!الشرعية الدوارة” فى مصر”

 (1952 – 2018)

سعيد علام  

ظهر فى مصر فى السنوات الاخيرة تمصير لفكرة “اعادة التدوير”، فبعد ان عرف العالم المتقدم صناعياً، اعادة تدوير المخلفات لاعادة استخدامها، كان لعبقرية المصريين شأنها، فـ”أبتكر” المصريون اعادة التدوير فى الاقتصاد كما فى السياسة، ففى الاقتصاد ظهرت فى مجال الانتاج الحيوانى طريقة “البقرة الدوارة” الذى نفذتها “الجمعية الشرعية” بمركز الداخلة،  والتى تعتمد على تسليم شخص بقرة “عشار”، يقوم بتربيتها حتى تلد، ويأخذ هو إنتاجها، وبعد ذلك يسلمها مرة أخرى إلى الجمعية، وهي “عشار” أيضا، وتسلمها الجمعية بدورها إلى شخص آخر، ولذلك سميت بـ”البقرة الدوارة” .. وفى السياسة تم استخدام “الورقة الدوارة” فى تزوير الانتخابات، حيث يسلم المرشح استمارة التصويت مسودة لصالحه، الى الناخب الذى يضعها فى صندوق الاقتراع، ويأتى بالاستمارة الفارغة، التى تسلمها من لجنة الانتخابات، الى المرشح، الذى يعيد ملئها لصالحه، ليسلمها لناخب آخر، وهكذا تم استخدام “الورقة الدوارة” فى تزوير الانتخابات.

تجديد معادلة الحكم فى مصر !

“لا حتنفع لينا ولا لغيرنا”،(1) هكذا اعلنها الرئيس السيسى بكل صراحة ووضوح، فبعد زلزال 25 يناير 2011 اصبح من الضرورى للنسخة الاحدث من سلطة يوليو الممتدة، “فريق السيسى”، ان تجدد من نمط علاقتها بالمواطن، حيث اصبح من الضرورى، بدلاً من التورية، المباشرة، والاعلان بكل صراحة ووضوح عن هذا النمط، الجديد / القديم، من هذه العلاقة، هذا النمط الذى يضع الشعب مباشرة فى مواجهة مع الازمة البنيوية للسلطة فى مصر، ليتحمل الشعب مسئولية ونتائج فشل سلطة يوليو على مدى اكثر من ستة عقود!، على قاعدة نحن نحكم بطريقتنا، وانتم تتحملون نتائج طريقتنا!.

التجديد الدورى لشرعية الحكم!

تجدد سلطة يوليو الممتدة شرعيتها بشكل دورى، فكلما انتقص منسوب الشرعية يتم رفعه من جديد؛ تجدد الشرعية فى مصر وفق ” قانون الملكية”، نحن نورث من يحكم، وبأى طريقة يحكم، ووفقاً لهذا “القانون” لم يكن للشعب المصرى يوماً دوراً فى “خلق” شرعية الحكم فى مصر، باسثناء الدور المغدور، المؤقت والمحدود، الذى لعبه فى 25 يناير / 11 فبراير 2011.

فمنذ ان استمد نظام يوليو شرعيته فى 1952 (الضباط الاحرار / عبد الناصر) من مشروع ازاحة الملكية واقامة الجمهورية الاولى، ومشروع التحرر الوطنى التنموى، حتى جاءت هزيمة 67 لتنتقص من هذه الشرعية، ومن اجل استعادة المنقوص من الشرعية واستمرارها، قبل عبد الناصر بالقرار 242 ومبادرة روجرز، اى قبل الاعتراف باسرائيل.

ثم جاء السادات مستمداً شرعيته “الابتدائيه”، من كونه نائب الرئيس الراحل، وبالتالى ممثلاً لسلطة يوليو الممتدة، ومع استمرار احتلال اسرائيل لسيناء، “ميراث الرئيس الراحل”، اخذت شرعية الحكم فى التأكل، لتأتى حرب اكتوبر 73 لتستعيد المنقوص من الشرعية، ومع اتفاقية الصلح مع اسرائيل، والنتائج المعاكسة لسياسة “الانفتاح الاقتصادى” 1974، اخذت شرعية الحكم تتناقص مرة اخرى حتى وصلت الى اغتيال الرئيس السادات نفسه، مروراً بانتفاضة الخبز.

كذا جاء مبارك مستمداً شرعية “ابتدائية” منقوصة وضعيفة، من كونه نائب الرئيس “المغتال”، لذا فقد بذل مبارك جهوداً واضحة لاستعادة وتقوية الشرعية المنقوصة والضعيفة، على المستوى الداخلى والاقليمى والدولى، والتركيزعلى كونه احد ابطال حرب اكتوبر، وصاحب الضربة الاولى الجوية التى مهدت لانتصار اكتوبر، وكذلك الاتجاه لتوسيع مساحة الحرية السياسية “الشكلية” والاقتصادية، اللتان كان قد بدأهما السادات، الا انه عندما شرع مبارك بالتجهيز لتوريث حكمه، الذى استمر 30 عاماً، لابنه، تقلصت شرعيته، وتهددت شرعية حكم سلطة يوليو كلها، شرعية اساسها الجمهورى الذى لا يورث، تقلصت الى ادنى مستوى لها، بما يهدد بزوالها.

لقد انقذ المجلس الاعلى للقوات المسلحة شرعية حكم سلطة يوليو الممتدة من الانهيار، من خلال توليه مسئولية “ادارة شئون البلاد” فى اعقاب الانتفاضة العارمة فى 25 يناير 2011.

السلطة لا تستعيد تنازلات يناير فقط !

لم يكن امام سلطة يوليو العتيقة الممتدة، امام اللحظة الفارقة فى تاريخ حكمها، فى 25 يناير 2011 وما بعدها، سوى ان تنحنى امام “العاصفة” وتقدم مجموعة من التنازلات حتى تمر؛ الا انه امام درجة خطورة “العاصفة” التى تمثلت فى الالتقاء “المحظور” بين ملايين الجماهير المنتفضة والمعارضة السياسية، وفى مقدمتها منافس السلطة التاريخى اللدود “الاخوان المسلمين”، أستعارت السلطة شعار ثوار يناير “النوبة دى بجد، مش حنسبها لحد”، الشعار الذى لم يستطع ثوار يناير ان يحتفظوا به امام انتهازية الاخوان المتأصلة، التى قابلتها المعارضة المدنية بأنتهازية لا تقل عنها انانية!؛ وبدهاء سلطة يوليو العتيقة، تم تنفيذ خطة الالتفاف على “العاصفة”، متكئة على انتهازية المعارضة “العجوز”، اسلامية ومدنية على السواء؛(2) ليس من اجل ان تستعيد جملة التنازلات التى قدمتها مضطرة امام “العاصفة” فقط، وانما،– كما تعتقد –، لقطع الطريق، بكل قسوة، امام اى امكانية لعودة “العاصفة” من جديد، وهو ما يفسر المغزى العميق للحنين لدى قطاعات واسعة من الجمهور لزمن مبارك الذى ثاروا عليه!، والكفر بالثورة!. 

الموقف الدولى من شرعية الحكم فى مصر !

ان موقف الصمت الدولى ازاء الحجب القسرى لاى منافسة معتبرة من داخل المؤسسة العسكرية للمرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى، يمكن فهمه على اعتبار انه ليس كافياً ان يكون مرشح الرئاسة من كبار قادة القوات المسلحة، لكنه بالاساس يجب ان يكون مدركاً ومستعداً لتنفيذ المهام “التاريخية” المنوط برئيس مصر انجازها فى هذه المرحلة المعينة، وقبوله بشروط وآليات تنفيذها، هذا هو جوهر الموقف الصامت للقوى الدولية الحاكمة، من عمليات الحجب القسرى التى جرت امام انتخابات 2018، فبعد اجتياح “النظام العالمى الجديد”  للغالبية العظمى من دول العالم المعاصر، والعمل على قدم وساق على رسم خريطة جديدة للشرق الاوسط، والذى يمثل الاندماج فيه والعمل من اجله، الشرط الحاكم عند القوى الدولية، لشرعية سلطة حكم مصر فى اللحظة التاريخية المحددة، فليس كل قائد عسكرى كبير وفريقه الداعم، قادر على ادراك طبيعة المهام التاريخية فى اللحظة المحددة وقادر ومستعد لتحمل مسئولية وتبعات ونتائج آليات تنفيذها.

ان ادراك “فريق السيسى” لطبيعة المهام المطلوب انجازها دولياً، سياسياً واقتصادياً، واستعدادة وقدرته على تنفيذها، وعلى التعامل مع آليات وتبعات ونتائج تنفيذها، هى المحدد الاساسى والوحيد، المحددة لموقف القوى الدولية الحاكمة، من سلطة حكم السيسى، اما اى محددات اخرى، فهى هامشية، كصفقات السلاح او الصفقات التجارية، اياً كان حجمها، فالهدف الحاكم هو تحويل النظام المحلى ليتوافق مع “النظام العالمى الجديد”، كجزء من الشرق الاوسط الجديد، وليس مجرد عقد بعض الصفقات؛ كذا الحال مع موقف القوى الدولية من مدى التزام السلطة المحلية مع المعايير الدولية للحريات والديمقراطية وحقوق الانسان .. الخ، فمن المفهوم لدى “النظام العالمى الجديد”، كما لاى متابع مدقق، انه، – على سبيل المثال -، لا يمكن تنفيذ سياسات اقتصادية عنيفة، “نيوليبرالية”، تؤدى الى افقار الملايين، فى ظل مناخ من الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان!.

القاهرة، الاربعاء 28/2/2018م

سعيد علام

إعلامى وكاتب مستقل

[email protected]

http://www.facebook.com/saeid.allam

http://twitter.com/saeidallam

المصادر:

(1) كلمة السيسي في مشروع “غيط العنب” باﻹسكندرية.

https://www.youtube.com/watch?v=Wgwliom7KPY

 (2)  خبرة يناير: بين براءة الثوار، ودهاء لنظام العتيق، سعيد علام.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501507

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, سعيد علام and tagged , , . Bookmark the permalink.