انجيل لوقا، وفشل اول شيوعية مسيحية

يسوع وتراث من سبقوه، الغني ولعازر نموذجا. (2)

أرنست وليم 

 لو استثنينا الروايات الشعبية الهزلية عن حكايات العائدين للموت في نصوص كاتب ساخر مثل لوقيانس السميساطي للقرن الثاني الميلادي، ومن سار على خطه، او روايات الخوارق والعجائب وتهذيب الاخلاق ونشر الفضل بين الناس كما في كتابات بلوتارك( 46 – 120 م) صاحب اجمل واصفى عقلية انجبتها الثقافة اليونانية – صاحب كتاب “التراجم المتقابلة”، واكتفينا فقط بالأمثلة الثلاث التي ذكرناها كقالب على نسقه استوحى لوقا رواية الغني ولعازر، وهي القصة المصرية الشعبية “لساتمي وابنه سينوزريس، والقصة التلمودية “للعشار بارمايان وكاتب التوراة الفقير “، ثم اخير في عودة  “اير البمفيلياني ” للحياة بعد زيارته لعالم الاموات كما جاءت في كتاب الجمهورية لأفلاطون [ انظر النصوص في المقال السابق ]  

http://www.civicegypt.org/?p=75579

نلاحظ الآتي:

أولا – رواية لوقا – التي تفرد بها ولم يذكرها أي انجيلي اخر – ليست بأكثر من احد الروايات الشائعة عن وصف للحياة بعد الموت بنكهة وعظية لا تخلو من اعلان عقيدة، وهي في النهاية تنغيمه على المفاهيم الشعبية والعقائد المنتشرة بين العوام الغير واضحة بل احيانا متضاربة مع نصوص أخرى يعتبرونها مقدسة ايضا، هذا وبالإضافة  إلى استحالة انكار تأثير الاسبق على الاحدث. وسنتناول في مقال لاحق البعد العقائدي حول مفهوم الحياة بعد الموت والجحيم عند الشعوب المختلفة وما جاء به لوقا في مثل الغني ولعازر.

ثانيا – بالإضافة للبعد العقائدي الذي لا يمكن تجاهله، موضوع البحث القادم، والمتداخل مع الجانب الاجتماعي الاخلاقي الذي نتناوله في هذا المقال، نشدد على الملاحظة الآتية: اتفقت جميع النصوص، باستثناء روية لوقا، على ربط الشر بالعقاب فلا يدان الشخص لغناه بل لشره، فلا عقاب على امتلاك المال ولا دينونة على الشخص لمجرد أنه غني أو وجيه من وجهاء القوم وسادتهم وإن زادت بعض النصوص ادانة للشرير في طريقته في اكتناز المال، حيث يصير تحصيله بطرق ووسائل شريرة دليل على شره واتكاله على المال كمخلص ومنقذ حتى من غضب الله. ففي مثل التلمود، حيث أن ” بارمايان ” كان “عشار” أي يعمل لصالح المحتل الروماني الوثني يجمع له ضريبة العبودية ثم تكون له على ذلك عمولة مقتطعة من لحم الامة خيانة لها لصالح من يذلها، وزيادة على ذلك ارتباطهم بالربا والظلم وبيع الانتماء القومي والديني طمعا في مال “حرام”، فيكفي قول ان الرجل “عشار” ليتخيل المستمع أو القارئ اليهودي كم الشرور التي يستحق عليها 100 جهنم، ومع ذلك لأنه فعل شيء ما حسن في حياته فلم ينساه له الله، فرده له بجنازة مهيبة – ثم يمضي لعالم الاموات فيعذب على ما اقترف من ذنوب وشرور. وكذلك في الرواية المصرية فلم يكن للفقير من تنعم ورفعة مقام إلا لان حسناته فاقت سيئاته أمام محكمة عادلة مستوفية الشروط، وما كان من شقاء وعذاب لصاحب المقام الرفيع بين القوم إلا لان سيئاته فاقت حسناته فكان للعقاب مستحق. كذلك في الرواية الفلسفية لأفلاطون حيث أن اير البمفيلياني رأى مَن حُكم ببراءتهم أمام محكمة العالم الاخر، فُختمت جباههم أو صدورهم بختم الفوز، أما الاشرار فكتبت على ظهورهم قائمة شرورهم وذنوبهم في الدنيا ليحملوا عارهم الابدي ويعذبوا على ما اقترفت ايديهم في الدنيا. وفي المقابل فإن كل من جرى ذكره في هذه الروايات يتنعمون، سواء فقراء ماديا أم لا، فلا فوز لهم إلا لصلاحهم وحسن فعالهم وإن خفيت على الناس في الارض او لم تنل من الناس المدح المستحق ولكن السماء لا تضيع اعمال البر التي تضيف الرواية التلمودية لها: الاجتهاد في درس التوراة، ولكنها جميعا تتفق على نوال كل شخص على قدر استحقاقه.

إلا انجيل لوقا، إذ لم ينسب أي شر للغني، فهو يقول: ” كان إنسان غني وكان يلبس الأرجوان والبز وهو يتنعم كل يوم مترفها، وكان مسكين اسمه لعازر، الذي طرح عند بابه مضروبا بالقروح، ويشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغني، بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه ” (لوقا 16: 19 -21)

بالتأكيد كون الفقير مضروب بالقروح ويشتهي أن يأكل من الفتات الساقط من مائدة الغني، لا يجعل من الفقير رجل صالح ولكن قد يجعل المرء يتساءل لعل هنا شر الغني أي أنه لم يشفق على المسكين وتركه طريح الطريق مريض جائع تلحس الكلاب قروحه؟ ولكن الاجابة تأتي سريعا بمتابعة القراءة، فبعد ان ” مات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم. ومات الغني أيضا ودفن فرفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب، ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه ” ( لوقا 16: 22 -23) يدور الحوار بين ابراهيم والغني، فيتضح سريعا أن العتاب ليس هنا ابدا، أي ليس في ترك الفقير جائعا مريضا بل في شيء اخر، هو امتلاك المال يعادل الدينونة وفقدها يعادل الابدية، وأن الحياة الاخرى ليست اكثر من اصلاح اقدار من عاش في تنعم هنا فليشقى هناك، ومن عاش الشقاء هنا تنعم هناك دون الحديث ابدا عن اي قيم اخلاقية اخرى. فلا يقول له ابراهيم مثلا أن الفقير صاحب قلب نقي لم يفعل غير المستقيم في عيني الله أو حسب الشريعة، ولا انه – أي الغني – اساء في الدنيا وفعل الطالح الذي معه يستحق بئس المصير بل يقول له متعذرا عن عدم امكانية التخفيف من عذابات الجحيم التي يعانيها الغني بحجتين، الأولى عن سبب اختلاف المصائر ” يا ابني، اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزى وأنت تتعذب ” ( آية 25) والثانية سبب تقني، جغرافي جيولوجي للعالم الاخر: ” وفوق هذا كله، بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت، حتى إن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون، ولا الذين من هناك يجتازون إلينا” ( آية 26)، لا نعلق على السبب الثاني الذي يدعيه ابونا ابراهيم ويجعله فوق كل شيء، إذ يجعل هذا الحواجز الجيولوجية عقبة كأود في وجه عمل رحمة لشخص يتعذب في نار جهنم ألى ابد الابدين يطلب متوسلا حتى قطرة ماء على اصبع لعازر يبرد بها لسان الغني المحترقة من شدة ما هو به من عذاب!… في حين أن هذه العوائق الجيولوجية في تضاريس العالم الاخر لم تمنع الرؤيا والحديث بين ابونا ابراهيم وفي حضنه أخونا لعازر، وبين صاحبنا الغني الذي استوفى خيراته في الدنيا!

  إذا القضية عند لوقا تبدو في الغنى والفقر، أي مصير الناس على اساس امتلاك المال او عدمه. فالفقير  ودون الحاجة لذكر أي استحقاقات تبرر مصيره الاخروي غير أنه كان في الدنيا فقيرا، لدرجة التقيح واشتهاء الفتات الساقط من موائد الاغنياء، فبذلك يكون قد استوفى بلاياه على الارض، والغني يستحق العقاب إذ استوفى اجره على الارض! وكأن الله كتب على الانسان نصيب من التنعم وقدر من الشقاء فمن استوفى هذا أو ذاك في الدنيا، خاصة بامتلاك المال أو الفقر، يكون انقلاب الآية في الاخرة هو العدل المكين المتين.

فهل هكذا يفكر لوقا حقا، ام هذا تزيد وتربص منا وإخراج النصوص عن معانيها عن الكل العام الذين يدعون انه منسجم متسق؟

الواقع اننا نلاحظ ان لوقا عنده مشكلة مع المال، وحساب شرس مع الاغنياء، إن لم نقل حقد نفسي اجتماعي عليهم، فحتى في موعظة يسوع على الجبل الشهيرة بينما يقول متى:

” طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات

 طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون

 طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض

 طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يشبعون ” ( متى 5: 3 -7)

ينقلها لوقا كالآتي: ” طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله

 طوباكم أيها الجياع الآن، لأنكم تشبعون. طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون ” ( لوقا 6: 20 -21)

فيصير المساكين بالروح عند متى، مساكين فقط، أي فقراء وكفى وليس فقراء بالروح. ويتحول الجياع والعطاش إلى البر في انجيل متى إلى جياع وفقط، ويكفي الباكون اليوم أنهم غدا هم الضاحكون…

لعلنا اسئنا الفهم ايضا؟ – ربما!

ولكن لوقا لا يتركنا لحيرتنا، ناسبين إليه حسن المقصد وسوء فهمنا نحن، وعجزنا عن ادراك مقصده الروحي، ولكنه يضيف إلى الموعظة على الجبل مجموعة من الويلات التي لم يأتي على ذكرها متى قائلا:

” ويل لكم أيها الأغنياء، لأنكم قد نلتم عزاءكم

 ويل لكم أيها الشباعى، لأنكم ستجوعون. ويل لكم أيها الضاحكون الآن، لأنكم ستحزنون وتبكون

 ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسنا. لأنه هكذا كان آباؤهم يفعلون بالأنبياء الكذبة ” (لوقا 6: 24 -26)

هذه الاضافة لا تسمح لنا حتى باتهام انفسنا اننا نسيء الفهم، انه مصر اصرارا عجيبا على التأكيد على الفقر المادي في مقابل الغنى المادي، إذ يتوعد بالويل للأغنياء ماديا لأنهم نالوا عزاءهم، والشباعى لأنهم شبعوا فيستحقون الجوع، وويل للضاحكين المترفين الهانئين فغدا هم الحزانى وقريبا هم الباكون النائحون، ويل لمن يقال عنه في الدنيا حسنا، فما يقول الناس عن الناس خيرا إلا لسبب خبيث إذ قالوا في الانبياء الكذبة حسنا أيضا!! ( بينما في نص اخر يوصي يسوع بأن يرى الناس حسناتنا فيشهدوا لنا، فيمجدوا الآب في السماء، فالناس إذا لا تقول خيرا فقط في الانبياء الكذبة وإلا فلماذا الفخر في بعض النصوص أن الشعب كله شهد ليوحنا أو أن الكتبة والكهنة خافوا القبض على يسوع في المدينة خوفا من الشعب الذي كان عندهم كنبي؟ ولكن هذه النصوص لا تعرف الاعتدال في القول، هي من تطرف إلى تطرف مخيف ) 

لذلك فلا مفر من الاتفاق مع ما جاء في حاشية الترجمة الكاثوليكية للكتاب المقدس عندما تقول ” المقصود هنا قبل كل شيء أولئك الفقراء إلى خيرات الدنيا – في حين أن الكلام يدور عند متى على الفقراء بالروح، كما تشير إليه التطويبات التالية والويلات التي تقابلها”

وبينما يقول متى:” لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون ” ( متى 6: 19 -20) يقول لوقا للجميع على لسان يسوع، لا ان يكفوا عن الكنز بل ليتصدقوا هو خير وابقى، بل بصيغة الأمر: ” بيعوا ما تملكون، وتصدقوا به، اصنعوا لكم في السماوات اكياس لا تبلى ” (لوقا 12: 33، ترجمة كلية اللاهوت الحبرية – الكسليك)

لن نعطي امثلة اكثر من ذلك، لكن قد يسأل سائل: أليس هذا يدين لوقا بما عليه اتفاق عام بين الاناجيل، وهو كراهتهم للمال والدعوة للتجرد منه وتوزيعه على الفقراء، ألم يرد في كل الاناجيل جواب يسوع للشخص الذي اراد ان يتبع يسوع فقال له: يعوزك شيء واحد وهو ” بع أملاكك وأعط للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعالى اتبعني” ( متى 19:21) وبصيغة اخرى: ” يعوذك شيء واحد: أذهب بع كل مالك وأعط للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعالى اتبعني حاملا الصليب ” ( مرقس 10:21 ) وهذا لا يختلف كثيرا على ما جاء في لوقا 18:22؟

واضح أن لوقا، ليس هو فقط بالتأكيد، عنده مخزون من الاحقاد الشائعة في بيئة التفاوت الطبقي فيها يحرمها سلامها ويجعلها بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة. انه شكل من اشكال الامراض النفسية الاجتماعية التي نراها في في اصحاب الشيوعية الراديكالية الانتقامية، البعيدة عن الرؤيا العقلانية بمفهوم التكافل الاجتماعي الراقي والمنظم من خلال قوانين لا تترك احد على قارعة الطريق بل تعيد من اخنى عليهم الدهر لمجتمعاتهم اكثر قدرة على العطاء والاستفادة، ليس فقط من خلال برامج أعانة ودعم، بل وفي نفس الوقت تعليم وتأهيل. لان كل فرد هو بالضرورة قادر على العيش بسعادة في الدنيا وقادرا على اسعاد من حوله، فالمجتمع يعطي ما يعود عليه بالفائدة العامة وبالعطاء الموجه يعيد المجتمع إلى سلامه وينزع فتيل الاحقاد من النفوس.

في الحقيقة أن الاناجيل عموما تعلم بشكل قاطع أن من اراد أن يتبع المسيح ويكون له تلميذ عليه أن يبيع ما يملك إن كان يملك شيئا، وان يعطي كل ما يجمع، هذا إن جمع شيئا، ثم يعيش على الكرازة و”التسول”، نعم التسول، التسول من افراد الجماعة أو من المبشر لهم. فمن اختار ان يكون نعم التلميذ فليتخلى عن كل شيء، ويعطى ما كان له: ” اذهب بع كل ما لك وأعطي للفقراء فيكون لك كنز في السماء، وتعالى أتبعني حاملا الصليب ” ( مر 10: 21)،

” إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني ” ( متى 19: 21)،

“يعوزك أيضا شيء: بع كل ما لك ووزع على الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني ” ( لوقا 18:22)

 وإن باع التلميذ الحق ليسوع ما يملكه فليعطي ثمنه للفقراء أو يتركه تحت اقدام بطرس، او خلفائه طبعا ( انظر اعمال رسل للوقا الاصحاح الرابع)  ولا يعود ينظر للوراء فهو كمن وضع يده على المحراث ( لوقا 9: 62)، وان يدع الموتى يدفنون موتاهم، أي لا يذهب من طلب أن يعتني بأبيه الشيخ وربما المريض ثم يتبعه يسوع اينما ذهب، بل الان وفي الحال غير ناظرا للخلف وتاركا الاخرين، الاموات، يهتمون بشأن هذا الاب، الميت أو الموشك على الموت ( لو 9: 60 – متى 8:22)، ولا حتى يذهب طالب من يريد ان يكون ليسوع تلميذا ليودع اهل بيته ( لوقا 9: 61) بل العيش على التسول والعطاء من اجل الكرازة… ومما سبق يتضح أن التطرف في التخلص بالمال بهذا الشكل والصيرورة فقراء متواكلين على قدرة الله للعيش عالة في الايام القليلة المتبقية للمسيحيين على الارض مع الادانة للغنى والأغنياء هي سمة عامة بالفعل في الاناجيل الاربع، ولكن لوقا كان الاكثر صراحة وتطرفا في معاداة الاغنياء فيصير عنده مجرد امتلاك المال يجعل مقتنيه مدان ويستحق نار جهنم… وكذلك يتفرد في عدم الاكتفاء بالعطاء السخي لحد التطرف والتضحية بكل غالي من اجل يسوع والكرازة والملكوت بل العطاء حتى ولو بالسرقة وخيانة الامانة كما في مثل العبد الذي قال سيده اعطي حساب وكالتك، ففكر هذا العبد ماذا يفعل: ” لأن سيدي يأخذ مني الوكالة. لست أستطيع أن أنقب، وأستحي أن أستعطي،

 قد علمت ماذا أفعل، حتى إذا عزلت عن الوكالة يقبلوني في بيوتهم

 فدعا كل واحد من مديوني سيده، وقال للأول: كم عليك لسيدي؟

 فقال: مئة بث زيت. فقال له: خذ صكك واجلس عاجلا واكتب خمسين

 ثم قال لآخر: وأنت كم عليك؟ فقال: مئة كر قمح. فقال له: خذ صكك واكتب ثمانين

” ( لوقا 16: 3 -8) فمدح السيد وكيل الظلم إذ بحكمة فعل، لأن أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم

وهذا ايضا مثل تفرد فيه لوقا، ويسبب كثير من الازعاج لكل من يحاول تأويله على محمل حسن، فهذا السيد الذي طرد عبد من الخدمة فبدل ان يعيدها بأمانة لصاحبها إذ به يدعوا المدينين لسيده ويوزع عليهم من مال سيده وكأنه “مال ابوه”، وكأنه ورثة، ناهبا من مال السيد، سارقا، مزورا، كاذبا، غاشا، مخادع…. ثم يأتي السيد في “طلعة هندي” وبدل من ان يدينه يمتدحه لحكمته! وعلينا أن نأخذ المثل من هذه الملحمة الا-اخلاقية… ولكن لوقا، بهذه العقلية التي يعتبر كل المال مال الظلم، يجب توزيعه وصرفه وكل صرف وتوزيع هو محمود حتى ولو ليس له على هذا المال سلطان، ثم ينهي المثل بمستحيل يفسد ليس القيمة الادبية والقصصية في السرد ولكن يجعله نموذج سيء للاتعاظ به، مفسدة اخلاقية حقا.

ثم عند حديثة عن الجماعة الأولى في اعمال الرسل المنسوبة له ينقل لنا الوضع المثالي الذي يجب ان تكون عليه الجماعة المسيحية، وهي ان يبيع الجميع ما له من املاك وحقول ومدخرات ويوضع تحت ارجل التلاميذ، أو تحت ارجل كبيرهم بطرس، بثمنها، ثم يأتي كل واحد بعدها ويأخذ حسب احتياجه. هكذا يقول: ” نعمة عظيمة كانت على جميعهم، إذ لم يكن فيهم أحد محتاجا، لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها، ويأتون بأثمان المبيعات، ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزع على كل أحد كما يكون له احتياج ” ( اعمال 4: 33 -35) – ثم يقص علينا قصة حنانيا وسفيرة اللذان باعا حقل لهما فادخرا منه بعض المال فقام الروح القدس بضرب كل واحدا منهم على حدى لأنهما كما يقول كبيرهم بطرس “اختلاسا ” مما كان لهم!! وفي مشهد من مشاهد العهد القديم، على وزن ضرب عخان ابن كرمي الذي سرق مما حرمه الله فنزلت نار من السماء وأكلته اكلا، هكذا مات في الحال الرجل ثم المرأة، لأنهما اقتطعا منه بعضا، ولم يضعوا تحت ارجل بطرس الثمن كله. فوقع على الجميع خوفا عظيم بعد ان ضرب الروح القدس ضربته هذه القاضية.

أهذا تاريخ ام تخويف من لا يبيع كل ما يملك ويضع تحت ارجل التلاميذ أو خلفائهم من باب مد الخط على استقامته؟ لا أعلم! كل ما اعرفه ان مجتمع كهذا غير قابل للعيش بين بشر اسوياء، انها استراتيجية جماعة تبشر بقرب عودة يسوع ممجدا، وان نهاية العالم قريبة: “والوقت منذ الآن مُقَصَّرٌ، لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم، والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون […] لأن هيئة هذا العالم تزول.” ( 1 كو 7: 29 -31)

أننا لا يمكن ان نفهم تطرف لوقا في علاقته بالمال بهذا الشكل المرعب إلا في اطار نهاية العالم – والعيش الايام الباقية منه في شيوعية كاملة، ماعدا النساء، والتكريس الكامل على عمل البشارة والتسول إلى ان يأتي الرب على السحاب فنمجد في السماء…. هذا القول هو عقيدة القوم منذ 2000 سنة ولم يأتي الرب كما كانوا يتوقعونه. 

 

ختام:

رواية لوقا على لسان يسوع، في مثل الغني ولعازر، وإن كانت ليست فريدة بل هي من شائع القول ومن مشهور الروايات والقصص والحكي، إلا انها الاقل براعة في بلوغ غايتها إذ انها اوحت بإدانة الغنى لا الشر الذي يمكن أن يكون الغني مدفوعا له حفاظا على ما ملك أو الطريقة التي جمع بها المال. وأشادت بالفقر ليس كتضحية وبذل لأجل تحقيق غاية سامية أو بلوغ منزلة رفيعة ولكن لان الفقراء يدخلون الجنة. هذا على افتراض أنه اراد شيء، اخلاقي ذو قيمة غير ما قاله وهو ان الاغنياء في الجحيم والفقراء للنعيم وكفى… ويبدوا أنه لم يرد قول أكثر من ذلك فعلا بل وضع ايضا على لسان يسوع امتداح للعبد الذي تخلص من المال، حتى وإن كان هذا المال ليس ماله، وحتى إن كان هذا العبد مستأمن عليه، فامتلاك المال شر، وبعثرته حتى على غير المستحق غاية تبجل وحكمة تستحق التبسم.. فيأتي السيد لا بالكرباج والعصا بل الاعجاب والزهو بعبد فاسد!

 أننا لا يمكن لنا أن نفهم عقلية لوقا إلا في اطار حالة الهياج الروحي باقتراب نهاية العالم والتفرغ للملكوت والتبشير به أنه قريبا وعودة يسوع الممجد على السحاب وتراه كل عين هي اقرب من كل لحظة مضت على حياة المعاصرين للوقا، حيث اليقين ان هذا الجيل لا يمضي حتى يكون الكل: ” الحق اقول لكم: أن من القيام قوما ها هنا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته” (متى 16:28)  وفي انجيل مرقس، “حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة ” ( 9:1)، وفي لوقا ” حتى يروا ملكوت الله” ( 9:27) – مؤمنين في زمن لوقا ” ان خلاصهم الآن اقرب مما كان حين حين آمنا” ( رومية 13: 11)

ويؤكد ذلك سفر الرؤيا، ان الذين طعنوه سيرونه وهو آتيا على السحاب وتبكي عليه كل قبائل الارض (رؤيا 1:7)

الكارثة فعلا، اننا لن نناقش اختلاف اقوال يسوع كما وردت في الاناجيل، ولن نسأل ماذا قال يسوع بالضبط في التطويبات هل هو قال المسكين بالروح، والجياع والعطاش للبر، أم قال المساكين يرثون الملكوت والجياع والعطاش يشبعون ثم اضاف الويلات على رؤوس الاغنياء والشباعى بل والضاحكين الذين ينتظرهم الغم الاكبر عن قريب؟ ولكن المشكلة بالنسبة لمقالنا هذا هو كيفية “ادلجة” ذكريات عن يسوع لتعطي معاني خاصة بكاتب الانجيل والتي ربما يكون يسوع التاريخي بريء منها كل البراءة، بل لعله إن سمعها ضرب كف على كف من هول ما يسمع مما قيل على لسانه، كهول اكبر من هوله عندما صلى للأب أن يجعل من يؤمنون به واحد، فلم يستجب له الآب إذ هم طوائف تفوق اعدادها الآلاف، وتدعي جميعها أنها ادركت مراده من اقوال هؤلاء الكتبة لما قالوا ما قالوا ونسبوه ليسوع المسكين، المسكين فقط أم مسكين بالروح؟!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.