!سيناريوهات ما بعد فوز السيسى بالرئاسة الثانية؟

“يثير النزاع المسلح بين الامم الرعب فى نفوسنا،

لكن الحرب الاقتصادية ليست افضل على الاطلاق من النزاع المسلح، 

الامر اشبه بعملية جراحية؛ فالحرب الاقتصادية عذاب استنزافى، لا تقل اضراره فظاعة

عن تلك التى ترصد فى الثقافة الحربية بمعناها الحرفى، ونحن لا نكترث بشأن تلك الحروب

اذ اننا الفنا عواقبها القاتلة .. من الصائب ان تنشأ حركات مناهضة للحرب،

وانا اصلى لنجاح مثل تلك الحركات، لكنى لا استطيع ان اضع حداً للتخوف

القارص من فشلها فى استئصال الطمع البشرى: اصل البلاء كله.”

م. ك. غاندى، “اللاعنف: اقوى الاسلحة”، 1926.

سعيد علام 

بعد فوز السيسى بفترة رئاسية ثانية، هناك مهمتان رئيسيتان مرتبطتان، سياسياً واقتصاديا،ً منوط بـ”فريق السيسى” تنفيذهما: المهمة الاولى، سياسية: الانتهاء من تنفيذ الاستحقاقات المصرية من التسوية الامريكية للقضية الفلسطينية او ما يعرف بـ”صفقة القرن” وفقاً لخارطة “ترامب”، وتحويل العقيدة العسكرية للجيش المصرى الى عقيدة “الحرب العالمية على الارهاب”، اما المهمة الثانية، اقتصادية: الانتهاء من تنفيذ التحول الكامل للسوق الحر، وفقا لخارطة “صندوق النقد” برفع يد الدولة الكامل عن اى تدخل فى السوق، بالدعم او الحمائية او التملك.

كلتا المهمتان تستدعيان جملة من الضغوط والمخاطر التى ستحدد تفاعلاتها مستقبل النظام المصرى خلال الحقبة القادمة.

على الجانب السياسى، يمثل الميراث والشعور الوطنى والقومى للملايين من الشعب المصرى والعربى تجاه القضية الفلسطينية، وموقفها العدائى من “اسرائيل”، يمثل عائق رئيسى، لا يمكن الاستهانة به، فى مواجهة تنفيذ النظام، خلال فترة الرئاسة الثانية، للأستحقاقات التى تخصة من  التسوية الامريكية للقضية الفلسطينية، والتى تقول كل المؤشرات انها استحقاقات شديدة الحساسية والصعوبة، ان لم تكن مستحيلة، اضف الى ذلك خطورة اخرى يمثلها الضغط المتزايد على النظام من قبل القوى الدولية لتغيير العقيدة العسكرية للجيش المصرى لينضم الى ما يسمى بـ”الحرب العالمية على الارهاب”، والذى تتمثل خطورته فى اقحام الجيش فى مهام هى من صميم مسؤليات جهاز الشرطة المدنى، وما يمثله هذا الاقحام من خطورة تداعيات احتكاك الجيش بالمجال المدنى، كل ذلك خلال نفس الفترة الرئاسية الثانية.

اما على الجانب الاقتصادى، فبخلاف الضغوط الداخلية الناجمه عن تطبيق المتبقى من استحقاقات الشق الاول من شروط التحول الى السوق الحر، العولمة، بالالغاء الكامل للدعم عن المواد الغذائية والطاقة، خلال فترة الرئاسة الثانية، وهو ما يهدد بانفجار الغضب المكتوم لدى الملايين من المصريين التى ستتحول حياتهم الى جحيم لا يطاق، بخلاف هذا الضغط الداخلى، يأتى الضغط الخارجى من اجل اجبار النظام المصرى على تنفيذ الشق الثانى من استحقاقات التحول للسوق الحر، ضغط موجه ضد رفض النظام التنازل عن “كل” ملكيته للشركات والمرافق العامة، المملوكة للدولة بشقيها المدنى والعسكرى، والمطلوب دولياً من النظام التنازل عن هذه الملكيات “كاملة” لتتملكها الاستثمارات العالمية الخاصة، الممثلة فى الشركات المتعددة الجنسيات، هذا الضغط الذى يمثل واحدة من اكبر المخاطر التى تواجه النظام خلال فترة الرئاسة الثانية، من اجل الوفاء بباقى شروط صندوق النقد قبل حلول موعد انتهاء الالتزام المصرى بتنفيذ كامل شروط صندوق النقد، ممثل الرأسمال الدولى، مخاطر ناجمة عن الضغوط الهائلة التى يمارسها وسيستمر فى ممارستها ممثلى الرأسمال الدولى على النظام، خلال فترة الرئاسة الثانية، والتى لا تمثل قدرة النظام على مقاومتها، سوى قدرة محدودة. 

فى تفاعل هذه الضغوط الهائلة، الداخلية والخارجية، الناجمة عن انجاز النظام للمهمتين الاقتصادية والسياسية، خلال الفترة الرئاسية الثانية، يكمن الخطر الاعظم على النظام، خطر وجودى، ليس اقل.

هل تتجه مصر نحو سيناريو سوريا والعراق ؟!

من بين كل دول “الربيع العربى” استطاعت تونس، حتى الان، ان تنجو من المصير التدميرى الذى عانت ومازالت تعانى منه كلً من العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، ذلك بالاساس بفضل درجة وعى الشعب التونسى ونوعية ثقافته الحضارية المرتبطة بالثقافة الحضارية لدول شمال حوض البحر المتوسط، ذلك بالرغم من استمرار جهود قوى الثورة المضادة المدعومة اقليمياً ودولياً، لاجهاض التجربة المدنية الديمقراطية التونسية، هذا فى الوقت التى مازالت فيه مصر تراوح مكانها، بل وتتراجع، بفعل “جزئياً” ارتباطها بالثقافة الصحراوية، التى لا تحمل نفس الثقافة الحضارية المدنية الديمقراطية، وهو ما يساهم فى تخلف التجربة المصرية، رغم الحضارة العريقة، قياساً للتجربة التونسية، مما ادى، فى جانب منه، الى  توارى القوى الثورية وتقدم قوى الثورة المضادة.

بالرغم من ان التهديد المبطن بان تصبح مصر مثل سوريا والعراق، يستخدم كنموذج واحد، الا انه فى الواقع ان النموذج العراقى مختلف عن النموذج السوري، حيث ان تدمير العراق جاء فى سياق حملة عسكرية استعمارية مخططة، سابقة وليست على علاقة بالربيع العربى، بهدف ادخال العراق فى منظومة السوق الحر، العولمة، وفتح ابوابها امام الشركات متعددة الجنسيات، كون العراق من اكبر الدول النفطية، من ناحية، ومن اجل القضاء على الجيش العراقى، حتى لو كانت نسبة تهديده المحتمل ليس اكثر من 1% للولاية الامريكية المتقدمة فى منطقة الشرق الاوسط “اسرائيل”، من ناحية اخرى.

اما فى الحالة السورية فان الاصرار الانانى، المملؤ بالطمع والجشع، دفع بالنظام السورى الى استخدام العنف المفرط فى مواجهة الانتفاضة السلمية، فى سياق انتفاضات الربيع العربى، مما ادى الى عسكرة الانتفاضة، وهو الوضع، “العسكرة”، الذى اصر عليه النظام كى يبرر بطشه ووحشيته فى تعامله مع شعبه، الى ان انشق عدد من جنود وضباط وقيادات من الجيش السورى الرسمى، بعضها كرد فعل امام جرائم النظام فى مواجهته للتظاهرات السلمية، والبعض الآخر مدعوماً من الدول التى تزعمت الثورة المضادة للربيع العربى!، ليصبح هناك اكثر من جيش سورى، وكاد ان يهزم الجيش الرسمى ويسقط النظام، الا ان الدعم الذى تلقاه النظام من حلفاؤه الاقليميين، “حزب الله” و”ايران”، وحليفه الدولى “روسيا” (الذى يريد ان يعود كلاعب رئيسى فى منطقة الشرق الاوسط، لتحقيق اهداف جيوسياسية استراتيجية)، قد اعفى النظام من السقوط.

ان الاحتمال بالانقسام والانشقاق فى صفوف الجيش حال اقحامه فى مواجهة مسلحة ضد الشعب، كما حدث فى سوريا، هو ما يجعل هذا السيناريو مستبعدا عن التحقق فى مصر، خاصة وان النظام المصرى لا يملك قوى خارجية عسكرية قوية داعمة مثلما الحالة السورية مثل حزب الله وايران وروسيا، حيث ان داعميه الاقليميين كان قد سبق وان وصفهم الرئيس الامريكى الحليف، بانهم لا يملكون سوى الاموال، هذا الرئيس “ترمب” الداعم للنظام المصرى، والذى هو نفسه “على كف عفريت”.

“ان انعدام البدائل، يحرر العقل بصورة رائعة” !

امام الخطر “الوجودى” الذى يهدد النظام عند تنفيذه لمهام الفترة الرئاسية الثانية، ومع انعدام وجود بدائل امامه، وكما قال كيسنجر، عن حق “ان انعدام البدائل يحرر العقل بصورة رائعة”، فان السيناريو الارجح، ان النظام امام هذا الخطر الذى يهدد وجوده، سيقبل، – كما جميع الاطراف الاخرى -، “وقت الجد”، باستعادة التجربة التى وئدت فى انتخابات 2018، تجربة ترشح قائد عسكرى، مثلما ترشح شفيق وعنان، كما ستتقبل جميع الاطراف، بترشح قائد عسكرى يمتلك برنامج الحد الادنى من المشاركة المدنية العسكرية، على الاقل كمرحلة انتقالية، نحو دولة مدنية ديمقراطية فى مرحلة تالية، حيث يأتى على رأس مهام هذه المرحلة الانتقالية، انجاز الاستحقاقات الاقتصادية، “خارجياً”، المتعلقة بالتنازل عن ملكية “اغلب” الشركات والمرافق العامة المملوكة للدولة بشقيها المدنى والعسكرى، و”داخلياً”،ً ادخال بعض التحسينات على حياة المصريين البائسة، اما الاستحقاقات السياسية، فسيكون من الوارد تماماً تأجيل الاجزاء شديدة الحساسية الوطنية والقومية من خطة الرئيس ترمب، لفترات لاحقة، هذا اذا ما استمر ترمب نفسه فى السلطة.

والسيناريو الثانى، الاقل ترجيحاً، هو ان يتحقق السيناريو السابق ذاته، ولكن على يد “فرق السيسى” نفسه، بعد ان يجرى عملية “تحول جراحية”، يكون قادراً بعدها على تنفيذ هذا السيناريو بنفسه، عندها فقط، سيكون من المفترض ان “ميكانيزم” انعدام البدائل قد حرر عقل “فريق السيسى” بصورة رائعة!.

اما السيناريو البغيض الاخير، هو ان يصر “فريق السيسى” على الاستمرار فى طريق “التنفيذ الاحادى” لكل مهامه، معتمداً فقط على الاعلام الاحادى الموجه، والقبضة الامنية الحديدية، وهو ما يهدد بأحتمالات الفوضى المدمرة، انه السيناريو الاسوأ على الاطلاق، والذى لا يتمناه اى وطنى، والمفترض ان لا يسعى اليه ليس فقط اى وطنى بل اى انسان يشعر بأى قدر من المسؤلية الانسانية.ل ف  

القاهرة، الخميس 15/3/2018م

سعيد علام

إعلامى وكاتب مستقل

[email protected]

http://www.facebook.com/saeid.allam

http://twitter.com/saeidallam

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, سعيد علام and tagged , , . Bookmark the permalink.