كيفية صناعة المسخ

سامح سليمان  

إن المجتمعات العشائرية المقولبة لا تسعى إلا لتزييف وعي الفرد وبرمجته على ما يتناسب مع مخططاتها وتوجهاتها منذ طفولته، باستخدام كافة مؤسساتها؛ خاصةً أهم مؤسسة في حياة الفرد وأكثرها تأثيرًا في حياته على المدى الطويل، وهي مؤسسة الأسرة القائمة في أكثر الأحوال على التضليل والتملك والإرهاب، واستعباد الأقوى للأضعف تحت العديد من المسميات فارغة المضمون وعديمة القيمة والمعنى، وتسلط مَن يملك القوة الاجتماعية أو الاقتصادية، وهو في الغالب يكون الأب (لاحظ التسمية الشائعة “رب الأسرة”؛ فهو الكامل السيد الآمر الناهي المُطاع بلا جدال أو مناقشة)

إن المجتمعات المتيمة بصناعة وابتكار التابوهات والأوثان بأنواعها، وتأليه الشخصيات العامة الشهيرة ، والانقياد الأعمى لتضليلهم، والتلذذ المازوشي بالعبودية والغرق في مستنقعات سلطانهم الوهمي الكاذب، لا تفهم إلا لغة القوة، ولا تؤمن إلا بالمصلحة، ولا تعرف سوى التنميط والتغييب والتآمر، ولا تسعى إلا لخلق كائنات تابعة ممسوخة الهوية تم محو ذاتيتها وتدمير كيانها النفسي وتشويه قاعدتها الفكرية، كائنات اعتمادية بحاجة لمَن يكفلها؛ تم قولبتها وتفكيك ومسخ وسحق هويتها، كائنات قاصرة ذهنيـًا مريضة بمختلف الأمراض النفسية والفكرية والاجتماعية، كائنات “سادومازوشية” محتقرة لذاتها ومعادية للأخر.

كائنات عبارة عن دمى متحركة وحطام إنسانية وأشباة بشر،منقادة مسلوبة ألإرادة بحاجة إلى مَن يقودها ويقوّمها ويؤدبها ويبرمج عقلها ويقيّم ردود أفعالها ويحدد أهدافها ومسارها، وهذا هو الشغل الشاغل والهدف المقدس لدى العديد من الآباء والأمهات في كافة المجتمعات، وخاصةً في مجتمعاتنا، في طريقة تربيتهم لأبنائهم بسبب شعور الوالدين بالدونية والشك في النفس وعدم الكفاية الذاتية، وانعدام الإحساس بالقيمة والجودة والقدرة على الفعل نتيجة الحياة في ظل مجتمع أبوي طبقي مستغل، تنتشر به جميع صور الخرافة والجهل والتجهيل، فالعديد من الآباء يستغلون سلطتهم الوالدية لامتلاك الأبناء ـإحدى المعتقدات الوهمية السائدة هي أن الأبناء ملكية خاصة لوالديهم _ لأنهم من صناعتهم وإنتاجهم ، ـوتسخيرهم وتشييئهم بتحويلهم إلى أدوات ووسائل لتحقيق أهدافهم، وغرس مبدأ خاطئ جدًا ومدمر في عقول أبنائهم، وهو أن سبب وجودهم هو تحقيق رغبات والديهم، بل وإقناعهم بحتمية وعظمة قبولهم لذلك الدور، لما لهم من فضل يتمثل في إنهم سبب مجيئهم للحياة، وأيضًا لقيامهم بالإنفاق وتوفير المسكن .

إن الإنفاق والرعاية وتوفير المسكن المناسب والحياة الكريمة للأبناء، ليس فضل أو هبة أو عطية من الآباء، بل هو حق للأبناء وفرض ومسئولية على الوالدين.

هذا بخلاف قيام العديد من أرباب الأسر بالسعي عن عمد إلى تدمير قدرة أبنائهم على الاستقلالية واتخاذ القرار والتحلي بالحزم والحسم والصلابة اللازمين لتحقيق

الذات، وتكوين منهج فكرى خاص، واتخاذ نموذج الحياة الذي يجدونه الأفضل والأنسب والأكثر صلاحية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سامح سليمان and tagged , , . Bookmark the permalink.