مصريون بلا وطن

 رفعت عوض الله  

تناقل سكان قرية الطود مركز ابو تشت محافظة قنا اخبارا تقول بان لجنة قادمة من المحافظة لتقنين وضعية البيت الذي يتخذه مسيحيو القرية مكانا للصلاة، واصدار ترخيص له ليكون كنيسة السيدة العذراء بالقرية.

علي إثر إنتشار الخبر تجمهر عدد غفير من مسلمي القرية وهم يرددون : ” بالطول والعرض هانجيب الكنيسة الارض “، ورشقوا بيوت جيرانهم ابناء  قريتهم المصريين المسيحيين بالحجارة، فأثاروا حالة من الرعب والفزع في المسيحيين، بل بنوا حائطا سدوا به شارع الكنيسة، وذلك الحائط به فتحة ضيقة للدخول والخروج اي حبسوا سكان شارع الكنيسة المزمع ترخيصها.

وكما هي العادة دعا احد وجهاء القرية المسلمين لمجلس عرفي اعني مجلس إذعان وإذلال يحضره الطرفان في منزله الكبير،حضر المسلمون المنتشون والرافضون لبناء كنيسة، وحضر بعض بسطاء المسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة ويتملكهم الخوف والشعور بالإذلال.

تكلم شيخ من وجهاء القرية معلنا انه لكي نعيش معا في سلام لا يجب السماح بوجود كنيسة في القرية، لاحظ ان وجود الكنيسة سوف يترتب عليه انتفاء السلام والعيش المشترك بين ابناء القرية،وكأن الكنيسة ليست دارا للعبادة، وكأن الكنيسة مصدرا للفتن والشر والانقسام. !!

واستطرد الرجل مطالبا بالقبض علي من اراد وجود كنيسة بالقرية ونفيه منها،وكأن من عمل من اجل حق أنساني ودستوري وقانوني وهو بناء دار عبادة للمسيحيين بقريتهم حتي لا يسافروا حوالي 10 كيلو ليصلوا الي اقرب كنيسة من قريتهم التي تخلو من كنيسة. اقول وكأن الرجل ارتكب جرما فظيعا في حق قريته فوجب طرده ونفيه من قريته التي فيها وُلد وعاش هو واباؤه واجداده من قبله.

وفي ذلك المجلس المشؤوم لم يٌسمح لمسيحي واحد بالكلام. انه مجلس ترويع وإذعان وإذلال.

تكررت مثل هذه الاحداث المؤسفة حتي انها شكلت ظاهرة، وفي كل مرة يُجبر المصريون المسيحيون علي قبول قرارات مجالس الصلح وما فيها من عصف بحقوقهم وإذلال لوجودهم

وكأننا لسنا نعيش في دولة ووطن.

نعم هناك وجود فاعل ومؤثر للسلفيين والوهابين وغيرهم خصوصا في القري المصرية. نعم انهم شكلوا وصاغوا عقلية المصريين المسلمين فنظروا لجيرانهم المسيحيين وشركاءهم في الفلاحة والزراعة ومن بيوتهم تجاور بعضها البعض، نظروا اليهم علي انهم مشركون، بل ذميون،لا يتساوون بالمسلمين، ولا يحق لهم بناء كنائس لهم، بل لا يحق لهم تجديد كنائسهم القديمة،ولكي يقبل المسلمون بوجودهم ولكي يكون هناك تعايش سلمي علي المسيحيين الإذعان وقبول شروط البقاء المذلة المهينة.

نعم ان هذه الثقافة تأصلت في نفوس عامة المسلمين في قري مصر، ولكننا في دولة ووطن.

الدولة تعني ان هناك قانون يحفظ الحقوق ويمنع التعدي والتجاوز، وهناك ممثلون للدولة،المحافظ ومجالس المدن والمؤسسة الامنية ممثلة في مديرية الامن الخاصة بكل محافظة واقسام الشرطة بكل مركز ومدينة من مدن المحافظة ونقاط الشرطة بالقري، واعضاء مجلس النواب عن المحافظة ومراكزها والذين يمثلون المواطنين ومصالحهم.

فأين الدولة واين اجهزتها من عدوان الأغلبية المسلمة علي الاقلية المسيحية فيما يخص حق العبادة وبناء دور العبادة؟!

الدولة حين لا تقوم بدورها في شان العبادة وبناء الكنائس وحين تغض الطرف عن عدوان المصريين المسلمين علي المصريين المسيحيين هي تهدم نفسها بنفسها، فتتحول مصر الدولة إلي فوضي وكل قوي يفعل ما يحلو له في رجوع لعصور البدائية والهمجية.

     وكون مصر وطنا للمصريين وان كل المصريين مواطنون مصريون، يعني تساوي في الحقوق والواجبات. وكما ان حق التجنيد واداء الخدمة العسكرية ينسحب علي كل الشباب المصري مسلمين ومسيحيين بحكم انهم مواطنون مصريون، فكذلك في كافة الحقوق،وفي القلب منها الحق في العبادة والحق في بناء دور العبادة بلا تدخل من احد،وعلي هذا حين يُمنع فريق من المواطنين من العبادة وحين تُهدم كنائسه وتُحرق بيوته وحين يتعرض للعدوان والتنكيل ولا يستطيع ممارسة حقه كمواطن فهذا يعني اننا لا نعيش في وطن يكفل الحقوق والحريات ولكن في ارض غربة ليس فيها حقوق للغرباء كما يحدث في السعودية الوهابية التي تستقدم مئات الالوف من الهندوس والبوذيين والمسيحيين ليخدموا ويعملوا من اجل السعودية وشعبها ولكن بلا حق في العبادة فلا يوجد بالسعودية معبد لملايين الهنود ولا كنيسة لمئات الالوف المسيحيين العاملين علي ارض السعودية. يبدو اننا في مصر نؤمن بنفس المبدا.

للأسف في دول الغرب العلمانية، وبفضل العلمانية وقيم الحداثة، واحترام الإنسان وحقوقه سمحت وقبلت تلك الدول – والتي هي كافرة من وجهة نظر الاسلاميين – بان يبني الهنود والمسلمون المقيمون بها معابدا و مساجدا بها يصلي الهنود والبوذيون والمسلمون لان هذا حقهم الإنساني الذي لا ينازعهم احد فيه، رغم ان المسلمين علي نحو خاص يتعلمون كراهية الغرب في كثير من المساجد هناك، وفي تلك المساجد تقوم عملية انتاج وصنع الإرهاب، ورغم ذلك المساجد قائمة بقوة القانون والحق الإنساني المكفول بعلمانية  دول الغرب الكافرة.

اقدر جهود السيسي والدولة المصرية الحالية في مكافحة الإرهاب، نعم اقدر جهود التنمية الملحوظة في كل مكان من ربوع مصر، اقدر للسيسي ان وجوده حمي مصر مما كان يمكن لجماعة الاخوان ان تفعله بمصر وبنا كمصريين،اقدر له ان وجوده منع مصر من الانزلاق نحو الفوضي.

ولكن رغم كل هذا الذي اقدره ويقدره كل مصري محب لبلده حق قدره، إلا اني كمصري استنكر ان يترك السيسي بوصفه حاكما والدولة المصرية وكل اجهزتها، اقول يتركون المصريين المسيحيين ” ملطشة ” في يد عامة المسلمين ومعلميهم من سلفيين وشيوخ مساجد وازهر يسلبون حقهم في العبادة وبناء الكنائس ويروعونهم ويذلونهم وكأنهم ليسوا مواطنين،وكان مصر ليست وطنا لهم.

    إلي متي كل هذا الهوان؟ إلي متي كل هذه الإستباحة؟ إلي متي كل هذا التقاعس والسكوت المشين؟ الا تستطيع الدولة المصرية رد هذا الظلم؟ الا تستطيع الدولة المصرية الوفاء بمسؤوليتها تجاه قسم من مواطنيها؟ تستطيع متي توافرت الارادة،ولكن الارادة غائبة، فمتي تعود

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رفعت عوض الله and tagged , . Bookmark the permalink.