(أوشفتز بعيون مصرية (1

لميس فايد  

“ Inquietum est cor nostrum, donec requiescat in te”

“لايزال القلق يسكن قلوبنا، حتى ترتاح قلوبنا معه” القديس أوجستنيوس..[1]

في أحد الأيام اصطحبت ابني ذو الأربع سنوات إلى مسرح العرائس في مدينتنا (لوبك)، وبجانب المسرح يقف متحف لفن العرائس وخيال الظل من أركان العالم الأربع مع تاريخ مفصل لنشأة وتطور مسرح العرائس في ألمانيا، وقاعات أخرى لأهم العروض المسرحية لكبار الكتاب الألمان، وحتى يبدأ العرض دخلنا لقضاء بعض الوقت، بعض الأشكال أثارت الخوف في نفس ابني، وفي احد الفتارين في قبو المتحف الشاحبة الغير مضاءة جيداً قرأت البطاقة “نموذج لعائلة يهودية من مسرح 1945” استوقفتني الفاترينة من الصدمة وعدم الفهم! أخذت أتامل الأشكال والوجوه التي عزم الفنان على إظهارها قبيحة خبيثة من الجد للجدة والأب والعم، يالله! حتى الأطفال لم ينجو من هذه المسوخ! جميعهم تم تمثيلهم بأنف معقوف، وعيون غائرة ووجه بيضاوي، وفم رفيع.

فهمت الآن لماذا أن تلك الفاترينة تحديداً في القبو وذات إضاءة خافتة، فالمسرحية وكاتبها ومصمم العرائس جميعهم ينطبق عليهم ما يُسمى بمعاداة السامية بجدارة. “لماذا كان هذا التصور الخاص عن ملامح الوجه؟” أخذت أراجع سريعا-قدر معرفتي- بالتراث الديني الإسلامي والعربي أن كان هناك أي من الصفات الجسدية أو الملامح نُسِبت إلى اليهود دون غيرهم من العرب، مع مسح سريح أدركت أن هذه النقطة تحديداً لم يتحدث أي من الأدب العربي أو حتى تراث الإسلام بل على العكس، ما نعرفه عن “ريحانة” اليهودية التي تزوجها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إنها كانت بارعة الجمال. إذن الأمر قد بدأ هنا في أوروبا مع معاداة السامية وتم تصديره مع الوقت وتحت وطأة الظروف السياسية العنيفة في الصراع العربي الإسرائيلي إلى خطاب “الإسلاميين” و”جماعة الإخوان المسلمين” مع مزجه ببعض من الأحاديث وآيات القرآن، المقتطعة من سياقاتها الأصلية ليصبح مركب شرير جمع بين خطاب النازية وخطاب الإسلاميين. دارت كل هذه الأسئلة في رأسي وأنا أمام الفاترينة حتى تذمر ابني وطالبني بالرحيل من أمامها.

تذكرت هذه الفاترينة القابعة في القبو وأخريتها لما مرّ أمس 27 يناير ذكرى تحرير ضحايا الهولوكوست، أثناء حضوري لصلاة التأبين التي أقامتها الكنيسة الإنجيلية بدعوة الطائفة اليهودية (الليبرالية) التي لا تمانع في دخول الكنائس والمشاركة في صلاة، على النقيض من الأرثودوكس أو المحافظون الرافضون كلياً لفكرة الدخول إلى الكنائس ومشاركة الصلاة مع مسيحين. وأعتقد أنه يجب فتح قضية “الهولوكوست” في العالم العربي –أو مصر على الأقل-بشكل أكثر جدية بعيداً عن التحيز والأهواء، لأنه من أشد الموضوعات غموضاً وإرباكاً في الذهن العربي بشكل عام، بين الرفض التام لحدوثه والذهاب بعيداً في إنكاره وبين التشكيك في أرقام الضحايا. للأسف الشديد رأيت فيديو قصير لأحدهم في قناة من قنوات الإعلام المصري في سياق الحديث عن “نصرة القدس”يتحدث عن شئ اسمه “الهولوكوست” المعكوس، وما يعنيه هذا الرجل هو أن اليهود بعد خروجهم من أفران الغاز قد أنتقموا من الألمان ووضعوهم فيه! لم أكمل الفيديو لنهايته لأنه يندي له الجبين خجلاً، وفي حالة الفوضى والجهل الممنهج الذي تقتات عليه قنوات الإعلام المصري ما من رادع وما من مذيعة أمامه حتى توقفه لتسأله عن مصدر ما يتحدث عنه، ظناً منه أنه بذلك “ينصرالقدس”، فلابد من وقفة كبيرة من جانبنا من باب إحترام التاريخ، وحرمة الموت وجلاله، ومن باب الحفاظ على قيمنا كمصريين..

أولاً لنضبط مصطلحتنا، أن ما يعرف غربياً بالهولوكوست، وبالعبرية “شوعا” التي تعني “الفاجعة” أو “النازلة” من باب نوازل الأقدار، وبالعربية “المحرقة”، هي مرادفات لنفس الشيئ وهم الست ملايين ضحايا النازية، الغالبية العظمى فيهم من اليهود (النسبة الأكبر من الأشكيناز، ويليهم السفرديم) ومنهم المعاقين والمثليين جنسيا والجيبسي (غجر أوروبا). ولعله من أشد الموضوعات قتامة وكآبة أثناء فتحه والحديث عنه بالفعل، إذا ما تعمقنا في التفاصيل، حيث أن المفردة العربية “محرقة” لا تعبر عن ما حدث بالفعل، ففعل القتل كان “الخنق”بغازالسليكون[2] من ثم التخلص من هذا الكم الكبير من الجثث دفعة واحدة في بناء آخر بالحرق، خوفا من الأوبئة والأمراض. إذن يكون من باب أولى تسميتها “المخنقة” وأنه كان من الممكن بناء مثل هذه الأفران في يومين فقط[3]. ثانياً لا يمكن فهم فاجعة كبيرة كالهولوكوست دون فهم إرهاصات معاداة السامية في الأدب والفلسفة والفن، ولأن تلك الفاجعة هامة بمكان خاصة لنا كعرب لما لها من تأثير مباشرعلينا، ولايجوز الإستخفاف به والمرور عليه مر الكرام، فمن مرَ بفاجعة وهلع كفاجعة افران الغاز ونجى منها حتى فلاتزال تورث في الأجيال التالية[4] وأن الذاكرة الجماعية لليهود بعدها لم تعد بخير على الإطلاق، أتذكر مع هذه الدراسة الحديث النبوي” العرق دسّاس”،وأن تلك العرقية “المفجوعة” عرقية الإشكينازقد أتت إلى المنطقة العربية وهي ليست بخير. وأنها حتى الآن لا يمكن فصلها فصلاً تاماًعن قيام دولة إسرائيل، ولي في هذا طرحي الخاص-الذي أعلم أنه قد يجلب لي بعض المشاكل-ولكن علي أن أسجل هنا تأملاتي الخاصة التي ربما يختلف معي فيها حتى بعض اليهود. 

أن هناك بُعد أهم وأثمن من الحديث عن أرقام الضحايا (والتشكيك في الأرقام هنا حديث تافه ولامعنى له، فالفاجعة حدثت قلت أوزادت الأرقام) وهو المعنى الديني ّ والفلسفي من وراء فاجعة ألمت بعامود “ملة إبراهيم” وهم اليهود، وهي من الأسئلة التي حاول طرحها اللاهوتي الأمريكي Richard.L. Reubenstein

في كتابه “مابعد أوشفتز” الذي حاول فيه سؤال لاهوتيين مسيحين عن رؤيتهم في ماحدث في أفران الغاز “كيف لشعب الله المختار أن تقع عليه نازلة كهذه ولم يمنعها؟” وأقر هنا أنه قد فشل اللاهوتين المسيحيون جميعاً في الرد عليه باجابة شافية، وإنه أن كان توجه بأسئلته لأحد الصوفية ربما لوجد الجواب الشافي، ولكن هذا حديث آخر. ما يعنيي هنا من تأملاتي من خلال علم المصريات وعلم الثقافة وما قرأته من خطاب معاداة النازية وما ورد في القرآن عن سفر الخروج، لا يسعني ألا أن أقول “بوجل” أن ما حدث لم يكن إلا أن تغيرت الأرض ولكن أُعيد سير الأحداث..أصبحت ألمانيا مصرفجأة! وما دار من أحداث تسبق الخروج أعيد إنتاجها بشكل يجعلني أقف عاجزة عن الفهم وصامتة أمام هذه المقارنات التي يجب التأمل فيها، فخطاب النازية قد تجسّد بفنه ومسرحياته وادبه وكراهيته في آية قرأنية شافية ” إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً” (القصص آية 4) أوتلك الآية كفيلة بفتح وإعادة النظر في كل ما نعلمه حتى الآن عن رواية الخروج الأصلية ما ذكر في التوراة والقرآن والمصادر الخارجية في التراث الديني وما ذكرته مصادر التاريخ بكل لغات قديمة. فالمقدمات التاريخية التي مهدت لحادث كالخروج في مصر من نكسة قومية مرت بها مصر على يد الهكسوس جعلتها تتخوف من كل ما هو أجنبي يقيم على أرضها حتى وإن طال بهم المقام، قد حدث بحذافيره (وليحاسبني الله على ما أقوله) مع هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وأن تخوف الألمان من “الطابور الخامس” ويقصد بهم اليهود من وجهوا طعنة صميمة في ظهر ألمانيا من باب الخيانة والشؤم هو نفسه خطاب فرعون إلى العبرانيين (حسب المصادر التاريخية و حسب التوارة..) في أنهم إذا ما هجم عدو خارجي على مصر سيتحالفوا معه، وأنهم جلبوا المرض والأوبئة والشؤم إلى أرض مصر، هو تماما ما كان يصدره خطاب النازية في الحديث عن “جيتوهات اليهود” القذرة والمغلقة التي لا تدخلها الشمس. وأنه يكفي فقط تأمل ” خطاب الشيع والفرق” الذي تحدث عنه القرآن في تقسيم الأعراق واللعب على الطوائف الإثنية، ولا أبالغ في الدعوة إلى تأمل فعلة هتلر في “أن يجعل القسم باسمه”.. أنه كان يحاكي القسم بالفرعون في مصر القديمة، ويجعلني أتسال بالفعل ” ماذا كان يدور بالفعل في رأس هذا الرجل؟” هل ساهم علم المصريات بشكل ما في تكوين هذا الخطاب؟ ألم تكن مصر التي احتضنت العبرانيين لربعمائة عام في رغد العيش كانت ألمانيا تحاكيها تماماً كونها “بلد الثقافة الأم” لعرقية الإشكيناز؟ وما الذي دفع بالنازية للكتابة على أفران الغاز

“Arbeit macht frei”

“العمل يحرركم أو بالعمل تتحررون”؟ إن لم يكن يقصد “بيت عفودة” “بيت العمل أو السخرة” الذي أنشئ للعبرانيين وله مثيلاته من مفردات في اللغة المصرية القديمة مع العلم أن أسرى الحرب في العالم القديم كان عليهم العمل في مؤسسات مشابهة.[5] هل يمكن ببساطة التغاضي عن كل هذا كأن شيئا لم يكن أم هي سنة من سنن الله في الخلق وإبدال الأمم وجعل اليهود تحديداً في “قلب الدراما الإلهية” أو التاريخ الإلهي الذي تجلى مع ملة إبراهيم[6] وأكد عليه القرآن في أكثر من موضع؟ ألا يستحق هذا أن نتواضع قليلاً فيما نعلمه ولا نعلمه وأن نترحم على من سقطوا ولازالوا يسقطون يوميا من جراء سياسات عنصرية ونخب فاسدة وحسابات لا علاقة لها بحياة الإنسان وثمنها ” فمن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنماقتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً” (المائدة 32 )ً، تلك الآية التي تتشابه كثيراً مع آية التلمود ووردت في مشهد شهير في فيلم قائمة شندلر وذكر الله بها بني إسرائيل مرة أخرى في القرآن ..

وللحديث بقية ..

لميس فايد-المانيا

[1] Bekenntnisse, lateinisch und deutsch, Joseph Bernhart, Frankfurt, 1987

[2] After Auschwitz: radical theology and Contemporary Judaism, Richard L.Rubenstein, 50 und ff-

[3] Gechichte des Juedischen Volk: von den Anfaengen bis zur Gegenwart, Muechen, 2007, S 1249 ومايليها

[4] https://www.haaretz.com/1.5214219

[5] Exodus: die Revolution in der Alten Welt, Jan Assmann, Muenchen 2015,S 123 ومايليها

[6] Gottes Eifer.Von Kampf der drei Monotheismein, Peter Sloterdijk, Leipzig, 2007, 19 ,lhdgdih

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, لميس فايد and tagged , , . Bookmark the permalink.