستيفن السادس(896-897) الذي نبش قبر سلفه فورموزس (816-896) وقام بمحاكمته وقطع ثلاثة من أصابعه وألقاه في النهر.

البابا جريجورى السابع (1073-1085) المعروف بهيلد براند،هو أول من أصّل لمبدأ أن البابا أعلى من القيصر، ومن نتائج ذلك:-

– البابا وحده هو الذي يعيّن الأساقفة ويعزلهم.

– جميع الأمراء العلمانيين يجب أن يُقبّلوا قدميّ البابا.

– للبابا الحق في عزل الأباطرة.

– ليس من حق أحد أن يلغي قرارًا بابويًا، ولكن من حق البابا أن يلغي أي قرار.

– لا يُسأل البابا عمّا يفعل، ولا يُحاكم على تصرفاته.

– للبابا أن يطلب من رعاياه التحلل من الولاء لأي حاكم.

– أمر هذا البابا جميع القسوس أن يتركوا زوجاتهم فورًا، فكانت مأساة عائلية مازالت آثارها ممتدة حتى الآن في مبدأ عدم زواج الكاهن.

ث. البابا إينوسنت الثالث (1160-1216)، ومن أقواله:

كل رجال الدين ينبغي أن يطيعوا البابا ولو أمرهم بالشر، إذ لا يُوجد من يستطع أن يحكم على البابا ويقيمه.

للبابا يقال على لسان النبي: “قد وكلتك اليوم على الشعوب والممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتغرس” (إرميا 1: 10).

وللبابا يقال على لسان الرسول: “أعطيك مفاتيح ملكوت السماوات” (متّى 16: 19).

البابا هو نائب الرب يسوع المسيح، وخليفة الرسول بطرس، ممسوح من الرب، إله فرعون، وسيط بين الله والناس!

البابا أدنى من الله ولكن أعلى من الإنسان، يُحاكِم ولا يُحاكمه أحد.

وقد أوجد هذا البابا نظام الاعتراف الدوري الإجباري، وأعلن أن الماجنا كارتا (1215) ضد القوانين الأخلاقية، ومن يساند هذه الوثيقة مرتد عن الإيمان!

البابا جريجوري التاسع (1227-1241):

أعلن هذا البابا أن البابا هو سيد الكون والأشياء.

البابا إينوسنت الرابع (1243-1254):

أعلن أن البابوات توصّلوا لسلطتهم الدنيوية منذ زمن  يسوع وليس قسطنطين.

البابا بونيفاس الثامن(1294-1303)  الذي نعته دانتي بـ “الحيوان الأسود” في الكوميديا الإلهية ووضعه في قاع الجحيم، يقول:

– البابا هو منبع كل القوانين، لذلك وجبت الطاعة العمياء له حتى تستقر الأمور.

– كل مخلوق يجب أن يكون تابعًا لراعي الكنيسة الرومانية حتى يحصل على الخلاص.

وقد قام هذا البابا بالتحريض على هجوم على بلدة باسترينا حيث خصومه من آل كولونا فقتل 6 آلاف شخص ودمّر البلدة!

البابا يوليوس الثاني(1443-1513) :

كان محبًا للحرب جدًا، وعندما صنع مايكل أنجلو تمثالًا له وهو يحمل كتابًا رفضه بكل عنف، وطلب تغييره إلى يوليوس يحمل سيفًا!

البابا ليو العاشر (1513-1521). “بابا عهد مارتن لوثر”:

كانت حاشيته تضم 683 شخصًا، ولكثرة مصروفاته عرض 2150 منصبًا للبيع في المزاد العلني!

باعتلاء البابا جريجوري التاسع(1227-1241) للبابوية عام 1227 بدأت الإبادة المنظّمة للمشعوذين تحت شعار “لا تدع ساحرة تعيش”.

البابا بولس الثالث (1534-1549):

عندما بدأت محاكم التفتيش على يد هذا البابا عام 1542 قيل وقتها لو كان المسيح حيًا لاعتبره هذا البابا مشعوذًا ليحاكمه!

من ملامح سطوة البابوية أيضا “إذلال الملوك”:

فى عام 1077 ركع الامبراطور هنرى الرابع للبابا جريجوري السابع في قلعة كانوسا بعد أن تركه البابا واقفًا أمام القلعة ثلاثة ليال، مُتضرعًا له لكى يسامحه بعد أن طلب البابا من الرعية إسقاط الولاء للامبراطور، وسمى المؤرخون هذا الحدث “إذلال كانوسا”.

تكرّر نفس المشهد مع الملك جون ملك انجلترا (1199-1216)، حيث سار ذليلًا حافي القدمين في شوارع كانتبري متلقيًا الجلدات من الرهبان، قبل أن يقبل دفع غرامة مالية سنوية للفاتيكان!

خلال قرن واحد من الزمان تمّ خلع 8 ملوك كمرتدين عن الدين، كما أن المؤرخين أرجعوا أسباب 75 معركة حربية إلى الصراع بين الباباوات والملوك!

ممّا لا شك فيه أن علاقة الكنيسة بالسلطة الزمنية، منذ عهد قسطنطين الكبير 313 ميلادية، قد أضرت الكنيسة ضررًا كبيرًا. بدأ الأمر في البداية باخضاع الكنيسة للسلطة الزمنية كما وصفها لورد ألتون “كانت الكنيسة تمثل العكاز الذهبي للسلطة المطلقة”، ثم جاءت مرحلة محاولة إخضاع السلطة للكنيسة، ثم مرحلة الصراع بين البابوية والسلطة، أي بين التقليد العلماني والسمو البابوي، ثم جاء الإصلاح الديني مُمهدا للتطور الأهم وهو فصل السلطة عن الكنيسة وفقًا للمبدأ المسيحي الراسخ “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (أقول “مهّد فقط”؛ ففى عهد الإصلاح تداخلت السلطة مع الكنيسة كما حدث في نموذج كالفن في جنيف)،.

ممّا لا شك فيه أن زخم الإصلاح طرح تحديات تتعلّق بعلاقة السلطة بالمواطن، وعلاقة الدين بالدولة، وعلاقة الإيمان بالعقل، وعلاقة العلم والدين، وعلاقة الفرد بالمعرفة، وعلاقة الدين بالأخلاق .. الخ.

كما أن زخم الإصلاح ساهم في حركة:

– العقلانية

– التنوير

– العلمانية

– الحداثة

– الفردية

– الدولة القومية

– الديموقراطية الليبرالية

– الرأسمالية والأسواق الحرة

– رفع الوصاية عن العقل والضمير

– إعادة تعريف الثوابت وتفكيك التراث

– فقدان علم اللاهوت لمكانته كسيّد للعلوم

وأخيرًا، فمن أهم نتائج الإصلاح أن الإصلاح ذاته عملية ديناميكية، ليست مرتبطة بزمان ومكان ولا بطائفة معينة، ولكنه عملية مستمرة وفقًا لتطورات الزمن وتحديات واحتياجات العصر، وممّا هو جدير بالذكر أن كنائس نتجت عن الإصلاح تكلّست في موضعها وفرضت وصاية على المؤمن مثلما فعلت البابوية من قبل، ونزلت بحقوق المرأة، واضطهدت بعضها البعض، فأصبح اليوم الكثير من هذه الكنائس المصلحة يحتاج إلى إصلاح أكثر من غيرها!

والأكثر أهمية هو أن كنائس الشرق الأوسط، بجميع طوائفها، تحتاج إلى إصلاح عاجل بعد أن تماهت مع الاستبداد والفساد في مجتمعاتها، ونافقت السلطة الإسلامية على حساب حقوق شعبها، وسيطرت عليها المحسوبية والشللية وتضخم سلطة رجل الدين، وحادت عن الشهادة للحق، وحرّفت تفاسير الكتاب المقدس على هواها، وباتت ينطبق عليها قول الشاعر أحمد شوقى: “كلنا في الهم شرق”.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د. مجدي خليل and tagged , , . Bookmark the permalink.