فيسبوك مصرى.. المسخ الجديد

 د.رياض حسن محرم 

بعد ثورة 25 يناير 2011 إنتشرت نكتة بين المصريين عن الرؤساء الثلاثة وقد تقابلوا فى العالم الآخر ولما سألوا عبد الناصر عن سبب وفاته أشار الى قلبه وقال “جلطة”، أما السادات فأشار الى رقبته وقال “منصة”، أما مبارك فنظر الى الفراغ وقال “فيسبوك”، هذه النكتة تدلل بوضوح على أهمية ودور وسائط التواصل الإجتماعى فى ثورة 25 يناير باعتباره سلاح أمضى من كثير من الأسلحة الأخرى.

مع بداية الألفية الجديدة كان موعد عدد من النشطاء لعمل تدوينات لهم على صفحات الشبكة العنكبوتية “التى ظهرت الى الوجود تطويرا لشبكة إتصالات داخلية للبنتاجون قبل عدة أعوام”، وبدء تدوينهم لبث أخبار ونشر مقالات ومعلومات تساعد على التواصل والتأثير فى المتلقين الذين بدأت أعدادهم فى النمو بإطراد، فى البداية كان عدد روادها قليلا،ولكنها زاد إنتشارها وتأثيرها كمتوالية هندسية، وإشتهر من تلك المدونات عدد لا بأس به بدأت تنافس بخجل وسائل الإعلام الورقية والناطقة ومنها مدونة بهية والوعى المصرى ولقمة عيش ومواطن مصرى ومواطن اخد على قفاه وسوق الأزبكية وغيرها، بينما سطعت أسماء عدد من المدونين كان من بينهم وائل عباس صاحب الوعى المصرى ورزق العاصى صاحب الكنانة وغيرهم، ولكن حدث تحول هام مع منتصف العقد الأول بظهور الفيسبوك كوسيلة ناجعة للتواصل الإجتماعى ” الفيسبوك بدأ كمنتدى مغلق لطلاب جامعة هارفارد الأمريكية لتبادل الصور بينهم” وتلاه أشكال أخرى مختلفة للتواصل كالواتس آب وتويتر وإنستجرام ويو تيوب وغيرها، بينما ظل الفيسبوك الأشهر والأكثر إنتشارا.

لقد عمل الفيسبوك بفاعلية على تيسير عملية التواصل بين أعداد كبيرة من متابعيه وذلك لكونه يفرد مساحات افتراضية واسعة لمناقشة موضوعات سياسية مختلفة، الناشطين السياسيين استخدموا صفحات ومجموعات الفيس بوك وحسابات تويتر والمدونات، خلال عامى 2009 و2010 ليمهدوا للثورةوخاصة لكشفه عمليات الفساد والتعذيب التى كاتنت تقوم بها الشرطة فى مقاراتها، أشهرها مقطع تعذيب “عماد الكبير” بإدخال عصا غليظة فى دبره، وفيديو الفتاة التى تعذب بوحشية وغيرها، تلك المواقع الاجتماعية مكنت المحتجين والرافضين لممارسات السلطة من توحيد جهودهم وتبادل المعلومات، وأيضا انتقلت تلك الأخبار الى صحافة المواطن، وبهذا تكون مواقع التواصل الاجتماعي، قد أسهمت بنجاح في التنظيم والتخطيط لأحداث الثورة وفي دعم الهوية عبر العلاقات المنتشرة بشباب العالم ما أعطي مثالاً للحركات المجتمعية في كيفية تحقيق أهدافها، فمن خلال صفحة” كلنا خالد سعيد”التى كان أدمنها “وائل غنيم”خرجت المظاهرات وتم الإعلان عن أماكنها وأوقاتها”تم إعادة نشر تدويناته بين الشباب لخمس وثلاثين ألف مرّة”، واستنهضت همم الشباب وانكسرت حواجز الخوف، كما أسهمت بتعرية الأجهزة الأمنية التي مارست العنف والقوة ضد المتظاهرين، وأيضا أثار الفيس بوك العديد من القضايا التي تهم المواطنين كالفساد والتعذيب، وتحولت إلي مصادر للمعلومات والأخبار التي كانت تستقيها وسائل الإعلام والقنوات الفضائية كمصدر هام للمعلومة

ساهم إنتشار المعلومات على الفيسبوك فى خلق أنماط متعددة للوعي، بدءا من الوعي الفردي والطبقي وحتي الوعي الجماهيري، وعن الأخير فإنه يعبر عن فكر الجماهير، وأنه يرتبط بالواقع القائم وهو وعي لا يتسم بصفات نقدية، بل إنه وعي تلقائى ليس بمعزل عن الأفراد بل يوجد في أذهانهم، وعي شكل أفكاراً ونظرات ومشاعر ورغبات معينة تتميز بها جماعة من الناس، وكذلك فإن الوعي الجماهيري يعبر عن مصالح مشتركة لطبقة أو جماعة اجتماعية، كما لعبت تلك الوسائط دورا لا يقل عن دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى “وإن لم يكن بديلا عنها”، وكان لحضورها دور حيوي وفاعل في تنمية الوعي، للمواطنين بصفة عامة ولطلاب الجامعات بصفة خاصة من خلال ما تقدمه من معلومات وأخبار ومعارف ،وذلك لتشكيل المهارات والأفكار والآراء ولتهيئة أفراد المجتمع “كما كان لخريجى الجامعات العاطلين عن العمل دورا رئيسيا فى الإستخدام الواعى للفيسبوك وخصوصا لإتاحة ظروف الوقت لهم ولإحباطاتهم المتكررة”، كم إن إحد أهم الميزات للكتابة الإلكترونية أنها تسمح للتعبير عن رأيهم في القضايا والظواهر السياسية بحرية أكبر، وتكمن أهمية وسائل الإعلام وخطورتها، أنها تؤثر في كل المراحل العمرية بدءا من مرحلة الطفولة مرورا بمرحلة الشباب، وحتى مرحلة كبار السن، وعلى هذا يمكن القول إن هذا التدفق المستمر من المعلومات لدى المواطنين، الذي يتكون من خلال وسائل الاتصال من شأنه العمل على خلق وعي وطني وغرس القيم والمفاهيم الوطنية  لدى الأفراد، ومعرفتهم بما يجري في بيئتهم، مدركين للوضع، وأعين بما يدور حولهم.

لعل مواقع مثل الفيسبوك لها أهمية أعظم خاصة فى مجتمعات تقع فى مجال الإستبداد السياسى مثل مجتمعاتنا، ففى المجتمعات الديموقراطية توجد مساحات مختلفة لإطلاق حرية التعبير، لذا فالكارثة أشد حينما يتم إغلاق هذا المجال أو تقييده فى مجتمعاتنا، ولعل الإعلان عن تأسيس فيسبوك مصرى “الذى تم بواسطة وزير الإتصالات” وأتى فى إطار الإعلان عن الإنتهاء من مشروع قانون الجرائم الإلكترونية بالتنسيق مع وزارة العدل والذى وافقت عليه الحكومة يعد خطوة متقدمة أخرى فى إتجاه غلق المجال السياسى أمام المعارضة بجميع أشكالها، هذا المشروع الذى تزعم الحكومة أنه يستهدف حماية بيانات المواطنين، وعدم استخدام مواقع التواصل الاجتماعى كمنابر لنشر الفكر المتطرف، وحسب ما تسرب من معلومات فإن القانون المشار إليه يتضمن عشرات العقوبات بالسجن والغرامة على مستخدمى السوشيال ميديا، يأتى ذلك بعد بيان النائب العام الذى كلف فيه المحامين العامين ورؤساء النيابة العامة بمتابعة وسائل الإعلام ومواقع التواصل، التى تحركها «قوى الشر»، (حسب البيان الصادر)، ودعا للقبض على من ينشرون عبرها أخبارا وبيانات وشائعات كاذبة، من شأنها تكدير الأمن العام، أو إلقاء الرعب فى نفوس أفراد المجتمع، وما يترتب عليه من إلحاق الضرر بالمصلحة العامة للدولة المصرية، ومن غير المعلوم حتى الآن إذا ما كان الفيسبوك المصرى سوف يقتصر على الداخل، أى أن المواطن فى مصر لن يستطيع التواصل مع جنسيات أخرى أو مع العالم الخارجى، فى سابقة تعود بنا إلى أزمان سحيقة، وقت أن كان الاستماع إلى إذاعات خارجية من قبيل العمالة أو التجسس أو الخيانة للوطن،وكانت الحكومة تقوم بالتشويش على عدد من تلك الإذاعات، والى الوقت الذى كانت الرسائل تصل الينا من خارج مصر بعد فتحها بواسطة الرقيب.

أعتقد أن تلك الأساليب لم يعد لها إمكانية للتحقق فى هذا العصر، حيث السماوات مفتوحة ولا يمكن الحد منها الا بقوانين فاشية من نوع إلغاء الإتصال بالأقمار الصناعية وغلق وسائل التواصل الإجتماعى وهو مالا تفدر عليه أى حكومة فى العالم، اللهم الاّ حكومات ككوريا الشمالية والخمير الحمر فى كمبوديا سابقا، فإن الإتجاهالآن فى مجال ثورة الإتصالات أن الإنترنت فى حد ذاته سوف يكون عالمياً من خلال الأقمار الصناعية، كالمحطات التليفزيونية سواء بسواء، ويوجد\ فى الأسواق حاليا رسيفرات لا تحتاج لطبق خارجى بل تزود بالإنترنت أيضا، للأسف فإن أجواء الدولة البوليسية فى أبشع صورها، تأتى فى وقت يتجه فيه العالم إلى المزيد من الحريات، إلى مزيد من الانفتاح، إرحمونا قبل أن نترحم على الماضى ونتمنى أن نعود إلى الحالة التى كانت عليها البلاد فيما قبل ٢٥ يناير ٢٠١١…والقادم أسوأ.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.