المثقف عندما يناقض نفسه

طلعت رضوان  

أعتقد أنّ من بين أسباب التخلف الثقافى (الثقافة بمعناها الحضارى) فى تجربة الثقافة المصرية، فى العصرالحديث، أنّ كثيرين حازوا شهرة واسعة وحصدوا إعجاب آلاف القراء، لدرجة وصفهم (بلا مبالغة) بالمريدين أو(الدراويش) وصار الحوار معهم أقرب للعبث، حيث تـمّ غلق عقولهم (بأسمنت) معتقداتهم حول عشقهم لمعبودهم (فلان الفلانى المثقف الكبير)

وأعتقد- ثانيـًـا- أنهم يقرأون- لوكانوا يقرأون ولايكتفون بما يـُـسمى الثقافة السمعية- لم يخطرعلى عقولهم رصد وملاحظة (تناقضات) هذا المثقف (من كتبه) وبالتالى فهم أشبه بالمؤمن بدين معين، وآمن به إيمانــًـا مطلقــًـا، ونفس الأمرينطبق على مريدى (فلان المثقف الكبير)

وقد رصدتُ الكثيرمن الأمثلة لكثيرين من (المثقفين) المصريين، كان من بينهم الأستاذ الدكتورجمال حمدان. ورأيتُ أنْ أبدأ به نظرًا لحصوله على (مرتبة القداسة) لدى معظم المتعلمين المصريين، المحسوبين على الثقافة السائدة، خاصة العروبيين والناصريين.

أبدأ بما كتبه واتفقتُ فيه مع سيادته، ففى (موسوعته) الضخمة عن (شخصية مصر) كتب ((واحد من أخطرعيوب مصرأنها تسمح للرجل العادى المتوسط بل للصغير، بأكثرمما ينبغى، وتفسح لها مكانا أكبرمما يستحق، الأمرالذى يؤدى إلى الركود والتخلف، وأحيانــًـا الفشل والاحباط والعجز. وفى حين يتسع صدرمصربرحابة للرجل الصغيرإلى القميىء، فإنها على العكس تضيق أشد الضيق بالرجل الممتاز، فشرط النجاح والبقاء فى مصرأنْ تكون اتباعيـًـا لا ابتداعيـًـا، تابعـًـا لارائدًا، محافظـًـا لاثوريـًـا، تقليديـًـا لامخالفـًـا، مواليـًـا لامعارضًـا. وهكذا بينما تتكاثرالأقزام على رأس مصر، ويقفزون على كتفها، تتعثرأقدامها فى العمالقة، وقد تدهسهم))

هذا ما كتبه المفكرالكبيرجمال حمدان. وأنا أتفق معه فى المعنى العام لهذه الفقرة، وأختلف معه فى الأسلوب، خاصة أنه (عروبى كبير) ويعرف (معنى الأسلوبية) ومع هذا وصف من ذكرأنهم (من عيوب مصر) من بينهم (الرجل المتوسط والصغير) فهذا التعبيرخطابى إنشائى وفيه (تعميم) لا(تخصيص) وحيث أنّ رسالة هذه الفقرة (المهمة جدًا) هى أنّ الدولة تسمح لبعض الأشخاص بأنْ يقفوا على رأسها ويقفزوا على كتفها (كما كتب بالنص) فإنّ العقل الحرلابد أنْ يستدعى (من الذاكرة ومن تجارب التاريخ) الأشخاص الذين كانوا من أسباب عيوب- والأدق كوارث- بلادهم، سواء فى الثقافة أوالسياسة..أليسوا هم (وفق مصطلح علم السياسة) حاشية النظام، من سياسيين وإعلاميين وأصحاب رؤوس أموال..إلخ؟ أليس هؤلاء هم من ينطبق عليهم وصف حمدان بالوقوف على رأس مصر، والقفزعلى كتفها؟ ولكن خانه (الأسلوب) للمرة الثانية، لأنهم ليسوا (أقزام) كما كتب، لأنهم لم يصلوا إلى مرحلة الوقوف على رأس الدولة والقفزعلى كتفها، إلاّبعد التغلغل داخل مفاصل الدولة وهيئاتها ومؤسساتها، فكيف ولماذا وصفهم بالأقزام؟ بينما الواقع يقول إنهم (تعملقوا) وصاروا الوجه الآخرللدولة.

وبغض النظرعن هذا الاختلاف (الأسلوبى) فإنّ ما كتبه حمدان غاية فى الأهمية، عن خطورة السماح للمُـتسلقين التغلغل داخل أجهزة الدولة، خاصة (الركود والتخلف) وهذا لاخلاف حوله، ولكن هل التزم حمدان بما كتبه وطبـّـقه على نفسه؟ فهوكتب أنّ شرط نجاح المتسلق أوما وصفته أنا (الانتهازى) أنْ ((يكون اتباعيـًـا لاابتداعيـًـا، تابعـًـا لارائدًا، تقليديـًـا لامخالفــًا، مواليًا لامعارضًـا..إلخ)) فهل كان سيادته: رائدًا ومخالفــًـا ومعارضـًـا للسياسة العامة التى خطـّـط لها عبدالناصربل ونفـّـذها؟ فهل اعترض حمدان على جريمة (شطب اسم مصر)؟ وهل اعترض على المشروع الأنجلو/ أميركى (تعريب مصر)؟ وهل اختلف مع الثقافة (المصرية والعربية) السائدة التى اعتبرتْ أنّ شعبنا (المصرى) (عربى)

وبينما جمال حمدان لم يختلف مع الثقافة السائدة وردّد كلام عبدالناصرعن (عروبة مصر) فإنّ عميد الثقافة المصرية (طاها حسين) امتلك شجاعة الاختلاف مع من روّجوا للقومية العربية و(الوحدة العربية) وفى عام1933كتب مقالافى صحيفة (كوكب الشرق) ذكرفيه أنّ ((المصريين خضعوا لضروب من البغض وألوان من العدوان، جاءتهم من ((شعوب شتى من بينهم عرب)) فهاجمه الأصوليون فى ذاك الوقت (بمراعاة عدم انتشارفكرة العروبة) ثم تكرّرالهجوم عليه أكثرمن مرة، ولكنه اشتد بعد صدوركتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) عام1938. ورصد د.مصطفى عبدالغنى هذه المعركة فكتب إنّ الطرف الآخرفيها كان (ساطع الحصرى) حيث بدا رأى طه حسين واضحـًـا فى (القومية العربية) أكثرمن قبل، فعندما سأله أحد الصحفيين عن رأيه قال إنه لامانع من التعاون الاقتصادى والتضامن الثقافى بين البلاد العربية. أما إذا كنت تقصد أنّ مصرمستعدة للمساهمة فى الوحدة العربية أوالقومية العربية، فأنت على خطأ. هل تريدون أنْ تتحقق الوحدة العربية؟ فعلى أى أساس علمى تنادون بها؟ تعالوا معى نستعرض الروابط التى تصل مصربالأقطارالعربية..فأولها اللغة وثانيتها الدين..وهما لايصلحان كأساس للقومية أوالوحدة، خاصىة الدين لأنه فى هذه الحالة تكون الوحدة المزعومة (وحدة إسلامية) لا(وحدة قومية) لأنه سيدخل فيها شعوب غيرعربية. كما أنّ الأكثرية الساحقة من المصريين لاتمت بصلة إلى الدم العربى، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء. ومصراليوم هى مصربالأمس. أى مصرالفراعنة. المصرى فرعونى قبل أنْ يكون عربيـًـا. ولاتطلبوا من مصرأنْ تــُـغيرفرعونيتها. مصرلن تدخل فى وحدة عربية ولا اتحاد عربى، سواء كانت عاصمة هذه الوحدة أوالاتحاد القاهرة أودمشق أوبغداد)) (نقلا عن د.مصطفى عبدالغنى فى كتابه: طه حسين والسلطة فى مصر- هيئة الكتاب المصرية- من ص210- 213) أما الحديث الصحفى- منشورفى مجلة (المجلة الجديدة- ديسمبر1938

وكتب عميد الثقافة المصرية (طاها حسين) أنّ مصرلاتنتمى (ثقافيـًـا إلى الشرق. وإنما إلى حوض البحرالأبيض المتوسط. وأنّ العقل المصرى منذ عصوره الأولى، عقل إنْ تأثر بشىء فإنما يتأثربالبحرالمتوسط)) وبالرغم من ذلك فإنّ طه حسين كتب إنّ اليونانيين كانوا فى عصورهم الراقية، كما كانوا عصورهم الأولى، يرون أنهم تلاميذ المصريين فى الحضارة وفى فنونها بنوع خاص)) (مستقبل الثقافة فى مصر- دارالكاتب اللبنانى- عام1973- ص31، 32)

وكتب أيضًـا: ((إنّ الفرعونية متأصلة فى نفوس المصريين..وستبقى كذلك..بل يجب أنْ تبقى وتقوى..إنّ المصرى مصرى قبل كل شىء. وهولن يتنازل عن مصريته، مهما تغلبتْ الظروف..ولاتصدقوا ما يقوله البعض عن (العروبة) فالفرعونية متأصلة فى نفوسهم وستبقى كذلك…وتاريخ مصرمستقل عن تاريخ أى بلد آخر(المجلة الجديدة- ديسمبر1938)

وكتب ((من المحقق أنّ تطورالحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد، بأنّ وحدة الدين ووحدة اللغة لاتصلحان للوحدة السياسية ولاقوامًـا لتكوين الدولة)) وأضاف ((القومية المصرية القديمة لم تنسها مصرفى يوم من الأيام..فالتاريخ يـُـحدثنا بأنها قاومت الفرس أشد المقاومة. وبأنها لم تطمئن إلى المقدونيين حتى فنوا فيها وأصبحوا من أبنائها. والتاريخ يـُـحدثنا كذلك بأنها خضعتْ لسلطان الامبراطورية الرومانية الغربية والشرقية، على كره مستمرومقاومة متصلة، فاضطرالقياصرة إلى أخذها بالعنف. والتاريخ يحدثنا كذلك أنّ السلطان العربى (والاحتلال العربى) لمصرلم يبرأ من السخط والمقاومة والثورة)) (جريدة السياسة- 31ديسمبر 1923) وهذا وجه واحد من وجوه الاختلاف بين طه حسين وجمال حمدان.

وكتب توفيق الحكيم فى رسالة منه إلى طه حسين (مايو1933) قال فيها “لابد لنا أنْ نعرف من المصرى ومن العربى؟ العرب أمة نشأتْ فى فقرلم تعرفه أمة غيرها. صحراء فقراء. قليل من الماء يثيرالحرب والدماء. أمة لاقت الحرمان وجهًا لوجه. وما عرفتْ طيب الثماروجرى الأنهارورغد العيش إلاّفى السيروالأخبار. كل تفكيرالعرب وكل فن العرب فى لذة الحس والمادة،.لذة سريعة منهومة مختطفة اختطافــًـا، لأنّ كل شىء عند العرب سرعة ونهب واختطاف. لم تفتح أمة العالم بأسرع مما فعلت العرب. ومرّالعرب بحضارات مختلفة، فاختطفوا من أطايبها اختطافــًـا ركضًا على ظهورالجياد. كل شىء قد يحسونه إلاّعاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقراروليس لهم عمران. وحيث لااستقرارفلا تأمل. وحيث لاتأمل فلا ميثولوجيا ولاخيال واسع ولاتفكيرعميق ولا إحساس بالبناء. لهذا السبب لم تعرف العرب البناء، سواء فى العمارة أوفى الأدب أوفى النقد. كل شىء عند العرب زخرف. الأدب (نثروشعر) لايقوم (عند العرب) على البناء، فلاملاحم ولاقصص ولاتماثيل. أما النحت والتصويرفليس فى طبيعتهم، لأنّ تلك الفنون تتطلب فيمن يزاولها إحساسًا عميقًا بالتناسق العام، مبناه التأمل الطويل والوعى الداخلى للكل فى الجزء، وللجزء فى الكل. وليس هذا عند العرب، فهم لايرون إلاّ الجزء المنفصل، لأنهم لايحتاجون إلاّ للذة الجزء واللحظة.

وحتى إذْ يـُـترجمون عن غيرهم يُسقطون كل أدب قائم على البناء. فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولاتراجيديا واحدة ولاقصة واحدة. العقلية العربية لاتشعربالوحدة الفنية فى العمل الفنى لأنها تتعجل اللذة. لهذا كله قصرالعرب وظيفة الفن على ما ترى من الترف الدنيوى وإشباع لذّات الحس. من المستحيل أنْ ترى فى الحضارة العربية كلها أى ميل لشئون الروح والفكربالمعنى الذى تفهمه مصروالهند من كلمتىْ الروح والفكر. إنّ العرب أمة عجيبة. تحقق حلمها فى هذه الحياة، فتشبثت به تشبث المحروم. وأبت إلاّ أنْ تروى ظمأها من الحياة. وأنْ تعب من لذاتها عبًا قبل أنْ يزول الحلم وتعود إلى شقاء الصحراء“.

أعترف أنّ كلمات توفيق الحكيم قد تــُـمثل صدمة للبعض، وقد يختلف كثيرون معه، إنما هدفى من إثبات هذه الكلمات التى كتبها عام1933، هو إحساس الحكيم العميق بمصريته، أى أنه كان يُدرك الفارق الحضارى والثقافى بين المصريين والعرب، بغض النظرعن الإتفاق أو الاختلاف حول مضمون كلماته.

يؤكد ما أذهب إليه أنّ الحكيم فى رسالة أخرى منه إلى طه حسين أيضًا كتب “إنّ المنطق الذى شيُد الأهرام لهوصورة محكمة للمنطق الذى شيّد الكون. وأنّ القاعدة التى بُنى عليها الوجود، هى التى بُنيت عليها الأهرام، هى قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء فى كل واحد متسق، أىُ جمال للأهرام غيرذلك التناسق الهندسى الخفى؟ وتلك القوانين المستترة التى قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار: جمال عقلى داخلى. هذا الإدراك للجمال الخفى فطن إليه المصريون القدماء يوم صنعوا الأهرام. أتستطيع أنْ تتخيل العرب تبنى الأهرام؟ أوتُقدّرفيها جمالا؟ لقد جاء العرب مصروتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها، ولم يروا فى الأهرام إلاّ شيئًا قد يحوى نقودًا مخبوءة. أما بناؤه فشىء لايُحسب فى الفن“.

وعن تأثيرالحضارة المصرية كتب توفيق الحكيم “الفن الحديث كله، من تصويرونحت وعمارة، انطلق يبحث عن وسائل جديدة للتعبير، فوجدها فى مصرالقديمة: وجد البساطة فى التخطيط. وجد طريقة تركيب الأشكال المختلفة على قواعد هندسية (الكوبزم). وجد أساليب الحركة والإضاءة فى التماثيل والأعمدة مما لانظيرله فى قوة الأداء وبساطته. كل ذلك وجده الغرب وشيّد على أساسه فنًا جديدًا” (تحت شمس الفكر- دارسعد للنشربمصر- عام1945- من ص41- 79)

وتوفيق الحكيم عندما انتهى من كتابة روايته (عودة الروح) عام1927، فإنه صدّرالجزء الثانى بأبيات من كتاب (الخروج إلى النهار) الشهيربالاسم الخاطىء (كتاب الموتى) ولأنّ تلك الفترة التى أعقبت ثورة برمهات/ مارس1919 كانت فترة انبعاث قومى، لذلك نجده يُخصّص فصلا فى كتابه (تحت شمس الفكر) الذى نُشرتْ طبعته الأولى عام 1938، بعنوان (البعث) ويبدأ هذا الفصل بنداء (حورس) إلى أبيه (أوزيريس):

حورس: انهض.. انهض يا أوزيريس..

أنا ولدك حورس..

جئت أعيد اليك الحياة..

جئت أجمع عظامك..

وأربط عضلاتك.. وأصل أعضاءك..

أنا حورس الذى يُكوّن أباه..

حورس يُعطيك عيونــًـا لترى..

وأذنًا لتسمع..وأقدامًا لتسير..

وسواعد لتعمل..

ها هى ذى أعضاؤك صحيحة..

وجسدك ينمو..

ودماؤك تدب فى عروقك..

إنّ لك دائمًا قلبك الحقيقى..

قلبك الماضى..

الميت : إنى حى.. إنى حى..

(من كتاب الخروج إلى النهار)

بعد هذا الاقتباس من الكتاب الذى تركه لنا أجدادنا المصريون القدماء، فإنّ توفيق الحكيم علّق قائلا” وحورس ليس إلاّ الشباب. يُعيد الحياة إلى ماضيه الميت. نعم هوالشباب الذى يُـكوّن أباه الوطن“.

أما الأستاذ أحمد أمين (المتخصص فى الدراسات الإسلامية والمدافع عن الإسلام) فإنه نفى (العروبة عن مصروالشام والمغرب) ووفق صياغته فقد كتب ((العرب أزالوا استقلال فارس. وحكموا مصر والشام  والمغرب، وأهلها ليسوا عربـًـا)) (ضحى الإسلام-ج1- هيئة الكتاب المصرية- مكتبة الأسرة- عام1997- ص76)

وأعتقد أنّ الأمثلة التى ذكرتها فيها الدليل الناصع على المثقف الذى كتب ما (آمن به) ورفض الانصياع للثقافة السائدة، ورفض ترديد ما يقوله رئيس الدولة، وذلك عكس جمال حمدان الذى ناقض نفسه.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.