ولكنكم تعشقون الاستبداد

أحمد علي 

منذ وصول الجنرال عبد الفتاح السيسى للسلطة وتوسم فيه مريديه بمختلف أهوائهم وتوجهاتهم الكثير من الاحلام كل على حسب توجهه وحينما نتحدث عن التيار العلمانى تحديدا فقد تمنى انصار هذا التيار ان يحقق لهم الجنرال احلامهم المكبوتة ان يصير المصريون مثل بقية البشر المتحضرين الموجودين على ظهر البسيطة وهم كثر

لم يجد انصار هذا التيار من الجنرال ما يخدم توجهاتهم العلمانية سوي اعلان الحرب الشاملة على الارهابيين فسيناء وتقوية شوكة وزارة الاوقاف ضد الفكر السلفى وقيامهم بأخذ بعض المساجد من سيطرة السلفيين مع اشتراط ان من يخطب فالمسجد يجب أن يحمل اذن بالخطابة من الازهر وذلك لتحجيم الدعوة السلفية بمعنى أدق السيسى قام بتحجيم الفكر السلفى لمصلحة الفكر الازهري الذي احيانا يتشابه مع الفكر السلفى ويختلف أحيانا أخري معه

كى أكون منصفا لا أنكر ان الفراغ السياسى الذي أحدثه غياب الاخوان ادي لزيادة الجرأة لدي الكثير من الشباب الملحد واللادينى فى الجهر بأفكارهم وهذا حقا لهم نص عليه الاعلان العالمى لحقوق الانسان واعتبره  شىء ايجابى جدا وفقا للمعايير العلمية والنفسية المعترف بها فى جميع  انحاء العالم وهناك العديد من الابحاث العلمية فى جامعات محترمة فى العالم اشارت الى ان الملحد واللاأدري واللادينى هم أكثر ذكاء من غيرهم يحسب للسيسى انه بدوره فى 30 يونيو قد ساعد فى تقوية وزيادة جرأة الملحدين وغيرهم فى التعبير عن أرائهم

ولكن هل هذا يرضى طموحنا كتيار علمانى أو اذا اردنا الدقة  فالتعبير هل هذا ما نأمله من السيسى كتيار علمانى؟

الاجابة  قطعا لأ واذا عرف السبب بطل العجب

السبب هو ان ما فعله السيسى لم يتجاوز تغيير الاشخاص وخدمة الفكر الازهري على حساب الفكر السلفى لم يكن هذا هو المراد وانما المراد هو ما قالته استاذتنا المذيعة الجميلة الرائعة بسنت سلامة  هو ان الشعب المصري علمانى بالفطرة وان كنت اري ان الانسان بالضرورة علمانى بالفطرة وليس المصري تحديدا اذن فالهدف هو تغيير الافكار وليس الاشخاص وذلك لا يكون بمجرد التضييق على السلفيين او اعلان الأخوان جماعة ارهابية انما بالضرب فى جذور الطائفية الدينية فى الفكر المصري وذلك يكون بتغيير الثانية من الدستور المصري التى تقول ان دين الدولة هو الاسلام وان الشريعة الأسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع وكذلك ازالة المواد الخاصة بصلاحيات الازهر فى الدستور المصري والتى جعلت من الأزهر دولة داخل الدولة لأن الدستور المصري المتطرف ينص فى المادة 7 على ان الازهر يتولى مسئولية الدعوة للأسلام فى العالم كله وكأننا نعيش فى عصر بداية الاسلام ونريد اقامة الخلافة وفرض الجزية على النصاري واسترقاق الجواري ولا أدري ما الفائدة من وجود هذه المادة أساسا واري ان هذه المادة ضررها كبير جدا

والسبب الرئيسى وراء رؤيتى هذه هو ان الاسلام مثله مثل أي دين قائم على الأيمان بأمور غيبية نختلف ونتفق عليها ولكن لا يجوز للدولة أن تكون طرفا فى هذا الخلاف حتى تكون الصورة أكثر وضوحا ما أعنيه ان هناك خلاف ما بين البشر جميعا حول فكرة حدوث الوحى وهل القران كلام الله أم لا وهل المسيح هو ابن الله ام لا وهل أصلا الله موجود أم لا وبناء عليه لا يجوز ان تكون الدولة طرفا فى هذا الخلاف الازلى والسبب الاخر انى لم أر فى نشر الشريعة الاسلامية سوي القتل والدم والتاريخ والواقع هم من يقولوا ذلك فما بين غزوات اسلامية دموية قام بها المسلمون الأوائل وبين جماعات اسلامية دموية تمارس الارهاب الان فى مصر وسوريا والكاميرون ومالى وأوروبا وامريكا يقف المرء فاغرا فاهه مندهشا متعجبا من الذين يدافعون عن الشريعة الاسلامية  فى وقت يمارس فيه الارهاب الاسلامى هنا وهناك

كيف يتم تخصيص 12 مليار جنيه لموازنة الأزهر فى البرلمان وذلك لنشر الاسلام فى العالم ولبناء المساجد فى بلد تعانى من غلاء اسعار فاحش وانهيار منظومة التعليم وكان من باب أولى تخصيص هذه الاموال للأرتقاء بمستوي التعليم والصحة للمواطن

كان من الممكن جدا ان يقوم السيسى بالغاء مادة التربية الدينية من المدارس واستبدالها بمادة تخص الأخلاق بدلا من وضع مادة لنشر أفكار دينية معينة انما يجب أن تكون الدولة فى منطقة الحياد فى موضوع الدين كل ما يمكن أن يطلب من الدولة هو تعليم الطفل الاخلاق والسلوكيات الحميدة لا التدخل فى تحديد معتقداته

هذا ما كان يجب أن يفعله الجنرال السيسى اذا كان صادقا فعلا فى مواجهة التطرف واذا كان فعلا يتبنى مشروع علمانى ويريد أن يجعل من مصر دولة حديثة متحضرة

هذا بالنسبة للعلمانية ولكن ماذا عن الديمقراطية هل الجنرال السيسى مؤمن بالديمقراطية؟

اعتقد انه لا يخفى على أحد حتى المؤيدين للنظام الحالى قمع المعارضين والشباب الذين يتم القبض عليهم فى قضايا تظاهر لمجرد التعبير عن ارائهم مع العلم ان أغلبهم ليسوا جماعات اسلامية وكذلك الاعلاميين الذين يتم تكميم أفواههم لمجرد معارضتهم للفرعون الاله وابرزهم واهمهم الصحف الجريء ابراهيم عيسى الذي لم يهدأ لرؤية بلده تنتهك حقوق الانسان بذلك الشكل الصارخ وذلك الفشل الذي تمر به الدولة عل جميع الاصعدة ويبقى هذا رأيه ويحترم حتى لو اختلفت معه فما كان من النظام سوي الضغط على القناة لوقف برنامجه وحتى حينما ظهر مرة أخري على الفضائيات قام بالتجنب عن الكلام على اوضاع البلد الحالية

اذن ما دام النظام الحالى لايتبنى مشروعا علمانيا وكذلك ليس ديمقراطيا يقبل التعددية فلماذا نجد قطاعا كبيرا من المصريين يرون فالنظام الحالى انه الاصلح لمصر فى الوقت الحالى أو ان الرئيس الحالى هو أفضل الموجودين (وانا اختلف مع هذه المقولة تماما لأنه توجد معارضة مستنيرة ولكن تم تكميم فمها عن طريق الاستبداد الدينى العسكري )؟

والسؤال الأهم لماذا يعشق المصريون الاستبداد؟

حتى نجيب على هذا السؤال يجب تعريف ما هو الاستبداد

يستبد فى معجم المعانى الجامع معناها تعسف وانفرد بالامر دون مشارك له فيه

اذن الاستبداد هو التعسف وان ينفرد صاحب فعل الاستبداد بالفعل دون أن يشرك أحدا فيه

وبناء عليه السلطة المستبدة هى تلك السلطة المتعسفة التى تأبى أن يشاركها أحد فى اتخاذ القرار

ما هى خطورة الاستبداد؟

خطورة الاستبداد تكمن فى انه يجعل السلطة بدون محاسبة بمعنى ان النظام المستبد يفعل ما يحلو له بدون رقيب ولا حسيب فينتشر الفساد والسرقة كما حدث مع مبارك أو يصاب بجنون العظمة فيقدم على أي فعل أخرق يتسبب فى كارثة عسكرية للوطن ولنا فى جمال عبد الناصر عبرة وعظة حينما اصابه جنون العظمة واغلق خليق العقبة ضد عبور السفن الاسرائيلية وهو ممر دولى يخضع لقواعد وبروتوكولات دولية ولم يكن يمتلك أي حس سياسى وتسبب فى أكبر هزيمة عسكرية لمصر فى 5 يونيو 1967

ما الذي يحدث علميا لعقل الانسان المستبد؟

يقول د أحمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسى والرئيس الاسبق للجمعية العالمية للطب النفسى ان السلطة المطلقة التى بلا محاسبة تحدث لصاحبها ما يسمى متلازمة الغطرسة والعظمة وتعطيه لذة تفوق أي لذة أخري  تشبه تأثير الافيون وحين زوالها يعانى من اعراض الانسحاب كأعراض المخدرات

كيف يحمل العقل المصري الأستبداد؟ 

يحمله منذ الصغرلأن أغلب المصريين تم تربيتهم بالضرب اقتداء بنبى الاسلام علموا أولادكم الصلاة عند سبع واضربوهم لعشر ونري الكثير من الأسر المصرية تفخر بأنه تم تربيتها على الضرب والقهر وما أكثر انتهاكات حقوق الطفل فى الدول الاسلامية لا يتم تربية الطفل على البحث والتمحيص فى مصر انما يتم تربيته على التلقين والحفظ ويتم فرض عليه الدين بالقوة بداية من الاسرة نهاية بكتابة ديانة معينة فى بطاقته الشخصية وبين هذا وذاك لم يتم تخييره ولا اعطاؤه الحق فى اختيار معتقده لأن حرية الأعتقاد فى رأيى هى أهم حق من حقوق الأنسان بل تسبق فى رأيى حرية التظاهر وغيرها من الحريات اذا كنت تريد أن تبنى عقلا يجب عليك كنظام ان لا تتدخل فى ذلك الخلاف الأزلى حول الوجودية وحدوث الوحى واذا قمت بالتدخل فيجب أن تتدخل بشكل محايد بمعنى أن تكفل الدولة حرية العقيدة لأبنائها بشكل مطلق حتى لو بدت تلك المعتقدات غير مألوفة للمزاج العام فى المجتمع ومرجعها فى ذلك الاعلان العالمى لحقوق الانسان الذي قام على أسس علمية نفسية صحيحة

ماذا بعد قيام الدولة بالاستبداد الدينى؟

ينتج عن ذلك جيل مشوش تربى على عدم اعمال عقله البتة ولا يعرف حقوق الانسان كما هى موجودة فالدول المتحضرة فيتسبب ذلك فى نشوء الجهل وان يصدق الأنسان أي شىء فلو قام رجل الدين مثلا باخباره ان يختن بنته سوف يختنها واذا اخبره رجل الدين أيضا ان من حقه ان يخون زوجته وينام مع أخري تحت مسمى تعدد الزوجات سوف يفعل ذلك

واذا تم اخباره ان يحضر عريسا لابنته وهى طفلة اقتداء بنبى الاسلام سوف يفعل ذلك وفى النهاية من الممكن بكل بساطة ان يقال له ان الديمقراطية نظام غربى كافر واننا المسلمون لا نؤمن بها وبناء عليه يقوم برفض الاخر وقمعه ويقوم بممارسة القتل مثلما فعل الصحابة حينما اختلفوا فى فهم ايات القران وقتلوا بعضهم البعض كما حدث فى موقعة صفين

بعد ما بدأت الدولة فالاستيفاق من نومها وبدأت تدرك خطورة الاصولية الدينية قامت على مضض بتقديم فهم جديد للدين تحت مسمى الاسلام الوسطى لمواجهة الفكر المتشدد وان كان يتشابه معه فى بعض الامور ولكن الدولة حافظت على جذور التطرف بالابقاء على الشريعة الاسلامية كمصدر رئيسى للتشريع وحاربت المثقفين والمفكرين بشتى السبل فاصبح منبع التطرف مفتوحا يلقى بتيار التطرف والجهل فى عقول المصريين والدولة لا تفعل شيئا سوي محاولة تحجيمه فقط وهذا ما تفاجأ به الجميع بعد 25 يناير حينما قام الشباب المثقف الغير منتمى لأي تيارات سياسية أو دينية بقيادة الثورة على نظام مبارك ولكن فالنهاية منبع التطرف المنهدر فعقول المصريين اختار الجماعات الاسلامية وهكذا فوجئنا جميعا بعد ثورة يناير التى قام بها شباب ليبرالى مثقف مستنير ان قام الشعب بعدها بانتخاب السلفيين والاخوان المتزمتين المنغلقين الظلاميين !!!!

لماذا يعشق المصريون الاستبداد؟

منبع التطرف يضخ بكل قوة فى عقول المصريين ويغلق منابع التنوير التى تتسم بها الثقافة الحديثة والتى تضخ ديمقراطية وتعددية وليبرالية وقبول للأخر وبناء عليه أصبح المصريون الذين يحملون فى عقولهم بصيص من شعاع التنوير فى حيرة من أمرهم كيف نقيم نظاما ديمقراطيا ونحن لا ندري شيئا عن قيم الحداثة ما الحل اذن؟

الحل هو انتخاب رئيس مستبد يتحالف مع من يسمونه ائمة الاسلام الوسطى تكون كل مهمته هو منع الجماعات الاسلامية من الوصول للحكم ولأنه هو نفسه لا يدرك ما هى قيم الحداثة والتنوير فيمارس الأستبداد بدوره ولا يقوم بتنوير العقول أو تبنى قيم الديمقراطية والتعددية انما يمارس الاستبداد ويتحالف مع كهنة الدين تحت دوي هتافات الشعب المحتار الذي يصفق له بكل قوة

كيف نتخلص من الاستبداد؟

يجب اغلاق منبع الاستبداد فى مصر وهو الاستبداد الدينى المقصود به فرض أحكام شريعة معينة على عقول المصريين وذلك يكون بحذف المادة الاولى من الدستور التى تنص على ان دين الدولة الاسلام ومباديء الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ووضع مناهج الازهر تحت اشراف هيئة من المثقفين لازالة الأفكار المتطرفة وان يكون الأزهر تحت اشراف الدولة وازالة اي قيد على حرية التعبير ولو بشكل تدريجى مثل قانون ازدراء الأديان الذي يتناقض مع المادة 53 من الدستور التى تقول فى مضمونها انه لا يجوز عمل تمييز بين المواطنين على اساس الدين أو العقيدة وهذه المادة فيها تمييز صارخ ضد الملحدين واللاأدريين واللادينين واستبداله بقانون يجرم التحريض على الكراهية ضد كل الاطياف سواء المسلمين أو الملحدين او غيرهم من ابناء الوطن كما فى انجلترا ويجب ايضا ازالة خانة الديانة من البطاقة وعدم فرض معتقد معين على الناس وكذلك حذف مادة التربية الدينية من المناهج واستبدالها بمادة الاخلاق الحسنة لتعريف الطفل بقيم التعايش وقبول الاخر بدلا من وصف المشركين بالنجاسة واليهود بأنهم احفاد القردة والخنازير

وتثقيف المجتمع من خلال النخبة المثقفة على قبول الأختلاف فى العقيدة بمرور الوقت سينشأ جيل تربى على قيم الحداثة ويؤمن بما وصلت اليه الحضارة الحديثة من مباديء مثل التعددية وغيرها هذا الجيل سينشأ نظاما ديمقراطيا  تكون فيه معارضة حرة قوية ويكون فيه احترام لحقوق الانسان على اساس علمى يكون فيه رئيس الدولة مثله مثل أي مواطن بسيط

 

وبهذا فقط ينتهى الاستبداد وتتحقق الديمقراطية وتنتهى مقولة (ولكنكم تعشقون الأستبداد)

أحمد على

الاسكندرية-مصر

7/3/2017

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد علي and tagged , , , . Bookmark the permalink.