تشويه الثورات.. بين الثورة العرابية وثورة يناير

 د.رياض حسن محرم  

لم تتعرض ثورة لعملية تشويه ممنهجة مثلما تعرضت الثورة العرابية، فبعد سنوات قليلة من الصحوة الوطنية التى قادها الزعيم أحمد عرابى والتى إمتدت لتشمل جميع طوائف الشعب وطبقاته ما عدا حفنة من كبار ملاكى الأرض الزراعية والخونة، لكن سرعان ما إنطفأت هذه الشعلة سريعا بعد هزيمة الثورة، ونزل ستار كثيف على عيون وأفئدة المصريين خوفا من اليد الباطشة للورد كرومر الحاكم الفعلى للبلاد لأكثر من ربع قرن، بعدها فى العقد الأول من القرن العشرين بدأت أول إرهاصات المقاومة ضد ذلك الإحتلال الإنجليزى وتصاعد مع حادث دنشواى 1906، لم يحدث فى تاريخ مصر مثل تلك الموجة من التشويه الذى فاق كل تقدير للثورة العرابية وزعيمها الذى حمل السلاح دفاعا عن وطنه وقاد ببسالة الجيش والشعب من أجل تحقيق دستور متقدم وبرلمان حر يمارس سلطاته فى مواجهة الخديوى وقوى التدخل الأجنبى، يكفى أن مقدمة برنامج “الحزب الوطنى” الذى شكله عرابى ورفاقه جاء فيها ” الحزب الوطنى حزب سياسى لا دينى.. مؤلف من رجال مختلفى الاعتقاد والمذهب وجميع النصارى واليهود ومن يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها”، وقدمت الثورة العرابية للمصريين دستورا منفتحا عرف بدستور العرابيين وكذلك برلمان العرابيين وغيرها من المؤسسات الديموقراطية.

لقد كان الاحتلال العسكرى تتويجا للاحتلال المالى ــ إذ إن التبذير فى أموال الخزانة العامة على عهد الخديوى «إسماعيل» أدى إلى استدانات من البيوت المالية العالمية والمرابين الأجانب والتدخل ــ بالتالى ــ فى شئون مصر ووضع الرقابة المالية عليها حتى انقلبت احتلالا عسكريا، كانت عين بريطانيا على مصر منذ الإحتلال الفرنسى وتتخذ أية ذريعة لتنقيذ خطتها بإحتلالها، مرة بحجة حماية الأقليات، ومرّة أخرى “وهى الأنكت” بحجة أن عرابى يقوم بتحصين الطوابى على السواحل المصرية، المهم أن قرار الإحتلال كان قد أتخذ ولم يبق الاّ تحديد ساعة الصفر، وكان الشعب المصرى أكثر وعيا حين جرت حكمته “الولس كسر عرابى”، وظل يحفظ أسماء الخونة ” سلطان باشا وخنفس باشا وسيد الفقى الكمشوشى وأحمد عبد الغفار وعلى رأس الخونة فردناند دليسبس الذى خدع عرابى بأن هيئة القناة مؤسسة محايدة لن تسمح بدخول الجيش الإنجليزى، بينما سمح للإنجليز باستخدام القناة لاستقدام آلاف الجنود من الهند إلى السويس، ومنها إلى الإسماعيلية، لفتح جبهة شرقية”، بينما كانت العساكر البريطانية تتدفق على الإسكندرية من مالطا وقبرص وجبل طارق “.

 لا ننكر أن عرابى كان به نزعة صوفية، كما لا ننكر أن الحركة العرابية بدأت كثورة جند من أجل المساواة بينهم وبين أندادهم من الترك والجركس فى الحقوق والامتيازات، إلا أنها انتهت بالمطالبة بحق الأمة فى الدستور والحكم النيابي والمساواة التامة فى الحقوق والواجبات، كما نعترف أيضا ىأن للرجل أخطاء عسكرية، ولكنه دافع عن بلده كبطل شجاع بالجيش المكبل بالفرمانات العثمانية والخيانات المحلية والذى لا يزيد على 13  ألفا موزعين على كل الجبهات بين الإسكندرية ورشيد ودمياط” النص فرض على محمد على فى معاهدة لندن الآّ يزيد عدد الجيش عن 18 ألف”، وفي كتابه “التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر”، يذكر الكاتب الإنجليزي ألفريد بلنت “صديق العرابيين” بالقول (ما كانت الثورة العرابية حركة عسكرية فحسب كما يحلو لكثير من المؤرخين أن يصوروها عن عمد، وإنما كانت الثورة العرابية إذا أردنا وصفها في جملة هي التقاء الحركتين الوطنية، والعسكرية، واندماجهما، فلما ذهب عرابي إلى الخديوي على رأس جنده في اليوم التاسع من سبتمبر سنة 1881 ذهب يحمل إليه مطالب الجيش ومطالب الأمة معًا).  

بعد هزيمة عرابى فقد اعتقلوه وحاكموه وأهانوه قبل نفيه مع ستة من رفاقه لنحو عشرين عامًا فى جزيرة سرنديب أو سيلان المعروفة حاليا بسريلانكا، وعندما سمح له بالعودة بعد واحد وعشرين عاما ليقابل بالذل والإهانة والبصق على وجهه، وليقول فيه أحمد شوقى ( صَغارُ فى الذهابِ وفى الإياب * أهذا كلُ شأنكَ يا عرابي) ويقول عنه الزعيم الوطنى مصطفى كامل “عار أكبر وأشهر من عار، رجل تهور جباناً واندفع جاهلاً وساق أمته إلى مهواة الموت الأدبي والاستعباد الثقیل ثم فرّ هارباً من میادين القتال”، وظل هذا الموقف راسخا فى عقول المصريين لمدد طويلة، حتى أن ثورة عرابى التى تزعمها سعد زغلول أحد المشاركين فى الحركة العرابية لم تهتم كثيرا بنفض التراب عنه، واستمر ذلك الوضع حتى نهاية الأربعينات من القرن الماضى حين كتب المفكر اليسارى “محمود الخفيف” كتابه ” أحمد عرابى..الزعيم المفترى عليه”، يرد فيه إعتبار ذلك القائد التاريخى نافيا عنه كل ماكتب وقيل عنه من تجاوزات وإفتراءات.

هذا غيض من فيض من تشويه قاس ومتعمد لتلك الثورة الخالدة فى التاريخ المصرى، حدث مثل ذلك بل أكثر لثورة الشعب فى 25 يناير 2011 حيث قاد النظام الحاكم وفلول مبارك وقوى الإسلام السياسى حملة شعواء لم يسلم منها كل من شارك فيها، بل سميت عندهم نكسة يناير و25 خساير وأنها ثورة قد تم صنعها بواسطة مجموعة من الخونة بتمويل خارجى وبأصابع مخابراتية، باعتبار تلك الثورة ما هى الاّ أحداثَ عنف وإرهاباً ومؤامرة على مصر، كما ذكر ذلك صراحة المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى مهددا ومتوعدا كل من يقكر فى تكرار ذلك، بينما يوجد فى زنازين النظام مئات بل آلاف من شباب تلك الثورة الذين تقدموا الصفوف فى 25 يناير ضد مبارك ونظامه وفى 30 يونيو ضد حكم الإخوان، ودفعوا غاليا من جهدهم وعرقهم ودمائهم فداءا لوطنهم.

فى الوقت الذى حصل فيه قتلة المتظاهرين على البراءة فإن القضايا الملفقة للشباب وفق قانون التظاهر “سيئ الذكر” يحكم فيها عليهم بأحكام قاسية تصل الى المؤبد، لقد وصل الأمر بالبعض الى الترحم على أيام ما قبل الثورة حينما كانوا يستطيعون مقاومة السلطة بالتدوين والكتابة الإلكترونية وعقد ندوات وتجمعات محدودة يتم حصارها وتفريقها، بينما الآن لا توجد أى حياة سياسية ممكنة فقد أغلقت السلطة المجال تماما ولم يعد أحد قادرا على التنفس أو الحركة، مصادرة الكتب والجرائد وغلق مواقع التواصل الإجتماعى وإصدارقوانين مقيدة للحريات من قوانين التظاهر والجمعيات والنقابات والمطبوعات وغيرها، والقادم كما يبدو أسوأ.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.