الماضي الجنسي للخمسيني المصري و أثره على الحياة السياسية

عمار عزيز  

إعادة الشحن عبر خدمات فوري هو العمل الائق لأي رجل في مصر جاوز الخمسين، حيث تهبط أرصدة الحكمة و الرشد إلى أدنى مستوياتها، و حينما كان سيرفانتس و ماكيافيللي في العالم الغربي يعملان في نفس الفئة العمرية على إنتاج بيضة الديك (دون كيشوت و الأمير)، يعكف الخمسيني المصري على رد العمر إلى مقتبله ، زيجة عرفية متهورة، أو الإطلالة بقصة شعر مريبة، أو التودد لبنات العشرين في محاولات يحجم عنها أجيال تسبقه ليس لنقص في الرغبة، بل هي القيمة الشخصية و الاعتداد بالنفس المحفوف دوما بالحياء، مرحلة حرجة في عمر الإنسان المصري إنتاجيتها مخيبة للاُمال و مدمرة للمجتمع، و بدلا من أن تمتلأ الرفوف بالكتب، تعمها فوضى المقويات و صبغات الشعر و تعاويذ العطار.

فقط لو كان بالإمكان أن يصطحب الإنسان في شبابه امرأة لمسكنه دون رهبة الجيران، و استعدادات لوجيستية لأسدينا معروفا للوجه الحضاري لتلك البلاد، و لتغيرت معدلات الإنتاج العلمي و الفكري، يتزوج الإنسان هنا في حقيقة الأمر لينعم بالأمان الجنسي، و على مائدة واحدة، و بقائمة أصناف ثابتة لعقود، أما الأبناء فهم عرض ثانوي، و تهدر فترة عقلية خصبة للإنسان في جمع نفقات الإطار المنشود من المجتمع، في حين أن الأمر كان يقتضي ليلة تقييم للطرفين، ليلة مفردة قبل أن نحسم أمرنا في الاشتباك سويا ضمن مصير معتم، و كي لا تحاصرنا العلل النفسية، و كي لا نتقاذف ريموت التلفزيون بغل، و نتبادل النظرات الشرسة المتوعدة في المولات، أو نرسل إشارات الغضب بغلق الأدراج و الأبواب خلفنا بعنف بالغ، أو نتورط في معارك قصيرة بأطباق الخزف، لكن تلك الشعوب أفسدت بساطة كل شيء، اَمال معلقة في واد للسيليكون و قرى تكنولوجية و حاضنات للإبداع مرهونة بتغيير السياق الجنسي الكئيب، و لكن أزمتنا الحقيقية تكمن في أننا نخاطب من يطلبون إيجاد المشكلة لا الحل، يوما ما في المستقبل سيسدل الستار عن حل لغز جين العطب المصري الذي يفسد أي عملية عقلية سليمة، و ستثبت صحة توقعاتي بشأن الخارطة الجينية المصرية، ربما حينها يتفهم الشعب خطورة التوالد بلا رحمة، أو يقضي على العته و الشر المصاحبين للجفاف الهورموني لرجال و نساء الخمسين، لكن معطيات الحاضر تقتضي أن الرجل المصري السرسجي منزوع الضمير، الذي يمكن أن يستغل برتوكول التحرر في اقتياد أكثر من امرأة لفراش واحد تحت ستار التنقيب عن التوافق مع الشريك ينبغي ألا يبرح مصيدة المرأة المصرية، المستنقع، و الوحل، و الثقب الأسود المبدعة على الدوام في تبديد حياة أي ذكر، بارعة في أسره ضمن حيزها الخاص بافتعال المشاكل مع الأولاد، و لوازم المطبخ، و الإعداد للزيارات العائلية، و على الشخص الذي يلتمس في نفسه عبقرية ما أن يوصد بابه دونها لمدة ساعتين يوميا كي يحفظ حيوية أفكاره منعا لتلوثها بمياه الصرف التي تتعمد سكبها لتكبح جماح أي انطلاقة خارج حيزها الحصين، أنت مبعوث البقال و المول، و باص صباحي، و مسؤول علاقات عامة تتقن ابتسامة احترافية أمام المعارف، و إياك أن تفلت بمطالعة كتاب، أو أن تنعم بسكينة المقهى، أو بالتأمل البائس للغروب، إياك و صفو الذهن فهي كحكومات الدول المتخلفة تريدك مكبلا في أعباء بلا حصر، ينام المرء في فراشها، و يتمرغ في وحلها ليستيقظ فيكتشف أنه بلغ الخمسين و قد فاته شيء ما، و أن شبكة متطلباتها العنكبوتية كانت واهية و ليست بالخطورة التي كانت تزعمها، و لم تكن زجاجة الخل التي نسيها على رف البقال بالأمس ليست ذات بال، فيهبط إلى الشوارع متصابيا، متحرشا بالمراهقات على سبيل المناجاة للشيء المفقود لعله يعود، لكن ما هو ؟

لو كان بالإمكان اصطحاب امرأة للشقة في سن مبكرة دون مخاوف لما داهمته تلك الأعراض، أو انتابه خرف الخمسين، أو أضحى حكيما ليست في حياته مساحة للجنس بعد الارتواء يقصده شباب في مقتبل العمر لتقصي أسرار الحياة، لا بأس بجيل الأضحية من الإناث اللواتي سيدفعن ثمن الصعود للشقة مع سرسجي مراوغ، و هو ثمن فادح لكن ستستقيم الحياة بعده في الجيل اللاحق، و سنحصل على الأنثى المصرية الأقل تدميرا و هدما، و سينقضي عهد أمزجتها الخطرة و الكئيبة و الملتوية، و نضع حدا لمتاهة الخمسين التي تنتج أحط الساسة و المفكرين و الكتاب، وسط هذا البؤس يتخيل البعض أننا يمكننا أن نحقن مرشحا رئاسيا خمسينيا بالشجاعة، أو أن نعيد تجميع أجزائه ممزوجا بالثقافة و الاستنارة و السعي للمضي قدما، أو إقناعه بالكف عن لعب دور قطعة الديكور الانتخابية، هؤلاء الخياليون ينشدون إنتاج إنسان خارج السياق الجنسي و الأخلاقي لمجتمعه لخوض الانتخابات و هذا بالجزم محال، و كي يحسموا أمرهم مع الخذلان المتكرر دوريا فليدركوا فقط أن مصر خالية تماما من أي رجل يحمل خصالا جيدة في تلك الفئة العمرية المقيتة يصلح لتقلد منصب الرئاسة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عمار عزيز and tagged , , . Bookmark the permalink.