السعي إلى الرخاء

كيف تنطلق الاقتصادات النامية 1/4  

تأليف : جاستن ييفو لين .

ترجمة : حمدي أبو كيلة .

الناشر : المركز القومى للترجمة – العدد 2753 .

سنة النشر : الطبعة الأولى 2018 .

عرض :  فتحي سيد فرج

يقدم هذا الكتاب شرحا مفصلا لوقائع عملية موثقة، عن كيفية تمكن دول كانت نامية تعانى من مستويات فقر عالية، وفرص عمل  قليلة، وبيئات أساسية بائسة، ولكنها أنجزت تحولات تنموية إعجازية، ليست مستمدة من تجارب دول متقدمة، أو نظريات كانت تفرضها مؤسسات دولية : فكيف؟ ومتى؟ وفى أى فترة زمنية؟ استطاعت عديد من الدول النامية الوصول إلى نمو اقتصادى مرتفع، وحد من الفقر، فرص عمل مرتفعة، دخول أعلى، ورفاهية إنسانية أفضل، وعالم أكثر استقرارا .

ولتوضيح أهمية هذا الكتاب، وأهمية قدرته على أبراز هذه التحولات، فأننى سوف أبدأ بالتركيز على الفصل الثالث، فهو من وجهة نظرى قدم أهم دروس “الفشل التنموى” الذى اتبعته دول التحرر الوطنى بعد استقلالها من الاستعمار، ففور أن أصبح نكروما أول قائد لغانا، تعهد بأن يشجع التنمية الصناعية، على أسس التخطيط المركزى أسوة بما اتبعه الاتحاد السوفييتي، كي تنجز الدولة تصنيعا وتحديثا سريعين، فقد انطلقت غانا منذ 1959 لتحديث البلاد من خلال تنمية صناعات متقدمة  كثيفة رأس المال في وقت قياسي .

هكذا وعد نكروما حيث كان يدعو لإنشاء مصانع تمتد من مصانع الصلب وأفران الألمنيوم وحتى معامل تكرير السكر، في ذلك الوقت، كانت غانا دولة ذات دخل منخفض، وكان اللاعبون الرئيسيون في سوق الصلب العالمي فرنسا واليابان وألمانيا الغربية. وكما يتبين في النهاية، فإن النوايا الحسنة والطموحات الكبرى من دون الاعتبار الصحيح للواقع الاقتصادي يمكن أن يؤدي إلى إخفاقات في التصنيع والتنمية .

خطة غانا تضمنت إنشاء شركات مملوكة للدولة، كثيفة رأس المال بالنسبة لاقتصاد من سماته ندرة رأس المال، هكذا كانت غير متسقة مع الميزات النسبية لها، وهدف التنمية كان كميا، يتمثل في إنشاء 600 مصنع في دفعة كبرى، ولكن لم يكن لديها القدرة الفنية أو بنية تنافسية أو تمويل كي تحقق هذه الأهداف الطموحة، وبذلك كان الاقتراض الخارجي يمثل جزءا كبيرا من الإطار المالي، حقا حققت غانا معدلات استثمار مرتفعة، بمعدل 22% من الدخل الحقيقي أثناء خطة التنمية الثانية (1959-1964). وكان مستوى طاقتها الإنتاجية في الصناعات الثقيلة كبيرا جدا، وصناعتها حققت وفورات حجم كبيرة. ولكن منتجاتها لم تلاقى طلبا في السوق المحلي، وكانت غير تنافسية في الأسواق العالمية. ونتيجة لكل ذلك، انتهى بها الأمر إلى طاقات عاطلة وخسائر فادحة .

ولكي تستمر تلك الصناعات على قيد الحياة، احتاجت لحماية وإعانات مستمرة من الحكومة، مما خلق  مشكلات على مستوى الاقتصاد الكلي: فالخسائر المالية المتراكمة التي حققتها المشروعات العامة فاقمت من عجز الادخار وساهمت في عدم توازن ميزان المدفوعات، وفي تضخم مرتفع، وأزمات حادة . وسجلت البلاد ثلاث سنوات متتالية من النمو السالب في متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1964 و1966، وارتفع التضخم من 1.0% سنة 1957 إلى 22.7% سنة 1965. ومع مواجهة البلاد لخراب اقتصادي، عزل نكروما، المخلص، في انقلاب عسكري سنة 1966. ودخلت غانا في فترة طويلة جدا من البؤس الاقتصادي ومن الاضطراب السياسي والاجتماعي .

 غانا لم تكن وحيدة في سعيها النبيل ولكن الكارثي للتحديث. فبعد الحرب العالمية الثانية، تبنت صين ماو ومصر ناصر وهند نهرو وإندونيسيا سوكارنو، وكل دول العالم الثالث تقريبا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إستراتيجية مشابهة للتصنيع، لكي تلقى كلها نفس المصير .

 مصر اتجهت إلى نفس المحنة الاقتصادية، بادئة مع جمال عبد الناصر. فتحت تأثير افتتانه بنجاح الولايات المتحدة رغم ميله تجاه الاشتراكية، انخرط جمال عبد الناصر في بحث محموم عن إستراتيجية تنمية صالحة. ثم دعا إلى “اشتراكية عربية” وأمم المصارف والمرافق لكي يمول برنامجا للتصنيع انحاز للصناعات الثقيلة مثل الحديد والأسمدة والورق والمعادن في خطته الخمسية الأولى (1960/1961-1964/1965).

النتائج والآثار الاقتصادية لإستراتيجية ناصر التصنيعية كانت مخيبة للآمال: فبينما نما متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 38% على مدى 14 عاما خلال رأسته (1956-1970)، تضرر أداء الاقتصاد المصري جراء التدخلات الحكومية، وانعكس ذلك في نشوء مشروعات عامة غير تنافسية وغير كفء وفي معدلات ادخار أقل  أدت في النهاية إلى معدلات استثمار أقل

أن المستثمرين الخاصين كانوا محجمين عن الاستثمار في تلك الصناعات الثقيلة، التي كانوا يعرفون أنها غير قادرة على البقاء، ويمكن أن تكون مربحة فقط لو توفرت لها المعونات والحماية من قبل الدولة. ورغم أن تلك الصناعات مولت من خلال الائتمان المقدم من الدولة، فإنها لم تكن تنافسية مطلقا، ومع أن الدول النامية كانت غنية بالعمل والموارد الطبيعية وليس برأس المال، فإن الصناعات كثيفة رأس المال لم تكن متكيفة مع بنى مؤهلات تلك الدول، أو مع ميزتها التنافسية. ولم تستطع أن تتنافس مع المشروعات في الدول المتقدمة ذات رأس المال الوفير. ولذلك، فقد كانت غير قادرة على البقاء في أسواق تنافسية مفتوحة ولم تستطع أن تظل على قيد الحياة من دون إعانات أو حماية الحكومة. والأمثلة التاريخية لمثل تلك الأخطاء كثيرة .

على الجانب الأخر استطاعت دول كانت فقيرة تعانى من بيئات أساسية بائسة، ان تحقق نموا اقتصاديا وتنمية متوازنة وتدريجية، يشرح الكتاب نماذج لهذه التحولات، وكذلك يطرح المفاهيم والنظريات التى اتبعتها تلك الدول، ولا يتوقف عند ذلك بل يستخلص الدروس المستفادة من بعض التجار التنموية، ويدعى أن أي دولة نامية تستطيع أن تبدأ في طريق نمو وتحول هيكلي ديناميكي حتى لو كانت لديها بنية أساسية وبيئة أعمال فقيرتان .

خذ مثال الصين. في وقت تحولها إلى اقتصاد سوق سنة 1979، كانت بيئة الأعمال فيها بائسة، والبنية الأساسية كانت سيئة جدا، وبيئة الاستثمار كانت قاسية. وكانت نصيحة إجماع واشنطن هي تحسين كل شيئ في نفس الوقت في عملية انفجار كبير. وبدلا من ذلك، قامت الحكومة الصينية بحشد مواردها وقدراتها التنفيذية المحدودة في بناء مناطق اقتصادية خاصة ومجمعات صناعية. وداخل تلك المناطق والمجمعات، خُفِّفَت الاختناقات في البنية الأساسية، وجُعِلَت بيئة الأعمال تنافسية جدا .

بهذا المنهج، طورت الصين بسرعة صناعات خفيفة كثيفة العمل لكي تصبح مصنع العالم. والنجاح في تلك المناطق على المستويات المحلية أنتج موارد وظروفا مكنت الحكومة من أن تحسن البنية الأساسية وتزيل التشوهات في أ جزاء أخرى من الاقتصاد. لقد كانت هذه هي الوصفة السرية لنجاح التنمية، ليس في الصين فقط ولكن أيضا في اقتصادات أخرى في شرق آسيا .

كما أن النجاح السريع لمصنع أحذية هواجيان فى إثيوبيا يبين أن الوصفة  يمكن أن تنجح أيضا في دول نامية أخرى. ولتشجيع مثل هذا المنهج البراجماتي عندما كنت في البنك الدولي، كَلَّفت بإجراء  دراسة عنوانها الصناعات الخفيفة في أفريقيا في 2010. ووفقا للدراسة كان معدل الأجور في صناعة الأحذية في إثيوبيا يعادل من عشر إلى ثمن مثيله في الصين، وحوالي نصف مثيله في فيتنام، بينما كانت إنتاجية العمل في إثيوبيا حوالي 70 % من إنتاجية العمل في الصين ومساوية لمثيلتها تقريبا في فيتنام. وهكذا، كانت إثيوبيا تنافسية بدرجة كبيرة في صناعة الأحذية، التي كانت تكلفة العمل الإجمالية فيها حوالي ربع تكلفة العمل الإجمالية في نظيرتها في الصين. ولكن في 2010 ، كان هناك حوالي 19 مليون عامل في صناعة الأحذية في الصين، و 1.2 مليون عامل في فيتنام، وحوالي  8000 عامل في إثيوبيا.

مثل  هذه التجارب أكدت أن هناك خط آخر من الأفكار في الفكر التنموي، ألا وهو الاقتصاد المؤسسي الجديد، الذي شكله رونالد كوز  ودوجلاس نورث، اللذان وضعا أسس نظرية تقوم على أهمية حقوق الملكية، والحكم الرشيد، وتمكين بيئات الأعمال، فالأساس الرئيسي لهذه النظرية هو الاعتراف بأن المعاملات لا يمكن أن تكون بدون تكلفة، وأن هناك بدائل مختلفة، ومستويات للمؤسسات، فقد حددا أربعة مستويات من المؤسسات. المستوى 1 يتكون من مؤسسات غير رسمية راسخة مثل العادات والتقاليد والقيم والدين. عند المستوى رقم 2 تخلق قيم رسمية، أقواها في النظام القانوني هو دستور للبلاد. والمستوى رقم 3 هو مستوى الحكم أو تطبيق القواعد الرسمية، والذي يستمد ضرورته غالبا من فشل مؤسسات المستوى رقم 2؛ وهو أيضا المستوى الذي عنده تتفاعل الأطراف رسميا مع بعضهم البعض وتوقع الاتفاقات، بما يجعل الحكم الرشيد في الاتفاقات ضروريا في دوره الرئيسي، وهو أن “يشكل النظام”، وبالتالي يلطف الصراع ويحقق المكاسب المتبادلة”. وأخيرا، المستوى رقم 4 هو مستوى السوق، حيث تحدث المعاملات فعليا وتتحدد الأسعار”، فالاقتصاد المؤسسي الجديد تضمن حوافز للأعمال. ولكنه أيضا أوصى باستثمارات مستدامة (وبطيئة بوجه عام) في البنية الأساسية “الناعمة” التي تسمح للأسوق بأن تعمل على نحو صحيح .

إن الأدلة التاريخية تبين أن عملية النمو في الاقتصادات الناجحة اتبعت نمطا متشابها: فالاقتصادات الأوفر حظا مثل إنجلترا والولايات المتحدة وظفت برا عتها في إنتاج منتجات وصناعات جديدة ابتكارية، وفي أساليب لأداء الأعمال تسمح لها بأن تحقق مكاسب في الإنتاجية وأن تنمو بخطى سريعة. أما من تلوهما مثل فرنسا وألمانيا واليابان، فقد استطاعوا أن يلحقوا بها. وهذا هو السبب في أن الغرب استغرق ثلاثمائة عاما لكي يبتكر ويُصَنِّع، بينما اليابان احتاجت لأقل من مائة عام، وشرق آسيا استغرق أربعين عاما فقط، وفي وقت أحدث، انطلقت أيضا مجموعة  دول البريكس إلى مسار  ناجح  من خلال نفس النمط .

هناك درس رئيسي من هذا المنهج، وهو مفهوم أن البلدان المختلفة  )أو نفس البلد عند لحظات مختلفة من الزمن(  تحتاج لاختيارات مختلفة من السياسات لتسهيل النمو؛ وأن  “الأسس الكبرى”  التي يتطلبها النمو الأموال الكافية، وحقوق الملكية، والانفتاح، والأسواق الحرة يمكن أن تأخذ أشكالا كثيرة؛ وأن إنجازها يتطلب سياقا ومعلومات محددة، ويفترض أن كل دولة لديها بعض القيود المكبلة لاحتمالات نموها، والفشل في تحديدها وإزلتها يمكن أن يعوق أداءها الاقتصادي .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, Economy إقتصاديات, فتحي سيد فرج and tagged , . Bookmark the permalink.