مذكراتى عن 25 يناير واعادة تقييمها بعد مرور 7 سنوات

أحمد علي 

ونحن نشهد فى هذه الايام الذكري السابعة لاحداث 25 يناير تلك الاحداث التى شاركت في مظاهراتها وقد ذهبت لميدان التحرير تضامنا مع رافضى نظام مبارك وتسببت فى صعود الاخوان للسلطة ثم ثورة الناس عليهم مرة اخري ورجوع الجنرالات العسكريين للحكم فالنهاية اسرد لكم مذكراتى عن ما قبل تلك الفترة حتى يوم التنحى 11 فبراير 2011 ثم تقييم شامل لها وهل هى فعلا ثورة أم انتفاضة؟

البداية منتصف التسعينات

كنت طفلا صغيرا اسمع والدتى(الله يرحمها) تتكلم عن احترام الكبير وعن جمال مصر ومجدها

كنت معترضا على هذا الفكر لانى كنت أعلم ان مصر ليست دولة متقدمة وكنت اسمع فى التلفاز بشكل دائم عن المنجزات الامريكية لم استطع بحكم صغر سنى استيعاب تفاصيلها ولكن وقر فى عقلى الباطن ان ثمة شىء خاطىء وان مصر فى وضعها الحالى يجب تغييرها ولكن لم تسعفنى براءتى على الجهر بذلك

أوائل 2009

أصبحت شابا ملتحيا مؤمن بأفكار الدعوة السلفية ايمانا مطلقا وكنت دائما أحمل الروح الثورية فى مختلف مراحل حياتى لانى كنت ومازلت امتلك قناعة ان مصر بحالتها المتردية محتاجة ثورة تغيير شاملة وان اختلف نوع التغيير على حسب تغير الفكر كنت على علاقة قوية بمشايخ الدعوة السلفية وكنت بحضر دروسهم بانتظام وفيوم كنت أصلى الفجر مع أحد هؤلاء المشايخ وكان الشيخ يشرح أحد الكتب بعد صلاة الفجر كنت على علاقة قوية به وتلميذه المقرب كنت دائما انسان مشاغب واسأل دائما فى مناطق الخطر المتعلقة بتغيير نظام الحكم سالت الشيخ عن الحاكمية وتغيير نظام الحكم وكانت النصيحة لى دائما ان ابتعد عن هذه الامور ولكن الحاحى وضيق وقت الشيخ جعلنى اتقرب من تلميذه المقرب وكان رده ان الخروج على الحاكم فتنة وان هذا الامر له أسباب شرعية لا علاقة لها بالفساد فى الدولة بمعنى أدق ان الامر برمته متعلق بتكفير الحاكم ليس له علاقة بقضايا الفساد التى تجول فى أذهان المصريين وقتها كنت طبعا ادين لهم بالولاء والطاعة ولكن الروح الثورية التى تسيطر على منذ الصغر كانت دائما تبحث عن طريق لتنفس عن نفسها وتظهر على ارض الواقع

مايو 2009

كنت قد تركت الدين بالكامل لان عقلى الدائب التفكير والذي لا يروي ظمأه سوي باجابات منطقية على كل الاسئلة لم يستطع التسليم بتصديق الغيبيات بدون دليل منطقى وبناء عليه تحول المشروع الثوري لاتجاه فكري أخر وكان جرس الثورة على نظام مبارك يدق بصوت يوقظ الاموات فى القبور وكنت دائم الشغف بسؤال المقربين منى متى نثور على نظام مبارك؟

1 يناير 2011 (تفجير كنيسة القديسين فى الاسكندرية)

وقتها كانت نفوس المصريين على اخرها وكنت حاولت اهاجر استراليا وفشلت ودخلت فمشاكل شخصية تسببت فى عدم تبلور المشروع العلمانى فى عقلى خاصة انى لم اختلط وقتها بأي شخصية تحمل فكر علمانى مؤمن بفصل الدين عن الدولة وذهبت لمكان الكنيسة التى تم تفجيرها ووجدت لافتات تدعم الوحدة الوطنية وان المسلمين والمسيحيين يد واحدة ولم يكن هناك أي كلام عن الملحدين واللادينين ونظرا لعدم تبلور المشروع العلمانى فى عقلى وقتها لم اهتم بهذا الامر

25 يناير 2011 (الساعة السابعة أو السابعة والنصف مساء)

كنت فحالة نفسية سيئة جدا وكان عندي احباط شديد والدي بيخبط على باب الاوضة بيقولى احمد متنزلش من البيت فيه قلق فالشوارع وفيه مظاهرات قالى الكلمة السحرية اللى كان نفسى اسمعها محسيتش بنفسى لبست بسرعة نزلت من البيت ركبت الميكروباص من شارع ابو قير سألت السواق هى المظاهرات فين قربت من سيدي جابر لقيت قلق وعربيات امن مركزي نزلت كان عدد المتظاهرين قليل أول مرة اشم رايحة الغاز المسيل للدموع بعد كر وفر روحت محطة الرمل فاكر كويس مدير امن اسكندرية اللواء محمد ابراهيم وهو بيقول للظباط بصوته الجهور (قفل) كان الامن المركزي بيعمل عروض عسكرية فمحطة الرمل من عند سينما امير لغاية شريط الترام طبعا كان الاشتباك مع الامن المركزي درب من الجنون ومكنش ساعتها عندي الحكمة اللى اميز بيها بين مبارك وعسكري الامن المركزي كانوا بالنسبة لى كلهم سبب مشاكل البلد كلها المهم الروح الثورية تملكتنى جدا فى هذا اليوم

28 يناير 2011

الانترنت قطع وشبكات الموبايل قطعت وفكرة الثورة تملكتنى تماما ركبت المشروع من عالبحر نزلت فالشاطبى كانت السكة واقفة نزلت المظاهرات وابتدينا الهتافات الشعب يريد اسقاط النظام مشيت من الشاطبى لرشدي عالبحر الامن المركزي طلعلنا الغل اللى جوايا كله طلع ساعتها عملت حاجات عمري مكنت اتخيل انى اقدر اعملها بقيت فجأة عندي القدرة انى ادافع عن نفسى بكل الطرق الممكنة حسيت انى طلعت غل رهيب كان محبوس جوايا من رشدي عالبحر لشارع أبو قير يدوبك أخدت نفسى مشيت عديت على قسم سيدي جابر كانت الشرطة بتتفاوض مع المتظاهرين عشان يمشوا عديتهم لغاية ما وصلت الابراهيمية شفت النار طالعة فالسما تقول القسم اتضرب بالصواريخ قربت لقيت قسم باب شرق والع تماما والنار فالسما كان مقر مباحث امن الدولة فمنطقة الفراعنة قريب جدا من قسم باب شرق وكنت كمعظم المصريين فالوقت دا عندي غل من امن الدولة كنت متصدر المظاهرة حدفوا علينا غاز مسيل للدموع شميته للمرة الثانية بس كان تأثيره أقوي من الاولانية (حسيت لاول مرة انى ممكن اموت فعلا لحسن الحظ مضربوش نار لحظتها لانى كنت اول واحد هيقع) رجعت لورا التقطت انفاسى بصعوبة ورميت نفسى وسط جناين حديقة الشلالات توالت الاحداث والمظاهرات لغاية بالليل روحنا جامع القائد ابراهيم اترميت من كتر الارهاق عند الجامع من برا وكنت من الناس اللى استقبلت الجيش فالشوارع 

عديت الايام يوم بعد يوم واتفرض حظر التجوال والناس كلها مستنية مبارك يتنحى وكل ما يتكلم فالتلقزيون افضل قاعد مستنى كنت بحضر اعتصام المتظاهرين فى محطة مصر فى اسكندرية كل يوم وكانت الناس بصراحة بالملايين كان المنظر يخض أي حد

الاربعاء 2 فبراير

لغاية يوم الاربعاء 2 فبراير كنت بشاور عقلى اروح ميدان التحرير ولا لأ حصلت موقعة الجمل وكان ابن عمى هناك ونا قاعد فالبيت وكانت الجزيرة وقتها بتجيب اخبار القناصة اللى بيضربوا نار على المعتصمين وكانت موقعة الجمل كلمت ابن عمى فالتليفون قلتله اثبتوا انا جايلكم كان احساس صعب أوي وقتها لانى فعلا كنت عايز ابقى موجود فى ميدان التحرير لحظتها وكان فيه حظر تجوال مكنتش أعرف انزل من البيت الوقت دا المهم النهار طلع ركبت الميكروباص من اسكندرية لميدان التحرير فى القاهرة فاكر كويس لما وصلت الميدان فاكر كويس الناس لما عرفت انى جاي من اسكندرية وانى متضامن مع المتظاهرين استقبلونى كويس جدا وعزمونى على كشري وقالولى ادخل من انهى مدخل لان كان فيه كذا مدخل لميدان التحرير المهم فضلت قاعد عالاسفلت اتعرفت على ناس هناك بصراحة مش متذكر اسمائهم بس فاكر كويس انى لفيت فالميدان ووصلت للمدخل بتاعه من ناحية ميدان طلعت حرب وقعدت هناك شوية معرفتش اوصل لابن عمى بس عرفت انه خد طوبة فراسه بس بقى كويس واطمنت عالوضع هناك بصراحة مكنتش عندي القوة انى اقعد فميدان التحرير 18 يوم وبعدين أول 4 أيام انا طلعت الغل بتاعى فيهم بس دا مينفيش انى مقتنع ان الناس اللى اعتصمت فميدان التحرير من الاول أكثر قوة وصلابة منى وبالاخص الناس اللى ثبتت وواجهت القناصة والبلطجية يوم موقعة الجمل بعد كدا طلع بيان بعزل أو القبض على حبيب العادلى وتولى أحمد شفيق رئاسة الوزراء وكانت الاوضاع يوم الخميس أصبحت هادئة اللهم الا انتظار تنحى مبارك سهرت مع الشباب فى ميدان التحرير وقررت أرجع اسكندرية فنفس اليوم ركبت الميكروباص وانا راجع فالطريق لجنة وقفتنى اشتبهت في كان عندي برود أعصاب غير طبيعى بسبب انى كنت عارف انى مش على باطل وفنفس الوقت كان جوايا احساس داخلى ان الشرطة أخدت علقة جامدة وان دا يشبع غليلى(اعترف انى كنت شخصية مندفعة وان الشباب المعتصمين فالميدان أفضل منى انا كنت شخصية ثورية وقتها لكن الشخصية الثورية دي أختلطت بيها الكثير من المشاكل النفسية اللى أثرت على حسن تقييمها للامور) الظابط اتكلم معايا قلتله انا كنت عند خالى فمدينة نصر كشف على بطاقتى ووجدنى غلبان بالبلدي كدا ومعليش أي حاجة سابنى وصلت اسكندرية طلعت عالبيت نمت صحيت كالعادة روحت الاعتصام فمحطة مصر وكنت بقف مع الشباب بالليل احرس المنطقة كان الشىء الجميل وقتها قرب الناس من بعض كل الناس نسيت مشاكلها الشخصية وعلى رأسهم أنا وبقى الكل بيتكلم عن حل الازمة ما بين ناس بتؤيد مبارك وناس ثوريين شايفين ان مبارك سبب المشاكل كلها وانا كنت منهم(طبعا تفكيري اتغير بعدها) يوم بعد يوم مكنش عندي وقتها بصراحة قوة وصلابة الشباب المعتصم فالميدان كنت مؤمن بأفكارهم ولكن كانت مشاكلى النفسية ضاغطة على أعصابى ابتدي حماسى يقل شوية الايام عديت حتى يوم 11 فبراير

الجمعة 11 فبراير

يوم 11 فبراير اعتقد ان النت كان رجع مش متذكر بس متذكر انى قاعد فسيبر وبتفرج على الفيديوهات المتداولة وقتها موقف نجوم المجتمع من 25 يناير وابتديت ارجع لمشاكلى الشخصية وجوايا بردو الهاجس بتاع ان مبارك لازم يتنحى حسيت انى محتاج انزل الاعتصامات تانى ركبت الميكروباص من على طريق الكورنيش ونا فالميكروباص سمعت الناس بتحتفل فالشوارع نزلت من الميكروباص فضلت أحتفل معاهم

هذه مذكراتى عن 25 يناير

فترة حسيت فيها باحاسيس غير عادية امتلكنا شجاعة فى التعبير عن ارائنا (حتى لو اختلفت مع البعض) والدفاع عنها بشكل غير عادي روح الثورة وتجمع الناس وقتها مع بعض وتماسكهم فى سبيل هدف نبيل وهو التخلص من حاكم فاسد اعتقد انها أعطتنى واعطت الناس كلها قوة نفسية والهام غير طبيعى لكل واحد انه يفرش لنفسه طريق من النور لتحقيق السعادة له في حياته على المستوي الشخصى كنت شايف الحياة قبل 25 يناير عبارة عن ظلام دامس طابق على انفاسى كانت 25 يناير  بالنسبة لى النور وسط الظلام القاتم اللى لازم اجري وراه عشان احول الظلام دا لنور مشرق

تقييم القترة دي

لا أنكر ان افكاري الان تختلف جذريا عن أفكاري ف 25 يناير 2011 وان استبداد السلطة ليس سبب المشاكل الوحيد ولكن غياب الوعى كان سبب رئيسى لانقلاب ثورة 25 يناير على عقبيها لقد كانت كل مشاكلنا وقتها هو مشروع التوريث وبقاء مبارك فى الحكم ولكن تجاهلنا أمور كثيرة وأهمها الحريات الدينية لم نكن نتكلم عنها ابدا وانا شخصيا لم أدخل فى صدام مع أحد بسببها رغم انى كنت قد تخليت عن فكرة الدين من قبل ولم يدر فى خاطري ابدا ان جزءا ممن شارك فى هذه الثورة يحملون أفكارا عتيقة قد صدئت كما يصدأ الحديد وانهم أكثر ديكتاتورية واستبدادا من زبانية حبيب العادلى كلهم وانه لا ديمقراطية والشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع لم أكن أدرك ان الثورة الفرنسية قامت ضد استبداد الكنيسة ايضا ولكنه الاندفاع وعدم الوعى

السؤال الاهم هل انا ندمان على المشاركة فى 25 يناير ؟

اجابتى هى انى ندمان على عدم امتلاكى الوعى الكافى لادراك واستيعاب اسلوب التغيير الصحيح وانه لو عاد بى الزمن لكنت ناديت بدولة علمانية وان الثورة تكون ضد الفكر الدينى الاصولى ايضا لان الوضع الطبيعى للعلاقة بين الانسان وربه هى علاقة روحية تقتصر على الطقوس الروحانية ولا علاقة لها بالتشريع الدينى فالشريعة الاسلامية ضد الدولة المدنية بل وضد العقل والمنطق أيضا

هل 25 يناير ثورة أم انتفاضة ؟

هى انتفاضة شعبية كانت تحتاج لان تحمل الوعى والفكر الناضج لعلاج المشاكل من جذورها  لتصبح ثورة حقيقية تحرك البلد للامام وتقوم بعلاج المشاكل من جذورها وهى فساد السلطة وتطرف رجال الدين

ماذا بعد؟

يجب الاهتمام بالوعى والتثقيف لعلاج فساد السلطة وتطرف رجال الدين وتبنى مشروع علمانى شامل ويجب التضحية من أجل هذا المشروع لان هذه الاستفادة الحقيقية من أخطاء انتفاضة 25 يناير وهذا موضوع مقالى القادم التضحية من أجل العلمانية وكان المفروض ان يسبق هذا المقال ولكن جاءت الذكري السنوية ل 25 يناير ووجدت نفسى اكتب عن تلك الذكريات التى عشتها منذ 7 سنوات

لا أجد ختاما أفضل من مقولة العظيمة  نوال السعداوي

لا تحدث الثورات فى الخفاء، الثورة والكتابة كلتاهما لا تعرف السرية.. حطمى قفل الدرج واكتبى فى النور، اغضبى وثورى ولا تستكينى

أحمد على

الاسكندرية

مصر

26/1/2018

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد علي and tagged , , . Bookmark the permalink.