القومية المصرية فى فكر لويس عوض

 طلعت رضوان  

يـُـعتبرلويس عوض (يناير1915- سبتمبر1990) أحد المفكرين الذين دافعوا عن خصوصية الثقافة القومية لشعبنا المصرى، فكان الامتداد الطبيعى لجيل الرواد: أحمد لطفى السيد، سلامة موسى، توفيق الحكيم، حسين فوزى وعميد الثقافة المصرية (طه حسين) الذى ذكرفى رده على ساطع الحصرى: أنّ الأغلبية الساحقة من المصريين لاتمت بصلة إلى العرب، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء. ومصراليوم هى مصرالأمس، أى مصرالفرعونية. ولاتطلبوا من مصرأنْ تــُـغيرهـُـويتها القومية. ولايجوزلمصرقبول الوحدة العربية، إنما تعاون اقتصادى وتمثيل دبلوماسى (المجلة الجديدة- ديسمبر1938)

أعتقد أنّ بداية الحديث عن (مصرية لويس عوض) لابد أنْ تشمل موقفه من الأصولية الدينية ودفاعه عن (علمنة مؤسسات الدولة) بمراعاة أنّ الدولة STATE ليس لها دين ولاتتعامل بالدين، لأنها شخصية اعتبارية، عكس الشخص الطبيعى الذى من حقه اعتناق الدين. ومن هذا المدخل أرى أهمية كتابه عن جمال الدين الإيرانى الشهيربالأفغانى.

التزم لويس عوض بالمنهج العلمى الذى يعتمد على أكبرقدرمن المعلومات، ليقدم للقارىء صورة مغايرة تمامًا عن تلك الصورة التى رسمتها الثقافة السائدة عن الأفغانى، بصفته زارع الأصولية الإسلامية فى مصر، والمُـروّج لمقولة (الولاء يكون للدين وليس للوطن) فطلب من المسلمين أنْ ((يعتصموا بحبال الرابطة الدينية التى هى أحكم رابطة اجتمع فيها التركى بالعربى والفارسى بالهندى والمصرى بالمغربى. وقامتْ لهم مقام الرابطة الجنسية)) (العروة الوثقى 24/8/1884) وكتب ((لاجنسية للمسلمين إلاّفى دينهم)) (العروة الوثقى 26/7/1884) وكرّرذات المعنى فكتب ((وعلمنا وعلم العقلاء أجمعين أنّ المسلمين لايعرفون لهم جنسية إلاّفى دينهم واعتقادهم)) (العروة الوثقى 14/8/1884) أما أخطرما روّج له فهومحاولة اقناع الشعوب بالإحتلال الأجنبى وعدم مقاومة الاستعمارتأسيسًا على قاعدة (الرابطة الدينية) التى ألحّ كثيرًا فى الترويج لها وإقناع الشعوب بها فكتب (( …هذا ما أرشدنا إليه سيرالمسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن. لايتقيّدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس. وإنما ينظرون إلى جامعة الدين. لهذا نرى المغربى لاينفرمن سلطة التركى. والفارسى يقبل سيادة العربى. والهندى يذعن لرياسة الأفغانى. لااشمئزازعند أحد منهم ولاانقباض)) (العروة الوثقى 28/8/1884)

ولأنّ دراسة عوض تتأسّـس على كم هائل من المراجع، استطاع أنْ يطرح الكثيرمن الأسئلة لأول مرة فى الثقافة المصرية مثل: لماذا أخفى الأفغانى ثم الثقافة السائدة بالتبعية، ما أثبتته الوثائق والمراجع أنه وُلد فى قرية أسد أباد بالقرب من مدينة همدان غرب إيران؟ ويؤكد ذلك أنّ لغته الأصلية هى الإيرانية وأنّ لغتيه المُـكتسبتيْن هما العربية والتركية. ولم يثبت أّنّ لغته الأصلية احدى لغات أفغانستان. فلماذا أخفى أصوله الإيرانية؟ والسؤال بصيغة أخرى: لماذا أخفى مذهبه الشيعى ليبدوسنيًا فى البلاد سنية المذهب (أفغانستان. تركيا. مصر)؟ وإذا كان جمال الدين قد نسب نفسه إلى أفغانستان عندما ذهب إلى تركيا ومصروالهند، فلماذا كان يـُـلقب نفسه بالسيد جمال الدين الرومى، أى التركى، عندما كان فى أفغانستان؟ أما الفترة التى قضاها فى العراق فقد كان يـُـلقب نفسه ب (الاستانبولى) مركزالخلافة وعاصمة الإسلام السنى فى ذاك الوقت. فلماذا كان يخفى جنسيته الأصلية؟ وما دلالة تبرؤالإنسان من قوميته كما لوكان يخجل منها؟ وما هى المعانى المُـستخلصة من تلك التصرفات المريبة،عندما يـُـلقب نفسه مرة ب (الرومى) أى التركى. ومرة ب (الاستانبولى) ومرة ب (الأفغانى)؟ 

لماذا طرد الإنجليزجمال الدين من المحفل الماسونى الإنجليزى؟ ولماذا تنقل بين المحافل الماسونية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وكيف حصل على عضوية كل منها؟ خصوصـًـا أنّ ((هذه المحافل الماسونية المُـتعددة لم تكن إلاّجمعيات سرية أنشأتها الدول الأوروبية فى مصرفى تسابقها الاستعمارى لتجنيد المثقفين المصريين وأصحاب النفوذ فى مصر)) (تاريخ الفكرالمصرى الحديث- ج1- مكتبة مدبولى ط1عام1986ص17 – 19، 83) لماذا كان الأفغانى مؤيدًا ومعضدًا لرياض باشا ((رغم رجعيته المشهورة وعدائه لكافة الحركات الدستورية والديموقراطية فى مصرعلى مدى ثلاثين عامًا أويزيد))؟ وفى المقابل: لماذا كان رياض باشا ((أقوى سند داخل السلطة للأفغانى طوال إقامته فى مصروحتى بعد نفيه من مصرعام 1879؟ وفى مرحلة باريس و(العروة الوثقى) إلى أنْ خرج الأفغانى نهائيًا من محيط السياسة المصرية نحومايو1886وبدأ مرحلته الإيرانية الروسية))؟ (ص67، 68) ويتولد من السؤاليْن السابقيْن سؤال: ما المصالح والأهداف التى جمعتْ الرجليْن (الأفغانى ورياض باشا) ووحدتْ بينهما؟

وعن دفاع عوض عن مصرذكرلقارئه تفريط السلطة العثمانية فى الأراضى المصرية، حيث أمرسلطان تركيا بإحتلال ميناء بيرطابا على الساحل المصرى من خليج العقبة. وعندما نزلتْ القوات المصرية، فإنّ القائد التركى منعها. وبينما كان هذا هوموقف تركيا، فإنّ اللورد (جراى) أصدربيانــًـا فى مجلس العموم البريطانى فى27مارس1906قال فيه إنّ ((جزيرة سيناء كلها بما فيها ميناء بيرطابا تقع تحت سلطة الإدارة المصرية)) فكان تعقيب عوض ((الغريب أنّ أنصارالخلافة العثمانية فى مصر(أمثال مصطفى كامل) أيدوا تركيا وخذلوا مصر(تاريخ الفكرالمصرى الحديث- هيئة الكتاب المصرية- عام1980- ص109)

وعن تحركات عرابى وغيره من الوطنيين ذكرعوض أنها: حركة فى منشئها مصرية ضد الحكم التركى التعسفى، وبهدف تحررالعقل المصرى، ونفى تهمة (تقليد الغرب) وجمعتْ الحركة بين (نقد) الأتراك والدفاع عن القومية المصرية (المصدرالسابق- ص189) ويلتقط عوض تصريح إبراهيم باشا ابن محمد على الذى قال فيه ردًا على سؤال صحفى: كيف تطعن فى الأتراك وأنت منهم: فقال: أنا لست تركيـًـا. فقد جئتُ مصرصبيـًـا، ومنذ ذلك الحين فقد تمصرتُ: مصرتنى شمسها وثقافتها وغيـّـرتْ من دمى..فأنا مصرى ولست تركيـًـا (ص375) وهوذات المعنى الذى قاله الخديوإسماعيل ((…وأنا بصفتى مصريـًـا…إلخ)) (ص148)

وتــُـعتبرحدود مصرالتاريخية من الأمورالتى شغلتْ فكرعوض، فذكرأنّ سيناء بموجب فرمان1841الصادرلمحمد على بعد (معاهدة لندن) تــُـعتبر((من أملاك مصرالممتازة)) بينما ظهرت نوايا تركيا لسلخ سيناء عن مصرعندما أصدرسلطان تركيا فرمان تعيين عباس الثانى خديويـًـا على مصرعام1892، ففى هذا الفرمان أسقط السلطان التركى أى ذكرلسيناء بإعتبارها ضمن الحدود المصرية (تاريخ الفكرالمصرى الحديث- ج2- هيئة الكتاب المصرية- عام1983- ص165، 166) وعندما احتلتْ إيطاليا ليبيا عام1911فإنّ الإسلاميين (المصريين) المُـناصرين لتركيا أيـّـدوا طلبها بالوقوف معها باشتراك الجيش المصرى فى الدفاع ((عن الممتلكات التركية)) والمساعدة فى دفع المال اللازم…إلخ، فكتب لطفى السيد فى جريدة الجريدة عدة مقالات لتفادى توريط مصرفى هذا النزاع الذى يخص تركيا، ولايعود بأية مصلحة على مصر. وشارك لطفى السيد كثيرين من أعضاء حزب الأمة. وعن الفرق بين حزب الأمة بزعامة لطفى السيد والحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل، لخـّـص عوض لقارئه حقيقة الموقف الوطنى لكل من الحزبيْن، فذكرأنّ جريدة حزب الأمة وجدتْ نفسها فى موضع الاتهام من صحافة الحزب الوطنى، حيث كتب مصطفى كامل أنّ حزب الأمة يعمل لصالح المحتل البريطانى. واتهم الشيخ على يوسف لطفى السيد بأنه ثائرعلى سلطان تركيا…إلخ ومن هنا يتبين الخلاف بين الحزبيْن: حيث أنّ حزب الأمة يدعوإلى 1- مصرأولا. ولاولاء للدولة العثمانية أولبريطانيا 2- تعليم عصرى هوالمقدمة اللازمة للتحررمع الاعتماد على الذات القومية. بينما الحزب الوطنى يدعوإلى: 1- حكم مصرالذاتى تحت السيادة العثمانية 2- تقوية الروابط بين المسلمين (المصدرالسابق- ص175، 176)

وهكذا يتبين الفرق بين الحزب الوطنى بقيادة مصطفى كامل، الذى انحازللأيديولوجية الدينية، ولوعلى حساب وطنه (مصر) حيث تبنيه لفكرة (عودة الخلافة الإسلامية) والترويج لمشروع (الجامعة الإسلامية) بينما حزب الأمة بزعامة لطفى السيد مع مصرالليبرالية، لكى تكون ضمن منظومة الدول التى ارتقتْ وتطوّرتْ، فأصبحتْ متلائمة مع مفهوم النهضة فى العصرالحديث. ولأنّ لويس عوض ألقى الضوء على الفرق بين الحزبيْن، يكون بذلك مدّ قارئه بالمادة التاريخية ليحكم بنفسه على تلك الحقبة من تاريخ مصر، خاصة وأنّ التعليم المصرى- كما ذكرعوض- يـُـناصرمدرسة مصطفى كامل دون التعرض لمجمل مواقفها المُـنحازة للدولة التركية.

ونظرًا لموقف عوض بشأن خصوصية مصرالثقافية، ودفاعه عن القومية المصرية، لذلك كان من الطبيعى أنْ يستشهد برأى رفاعة الطهطاوى فى كتابه (مناهج الألباب) حيث دافع- رغم مرجعيته الدينية- عن ((فكرة القومية المصرية)) وكذلك دفاعه عن ((فكرة الدولة الزمنية/ العلمانية)) ونقل عوض ما ذكره الطهطاوى فى كتابه (تخليص الإبريز) حيث كتب عن أمجاد مصرالقديمة وحضارتها الشاهقة فى العلوم والفنون والآداب. ومن أقواله ((أجمع المؤرخون على أنّ مصردون غيرها من الممالك عظم تمدنها وبلغ أهلها درجة عليا فى الفنون، وأنّ آثارمصرتدل على تمدن المصريين القدماء)) (تاريخ الفكرالمصرى الحديث- كتاب الهلال- إبريل1969- ص149، 150، 190)

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.