هل المسيحيون يؤمنون بثلاث الهة؟

لطيف شاكر   

يقول كتاب المقدس:

اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد” (تث 6: 4).

أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري” (أش 44: 6)

 – “لأنك عظيم أنت وصانع العجائب أنت الله وحدك” (مز 86: 10)

وهذه العقيدة الخاصة بوحدانية الله يؤكدها العهد الجديد أيضًا، ويتضح ذلك من مواقف عديدة نذكر بعضها فيما يلي:- عندما سأل أحد سأل احد الكتبة السيد المسيح “أية وصية هي أول الكل؟”، أجابه السيد المسيح قائلا “إن أول كل الوصايا هي

 “اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد” مر 12: 29

 وفي رد السيد المسيح على الشاب الغني قال له “ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله” (لو 18: 19)

 وفي رسالة القديس يعقوب الرسول “أنت تؤمن أن الله واحد حسنا تفعل والشياطين يؤمنون ويقشعرون” (يع 2: 19)

وبالطبع هذه مجرد أمثلة وهناك آيات كثيرة تؤكد على وحدانية الله في العهدين القديم والجديد.

فإن كان الله واحد فما معنى الثالوث إذن؟..

نحن نؤمن أن الله واحد في الجوهر ومثلث في الأقانيم

ولابد أن ندرك أن الله غير محدود، ولا يمكن لعقل الإنسان المحدود أن يدرك كل شئ عن الله، لأنه إن كان الإنسان يعجز عن معرفة كل شئ عن طبيعة الروح الإنسانية الموجودة داخله فكيف يستطيع أن يعرف كل شئ عن الله خالق هذه الروح؟ بل خالق الكون كله الذي لم يستطع البشر حتى الآن الوصول إلى كل أجزائه.

نحن إذن لن نستطيع أن نعرف شيئا عن الله إلا ما أعلنه هو لنا من خلال الكتاب المقدس، ولذلك كان لابد من طرح هذا السؤال:

هل عقيدة التثليث موجودة في الكتاب المقدس؟.

والإجابة على هذا السؤال هي نعم، فالسيد المسيح قال لتلاميذه قبل صعوده “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 28: 29)، وهذه الآية تؤكد أن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم في جوهر واحد، لذلك نجده يقول “باسم” ولم يقل “بأسماْء

وفي رسالة يوحنا الأولى نجد هذه الآية الصريحة “فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد (1 يو 5: 7)

كما ظهر الثالوث القدوس عند عماد السيد المسيح في إنجيل متى أصحاح 3، حيث نجد أن أقنوم الكلمة المتجسد كان في نهر الأردن، والآب من السماء “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت”، والروح القدس في هيئة حمامة نازلاً عليه، وهنا يجب أن نشير إلى أن هذا الظهور كان فقط لأجل الناس، حيث أن الأقانيم الثلاثة غير منفصلة كما قلنا من قبل.

وبذلك نرى أن الكتاب المقدس أعلن صراحةً أن “الله واحد”، وأن هناك “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”، فلابد أن يكون الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم في جوهر الله الواحد

ولكن كيف ذلك؟

مع صعوبة شرح جوهر الله أو إدراكه تماما بالنسبة للبشر، إلا أن هناك بعض الأمثلة التي تقرب لأذهاننا المحدودة أن التثليث لا يتنافى مع الوحدانية، وذلك رغم أن الله لا يوجد في عالم الماديات ما يمكن أن نشبهه به كما يقول الكتاب المقدس “فبمن تشبهون الله وأي شبه تعادلون به” (أش 40 : 18)، فهو خالق الكل.

ولكن يقول بعض المعترضين: “كيف تقولون 1 + 1 + 1 = 1؟ هذا يناقض العقل!”..

ونحن في الحقيقة لا نطرح هذه المعادلة عندما نتكلم عن الثالوث، ولا يمكن قياس الله وإخضاعه للمعادلات الرياضية، ورغم ذلك نرد عليهم بهذه المعادلة أيضا وهي أن 1×1×1= 1 فالسيد المسيح قال “أنا في الآب والآب فيّ” (يو 14 :10

ومن الأمثلة التي تقرب لأذهاننا البشرية أن الثالوث لا يتنافي مع الوحدانية كما يلي:

 الإنسان: فالإنسان الواحد به جسد ونفس وروح، ورغم أن لكل من الجسد والنفس والروح ما يميزهم عن بعضهم، إلا أنهم يجتمعون في إنسان واحد.

 الشمس: وهي تشمل القرص والشعاع والحرارة، فالشعاع متولد من القرص والحرارة منبعثة من القرص، والقرص والشعاع والحرارة شمس واحدة، ولا يمكن أن نتصور أن الشمس أقدم من الشعاع الخارج منها، فالشمس بدون أشعتها وحرارتها لا تكون شمسا.

 النار: وفيها اللهب والنور والحرارة، واللهب والنور والحرارة نار واحدة، ولا يمكن أن نتصور أن النار يمكن أن توجد بدون نور أو حرارة.

فما هو الثالوث المسيحي إذن؟

الأقانيم الثلاثة كما أعلن الكتاب المقدس هي الآب والابن والروح القدس وهم في جوهر واحد

 الآب: كلمة أب تدل على مصدر الشئ، وكلمة “الآب” تعني أصل أو مصدر وجود كل شئ، فالآب هو الأصل من حيث الأقنوم، وهو الله من حيث الجوهر، ولا يمكن أن نتصور أن الله لم يكن موجودا في لحظة ما.

 الكلمة (الابن): ويُطلق عليه باليونانية “لوغوس”، وهو عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل، فهو النطق والعقل من حيث الأقنوم وهو الله من حيث الجوهر، ولا يمكن أن نتصور أن الله كان في لحظة ما بدون عقل- حاشا- فالله هو العقل الكلي، وعقل الله لا ينفصل عن الله.

 ولكن لماذا أُطلق على الأقنوم الثاني لقب “الكلمة” و”الابن”؟

من المعروف أن الكلمة تعلن ما في عقل الإنسان وتعبر عنه، فهي تجسيد للعقل، وسُمي الأقنوم الثاني بـ”الكلمة” لأنه الأقنوم الخاص بالإعلان في الذات الإلهية، فهو الذي يعلن أو يخبر عن الله، وهو الذي تجسد كما يقول الكتاب المقدس “الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر” (يو 1: 18)، أي أنه أخذ جسدا ورأينا الله فيه، لأنه “صورة الله غير المنظور” (كو 1: 15

ولماذا يُدعى “الابن”؟

كلمة “ابن” هي أقرب كلمة في قاموس البشر تعبر عن العلاقة بين الآب والابن وتؤكد وحدانية الجوهر، فجميعنا نعرف أن ابن الطير طير، وابن الأسد أسد، وابن الإنسان إنسان، وبهذا المعنى نفهم أن ابن الله هو الله، فهي أقرب كلمة في لغتنا المحدودة تعبر عن علاقة غير مدركة بين الآب والابن وتؤكد في ذات الوقت أن الابن مساو للآب في الجوهر.

ولأن طبيعة الله تختلف عن طبيعة البشر وكل المخلوقات، فمن الحماقة أن نتصور أن تكون ولادة الابن من الآب كولادة المخلوقات، لأن “الله روح” (يو 4 : 24). كما أن كلمتي “ولادة” و”ابن” تطلقان أحيانا في المفهوم البشري عن علاقة ما بين شيئين بمعنى مجازي، فنقول مثلا “تتولد الحرارة من الاحتكاك”، و”ابن مصر”، و”أبناء النيل”، “أولاد الشوارع”.. الخ.

 الروح القدس: هو الأقنوم الثالث في الثالوث القدوس، وهو روح الله، ومانح الحياة لكل المخلوقات، فالروح القدس هو أقنوم الحياة من حيث أنه “أقنوم” وهو الله من حيث الجوهر، ولأن الله حي منذ الأزل، فلا يمكن أن نتصور أن الله كان في وقت ما بدون الروح القدس.

والثلاثة أقانيم غير منفصلة، ولا يمكن أن يعمل أقنوم مستقلا عن الآخرين، وهي بذلك متساوية تماما في جميع الصفات الجوهرية، ولكنها تتمايز فقط في الصفة الأقنومية

.برمهات / مارس

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, لطيف شاكر and tagged . Bookmark the permalink.