لماذا العلمانية‎

محمد الشحات الشحات 

الانسان بطبيعته كائن اناني يسعي في المقام الاول لتحقيق حاجته ومنافعه ولاننا كبشر مختلفين في تحديد مصالحنا وقد تتعارض مصلحتي وحاجتي مع غيري من البشر ولئن كل طرف يريد ان يحقق مايراه مصلحه ومنفعة له من الطرف الاخر ينشأ بينهما تفاوض يتم من خلاله تحقيق اتفاق يحقق للطرفين مصالحهم وهذا هو جوهر السياسة ان تكون فن تحقيق الاتفاق فانت عندما تصل الي اتفاق مع بائع علي سلعة يتم من خلاله تحقيق مصلحتك كمشتري بالشراء بالسعر المناسب لك وتحقيق مصلحة البائع بتحقيق ربح اكبر فانت بوصولك لهذا الاتفاق انت وهو تمارسان السياسة والقانون والعقد الاجتماعي والدستور هو اتفاق تمت سياسته لتحقيق الصالح العام للمجتمع ككل لكن الاتفاق يتحقق عندما يكون للطرفين استعداد للتضحية بجزء من مكاسبه حتي لايخسرها كلها.

لكن هذا الاستعداد لايتم ان كان الانسان يتحرك بدافع عقيدة يري نفسه فيها انه صاحب الحق والمختلف معه خصم عدو علي باطل ينبغي ان انتصر عليه هنا ينسحب الحوار والمناقشة ويحل محلها الصراع ومع الصراع ينشأ الدمار والكراهية والحقد ويختفي السلام والمودة والحب ولهذا ولتجنب الصراع نحت البشرية العقائد عن السياسة لاجل تجنب الصراعات لئن العقيدة هي شأن ذاتي هي رؤية خاصة بالانسان قائمة علي شئ يسمي الايمان وهو التصديق والتسليم ولئننا جبلنا علي الاختلاف فنحن مختلفون في ايماننا وعقدئنا وعندما يتدخل هذا الايمان في سياسة مصالحنا يصبح تحقيق الاتفاق مستحيلا قد يقال ان الدين انما وجد لتحقيق مصالح الناس بشريعة من السماء لئن الله اعلم بمصالح البشر لكن لايملكون وحيا يبلغهم عن الله الايمان الصحيح هم امنوا لانهم صدقوا معتقداتهم التي تقول انهم علي الايمان الصحيح يروي ان ابي بكر وعمر قد زارا ام ايمن مربية الرسول بعد وفاته فوجدها تبكي قالا لها مايبكيك وقد لحق الرسول بالرفيق الاعلي قالت لا ابكي من اجل موت النبي لكن ابكي لانقطاع الوحي فبكيا بانقطاع الوحي انقطع مرشد السما الذي يبلع المؤمنون مراد السماء.

اصبح المؤمنون يعتقدون ماهو صورة لمراد السماء وما يراه انسان مختلف عن ما يراه الاخر لكن الكل يري انه معه مراد السماء من الارض رغم حداثة عهد الصحابة بالاسلام الا ان هذا لم يعصمهم من الاختلاف والحرب علي تأويل مراد السماء فكانت الفتنة الكبرى التي راح من ضحايا الالاف بين فئتين دعوهما واحدة وهي تطبيق شرع الله وكل فريق يري في الاخر انه لايطبق الشرع وبسبب هذه الفتنة انقسمت الامة الواحدة الي فرق شتي كثيرة تتصارع فيما بينها وتسفك الدماء فيما بينها حتي الي هذا اليوم وان كان الفارق بين هذه الفرق في العقيدة والدين ضئيلا جدا بل يكاد يكون منعدم كان جوهر الصراع صراعاً سياسيا امتزج بالعقيدة وكان امتزاجه بالعقيدة هو سبب الفرقة والنكبات في امة واحدة ودين واحد ومنذ عهد الصحابة الذين اعلم بالدين منا فما بالنا اذا امتزج الدين مع الدولة والسياسية في بلد متنوع الاديان والعقائد والمتدينين فيه ليس معهم وحي ولا اتباع نبي والمذهب الواحد حتي في الدين الواحد منقسم ومتشظي الي مذاهب وفرق. ولجمع هذه الفرق المتشظية المتصارعة تحت مظلة واحدة وهي مظلة الشريعة ولئنهم متفرقون وكل منهم يري انه يمتلك مراد الشريعة كان لابد من جمعهم تحت مظلة سلطة تري نفسها انها هي موكلة بتطبيق شرع السماء فكان الكهنوت الديني الملك العضوض خلفاء مستبدين يؤخرون الصلاة ويقتلون بالظن وينهبون اموال المسلمين يحكمون بالملك العضوض ويرون انفسهم انهم متولين وحامين الشرع وان معارضتهم هي معارضة لشرع الله ومعارضة شرع الله هي معارضة لله فالخليفة هو ظل الله في الارض كما كتب الخلفاء العثمانيون علي باب قصر السلطنة في توب قابي في اسطنبول وهكذا كان امتزاج العقيدة الدينية يجعل المسلمين واقعين بين فكي الحروب الدينية التي تأتي بالدمار والخراب والحكام الطغاة المستبدين الذين يسفكون دمائهم وينهبون اموالهم لم يكن العدل والسلام والحياة الآمنة في تاريخ المسلمين الا استثناء بسيط وليس فقط كان هذا الوضع خاصا بالمسلمين فقط ولاهو كان استثناءاً للغرب كما يصور كثير من الشيوخ والمفكريين الوسطيين نعم يختلف الدين في الغرب عن الشرق لكن امتزاج الدين بالدولة والسياسية نتائجه واحدة.

تحررت اوروبا عندما جعلت الدين امر شخصي وجعلت العقل هو الحاكم الذي يسوس مصالح الناس وهو وسيلة الانسان لمعرفة محيطه وكونه وبمعرفة النواميس التي يجري عليها الكون كان تحرر الانسان واخضاعه لتلم النواميس لرفاهيته فكان التقدم العلمي الذي حرمنا منه لسيطرة الدين علي العقل نعم هناك نصوص في الاسلام تحث علي اعمال العقل والعلم لكن هذا في اطار خدمة الايمان والايمان والعلم لايجتمعان العلم قائم علي الشك والتجربة واعمال الدليل والايمان قائم علي التصديق بدون دليل العلم تراكمي متجدد اما الايمان فطابعه المحافظة علي القديم لقد كان سبب تأخرنا هو تحريم مشايخ المسلمين في مصر وتركيا للطابعة استنادا لاجتهادهم الديني لكن نتيجة تغير الواقع وضغوط التغيير لم يعد هناك بد من سقوط فتوي التحريم وهذا هو الديدن في التعامل مع العلوم والمخترعات الحديثة رفض وتحريم ثم قبول اضطرارا بضغط واقع التغيير لعلنا كنا نري فتوي المشايخ الذين كانوا يحرمون مشاهدة التلفزيون و الانترنت والان نري نفس الذين كانوا يحرمون التلفزيون والانترنت لهم مواقع علي الشبكةالعنكبوتية وبرامج وقنوات تلفيزيونية سيطرةالدين علي العلم قد نجدها برازة في مسئلة ختان الاناث مثلا فرغم ان منظمة الصحة العالمية اثبات ضرر ختان الاناث الا إن محاربة هذه العادة تجد عقبة في الفتاوي الدينية التي تجيزها انطلاق من نصوص دينية ضاربة بعرض الحائط بالتقارير الطبية التي تثبت ضررها ولئننا نستحق حياة افضل كان لابد من سياسة حياتنا باسلوب علمي قائم علي العقل وكان لابد ان يكون الدين شأن شخصي كان لابد من العلمانية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, محمد الشحات الشحات‎ and tagged , . Bookmark the permalink.