الخطاب السياسي للإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي

كريم الجمال  

لم يعد في الإمكان تجاهل الصعود الكبير لتيارات الإسلام السياسي في الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي، فأي باحث أو سياسي أو مهتم بالشأن العام أو حتي متابع عادي سيلاحظ تنامي ظاهرة الإسلام السياسي بعدة أشكال مختلفة حسب كل بلد، وبحسب اتجاه ومواقف وأفكار التيار والجماعة في هذا البلد. فقد نقل الإسلام السياسي المجتمعات من دائرة الإسلام التقليدي كديانة تمثلها الشعائر والعبادات إلي الدائرة الحزبية والتنظيمية، واصبح هناك مصطلح مسلم ومصطلح إسلامي.

لا يمكن وضع كل الإسلاميين في سلة واحدة أو الحديث عنهم بنفس المصطلحات السياسية والاجتماعية لأنهم مختلفون ومتنوعون. يمكن الوضع في الاعتبار الخلفيات التاريخية والدينية لكل جماعة أو حزب إسلامي حتي يكون تحليل الخطاب السياسي للإسلاميين منصف وواقعي. الإسلام السياسي كمصطلح لا يمكن أن نطلقه _في هذه الدراسة علي الاقل _ علي جماعات العنف المسلح التي تكفر المجتمعات والحكام بجملتها وهو ما نطلق عليهم التكفيريين أو الخوارج بالمسمي الشرعي مثل تنظيم داعش الإرهابي، فتلك الجماعات الإرهابية المسلحة لا تري حلولا سياسية فقط تري العنف والقتل. وهذا لا يعني بالضرورة أن التنظيمات الأخري كلها سلمية ولا تتبع العنف، فبالتأكيد هناك جماعات وتنظيمات استعملت العنف والإرهاب ولو علي فترات و مارست تحريض ونشر للكراهية ضد المخالفين، ولكن ليس بصورة مطلقة ودائمة وهم أقرب إلى أفكار تنظيم القاعدة و أفكار سيد قطب.

يمكننا إذن أن نقسم التيارات والجماعات الإسلامية المعنية بالعمل السياسي أو ما نطلق عليه الإسلام السياسى إلي ثلاثة أقسام رئيسية _ بحسب الدكتور فرج فودة في كتابه حوار حول العلمانية _التيار التقليدي وأهم مكوناته جماعة الإخوان المسلمين والمتأثرين بها من أحزاب و حركات، التيار الثاني التيار الثروي نسبة إلي الثروة أو السلفية وما يتبعها من تيارات متشددة نمت وترعرعت في المجتمعات عن طريق أموال البترودولار عبر الجمعيات والمدارس الدينية ذات الخلفية السلفية الوهابية، التيار الثالث هو التيار الثوري أو السلفية الجهادية التي تري في أفكار سيد قطب والمودودي وممكن نطلق عليهم القطبيين والجهاديين وهم متأثرين بتنظيم القاعدة فكريا _في الطائفة السنية _و بولاية الفقيه بحسب الثورة الإسلامية الخمينية في إيران كطائفة شيعية. التيار الإسلامي الثوري والسلفي أكثر تشددا وعنفا وانغلاقا وأكثر ميلا للإرهاب _ من التيار التقليدي _حيث يعتبر هو المحطة الرئيسية الانتقالية قبل العنف والإرهاب والتكفير حيث يتفقا معا في الخلفية الايدلوجية الجهادية السلفية المتشددة. التيار التقليدي أكثر ميلا للسياسة والدعوة والإرشاد وينظرون نظرة أممية لكل فروع الجماعة الكبري وهي الإخوان المسلمين. 

هناك ضرورات سياسية واجتماعية واقتصادية أدت لتنامي وصعود الإسلام السياسى أهمها نهاية المد القومي بحرب 1967، ثم معاهدات السلام بين العرب وإسرائيل وأهمها كامب ديفيد، إلي جانب الاستبداد السياسي والفساد والقمع والقبضة الأمنية  وتراجع مستوي التعليم، وعدم إفساح المجال لتداول السلطة عن طريق المعارضة المدنية أو حتي التيار الإسلامي المعتدل. مع الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة مثل الفقر والبطالة والتدخل في عمل المؤسسات الدينية الرسمية وتوجيهها الي صالح السلطات مما اعطي مظلومية كبيرة للإسلاميين ومبرر للمطالبة بالسلطة وتغيير نظام الحكم _حتي لو بالقوة والعنف المسلح في بعض الأحيان _ فكان لابد من اشتراكهم في السلطة أو الحياة السياسية لإتمام عملية التحول الديمقراطي.

يتنوع الخطاب السياسي للإسلاميين بعد ثورات الربيع وبرغم هذا الاختلاف، الا انه اتفق في عدة مفاهيم ظهرت في شعارات الأحزاب والقوى الإسلامية بشكل أكبر في القوي التقليدية أو الإخوانية مثل الحرية، العدالة، التنمية،الإصلاح. تبقي هناك مفاهيم ومصطلحات أساسية تضمنها خطاب الإسلاميين السياسي مثل الشريعة، الحاكمية. وظهرت قضايا ومسائل أثارت جدلا واسعا في أوساط المجتمع وحتي داخل الإسلاميين أنفسهم مثل المواطنة، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الأقليات، و موقفهم من السياحة والأجانب والقضايا الأخلاقية.

فكان لابد بعد سنوات من التضييق أن يعودوا للواجهة من جديد ويلعبوا دورا مهما في كل دولة سواء قامت فيها ثورة أو حراك شعبي أو حتي لم يصلها الحراك الشعبي مثلهم مثل كل الأفكار والقوي المهمشة لإحداث توازن اجتماعي بعد زوال ضغوط سابقة من السلطات والأنظمة الحاكمة، لكن الإسلاميين لأنهم أكثر عددا وقوة وتنظيما تصدروا المشهد ووصلوا للسلطة في بعض الدول، واثاروا لغطا بل واستدعى صعودهم قلق القوي الثورية، المدنية، الديمقراطية بل وبعض الدول، وأحيانا أثارت تصرفاتهم ومواقفهم العدائية وسياساتهم الخاطئة في تراجع شعبيتهم وفشل أو إفشال التجربة في أماكن أخري.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, كريم الجمال and tagged , , , , . Bookmark the permalink.