الإسلامويون في الأرض

طه لمخير  

عندما يحضر الحديث عن الإسلام السياسي والحركات الإسلاموية، فإننا في حقيقة لا نتحدث عن أحزاب سياسية أرضية لها برنامج إصلاحي ومذهب في الاقتصاد والسياسة، ورؤية ديموقراطية تشاركية لبناء مستقبل جماعي وتعددي مع الشركاء المتشاكسين في الوطن، يخطئ خطأ جسيما ذلك الذي ينظر إلى الإسلاموية كحركة سياسية على غرار الحركات يمينية ويسارية، إننا في إسطبلات الإسلامويين نتحدث عن الحق المطلق، عن أحزاب لها تفويض سياسي إلاهي، وعن وكلاء الله في الأرض.

ولهذا فالحركة الإسلاموية لها طبيعة شمولية بمعنى أنها تريد السيطرة على جميع مظاهر حياة الإنسان دون السماح بأي مساحة حرة للأشخاص، وفِي حال وصولها إلى السلطة ستفرض رقابة صارمة وتحكما تاما على كل فرد من الأفراد في المجتمع ، وهي لون من الأيديولوجيات مثل النازية والشيوعية التي تتعامل مع الآخر بالصفة المتعالية ولا تقبل التّخْطيء أو الرفض أو المعارضة، بمعنى أنها بالنسبة لحاملها عبارة عن فكرة دامغة ومنطق لا يدحض  irrefutable logic.

كما أننا نتحدث عن نظام إسلاموي عالمي بديل للنظام العالمي الذي دشن من خلال اتفاقيات ويستفاليا عام 1648والتي أنهت حروب الثلاثين سنة الدينية، والثمانين سنة بين إسبانيا وهولاندا، وأقرت أسس ما يعرف اليوم بسيادة الدول على أراضيها كعقيدة أساسية في العلاقات الدولية، ووضعت حدا لشن الحروب على أساس ديني وتدخل الدول في الشؤون الخاصة للدول الأخرى، وما لحق بذلك من اقتصاد السوق والحريات الفردية والخصوصية الدينية.

النظام الإسلاموي السياسي لا يعترف بالسيادة الوطنية، لأنهم يعتقدون أن الله سيورثهم الأرض بأوطانها وشعوبها-دار حرب ودار إسلامعن طريق الجهاد العالمي لضمها تحت راية الدولة الإسلاموية المؤسسة على الحاكمية والشريعة بالمفهوم الإسلاموي الذي يعني عقوبة تُوَقَّع ودما يُسفح.  

ومن هذا المنظور فإن الزمن الكوني عندهم معادل للزمن التاريخي وبالتالي تكون التعبيرات الرائجة اليوم مثل: المراجعات والتغيير والتطور السياسي والاندماج والقبول بالآخر وحق الاختلاف والتعددية، وكل التعبيرات والشروط الأساسية للمجتمعات المدنية الحديثة هي عندهم ضرورات إكراهية، و أفعالا سياسية تكتيكية تُقْيَوِيّة، أدواة لبلوغ المرام ليس إلا، ووسائل إيهاميّة ظرفية لما يسميه بعضهم “اقتحام العقبة”، ويسميه آخرون “مرحلة مكية” لمغالبة “الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي”.

الحوار كخطة مرحلية

إن فعلة الحوار الإسلاموي فعلة الكذب والتملق والمصانعة باقتدار، مرحلة بينية مضطرون هم إلى مراودتها، مناورات لغوية مخاتلة للمفاهيم الحداثية والديموقراطية مع الذين لا “يوقنون” أو “المسلمين نظريا”، يمكن توصيفها بمرحلة الإيهام الانتقالي، فالحوار والتشارك مع الفرقاء “الجاهليين” ليس مبدأ إسلامويا بقدر ما هو وسيلة برغماتية إلى الهدف، تنتهي الحاجة إليها في اللحظة التي تسقط الموانع المادية والمعنوية التي يفرضها النظام الجاهلي “الكافر” وتتيحها الفوضى المزمنة؛ مجرد تلهية باستنبات بذور الحوار في الهواء لا في تربة الفكر الإسلاموي…”فهي مسألة خطة لا مسألة مبدأ، مسألة مقتضيات حركة لا مسألة عقيدة” وعلى هذا الأساس الواضح يمكن أن نفهم خلفيات الحوار الذي يدعو إليه الكيان الإسلاموي. 

الإسلاموي لا يحاورك إلا حينما لا يقدر عليك قدرة السيف على الأعناق المسرجة، أو حال بينك وبينه نظام قائم، ويحضر هنا ما قاله أردوغان نقلا عن مجلة دير شبيغل الألمانية:” الديموقراطية مثل القطار نركبه؛ ثم نتركه عندما يصل بنا إلى المحطة التي نقصدها”، فالديموقراطية بالنسبة لهم آلة وأداة تبدأ وتنتهي عند صناديق الاقتراع، دون القيم والمبادئ التي لا تنفصل عن الديموقراطية وعلى رأسها التعددية والتداول على السلطة والحريات الفردية.

إن الذين يفرقون بين جماعة العدل والإحسان أو الإخوان المسلمين وداعش مثلا أو القاعدة؛ لسبب أن الأوليين لم تجنحا إلى حمل السلاح وبالتالي ينحلونها صفة “الإسلام المعتدل”، وينحلون الجهاديين صفة “الإسلام الراديكالي”، فإن تشخيصهم عاجز تمام العجز عن إدراك الفرق بين الوسائل والغايات، كالذي يريد اصطياد الحجل بالبندقية والآخر بإنشاد الشعر؛ لكن كلاهما يقصد إلى افتراسه في النهاية، لأن الفرق بين الحركات الجهادية المسلحة والحركات الإسلاموية غير المسلحة(الجناح السلمي والجناح المسلح) إنما هو فرق سطحي قشوري، اختلاف في الوسائل وليس في الأهداف.

بل إن الجناح المسلح هو في حقيقته وسيلة الضغط التي يستقوي بها الجناح “السلمي” على الشعوب والحكومات، هما فرعان لجذع واحد، وجهان لعملة واحدة، فالإسلامويون على اختلاف مذاهبهم المنهجية في العمل والسلوك إلى السلطة يتكدسون جميعهم حول أصل واحد يمثل جوهرا وجوديا ومبررا ذاتيا في العقيدة الإسلاموية؛ هو إقامة دولة الشريعة المؤدلجة ومن ثم النظام الإسلاموي العالمي.

نلاحظ أن النشاط الحواري والترامي على الفاعلين “والفضلاء الديموقراطيين” أصبحت لغة الإسلامويين المفضلة في زمن ما بعد السقوط مع عودة الإخوان في مصر إلى الظل والسرية وسقوط مشاريع الدولة الإسلاموية بفشل تنظيماتها المقاتلة في سوريا وليبيا وتونس…إنها هدنة في زمن اللاحرب واللاسلم و في ساحة ما يسميه قطب وقبله محمد البهي “حرب الأفكار” أو “الغزو الفكري”، أو الحل الإسلاموي في مواجهة ما يسميه القرضاوي “الحلول المستوردة” من الغرب الصليبي الصهيوني بما فيها الديموقراطية، هذه الحرب الفكرية تخاض في البلاد المسلمة وفِي الشتات الإسلامي في أوروبا عند العجز عن فرض الفكرة بقوة الإرهاب والسلاح.

يقول نبي الإسلامويين سيد قطب: “والذي يدرك طبيعة هذا “الدين” يدرك معه حتمية الانطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان…وبوسائل مكافئة لكل جوانب الواقع البشري وفِي مراحل محددة لكل مرحلة منها مراحل متجددة”(معالم في الطريق).

اختراع التراث وأدلجة التاريخ

الإسلام كدين سماوي وعقيدة توحيدية ورؤية للوجود، لا علاقة لها بمفهوم “الحاكمية” فليس في القرآن ولا الحديث النبوي ما يتناول بالتنظيم أي سلطة سياسية أو يرتب نظام معينا للحكم أو يضع نظاما للكهانة، وليس في الدين كلمة دولة أو نظام أو حكومة أو دستور…والإسلام كرسالة سلام ومحبة لا تمت بصلة لما يسميه قطب ثورة إسلامية عالمية واتحادا إسلامويا لتقويض النظام العالمي العلماني من خلال نظرية الجهاد العالمي والحروب العصاباتية غير النظامية وعمليات الذئاب المنفردة، ثورة مستنسخة من ثورة البروليتاريا واتحاد عمال العالم في الحقبة الشيوعية، فالإسلام ليس إعلانا حربيا أو وصفة سياسوية جهادية لحكم العالم، هناك فرق بين التدين الطبيعي للمسلم العادي، والتدين السياسي للإسلاموي القطبي، بين الإيمان بالله وأركان الإسلام، والإيمان بالنظام السياسي الذي تستعمل فيه الرموز الدينية لخدمة الإسلاموية وغاياتها الشمولية. 

الإسلامويون يدعون إلى تديين السياسة وتسييس الدين، ولأجل ذلك عكفوا على بلورة مفهوم نظام عالمي إسلاموي أقيمت هياكله التنظيرية في مؤلفات المودودي و كتيبات سيد قطب ووارث سره يوسف القرضاوي، ثم ركب تركيبا من خلال استدعاء الذكريات الجماعية لمجد الحضارة الإسلامية ما بين القرن السابع والقرن السابع عشر، أخذوا ينتقون من التراث الإسلامي ما يناسبهم ويغفلون ما يعارض أغراضهم، يتخطّفون طرفا من آية ويعرضون عن بقية الآيات المرتبطة بها، ويطلبون لتدعيم عقيدتهم -بأثر رجعي- النصوص القدسية و مواقف السيرة والأحداث العفوية والأحاديث المعطوبة…

يعفون أنفسهم من إدراك سياق أسباب نزول الآيات وخصوصياتها الذاتية واعتباراتها الظرفية، يعمدون إلى تأويل المفردات والمصطلحات اللغوية التراثية والتلاعب بها وتحميلها معان ومفاهيم سياسية عصرية لاحقة بعيدة عن استعمالاتها الأصلية وجذورها اللغوية؛ ما يمكن أن يصيروه حججا واستدلالات على ملامح الدولة الإسلاموية الكونية في التراث الديني المؤدلج، لقد أنعشوا تلك الذكريات التاريخية واستعملوها كأداة لصياغة وهم نظام عالمي مؤسس على نظام إلاهي استنبتوه في أذهانهم ووصفوا له تاريخا مزورا.

لقد اخترعوا صورة زائفة للتراث، أعادوا إنتاج وقائعه التاريخية وصوره الأصلية ومواده الخام على أسس أيديولوجية وميكانيزمات عصرية، وأثثوا بها فصول رواية طوباوية شمولية، فهم يتحدثون عن الشريعة وينحلونها صفة مؤسسة قانونية ودستورية لها أصل في الدين والحضارة الإسلامية، بمعنى مدونة قانونية نزلت مع التنزيل، في حين أن لفظة الشريعة لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن وبمعنى الطريق أو السبيل الأخلاقي”ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها” الآية.

 باعتبار أن الرسالة المحمدية رسالة أخلاقية في المقام الأول على خلاف الرسالة الموسوية التي كانت تشريعية وكان اليهود يطلقون على تلمودهم الشريعة وعلى موسى معطي التشريع لكثرة التشريعات وتشعبها في التوراة، بينما الأحكام الشرعية في القرآن لا تتجاوز جزءا واحدا من أصل ثلاثين جزءا من آيات القرآن وبعضها منسوخ وكثير منها لم يعد يعمل بها مع حركة التاريخ وتغير الظروف المحلية الأصلية، فَلَو كان القصد تقييد الناس بالتشريع الشامل لكانت آيات التشريع تمسك بتلابيب المصحف من أوله إلى آخره، ثم بعد مرور قرون من وفاة الرسول أصبحت الشريعة تطلق خطأ على الفقه الإسلامي البشري، ولو لم يكن الفقه بشريا لما تخلى الشافعي مثلا عن مذهبه وآرائه الفقهية عندما كان في العراق وأنشأ مدرسة فقهية مغايرة تماما عندما رحل إلى مصر.

التطهير الثقافي الإسلاموي ومعاداة الإنسانية  

مع ظهور حركة الإخوان المسلمين وبداية تبلور ديانة إسلاموية جديدة مناوئة للحداثة ومظاهرها المختلفة وخاصة بعد هزيمة الأيام الستة وفشل مشروعات التنمية والعصرنة في العالم العربي؛ شن الإسلامويون حملة ممنهجة على حركة التحديث مدعين أنهم يعيدون إحياء التراث الإسلامي أو ما يسمونه العودة إلى الأصالة، في الحقيقة كانوا يبتدعون تراثا خياليا، وخرج من بدأ يزعم صداما وهميا للحضارات من الشرق والغرب، والحق أن الحضارتين تتكاملان، كلتاهما أخذت عن الأخرى واستفادت منها وزادت عليها.

لماذا لا يطلق على الحركة العلمية الفلسفية والرياضية والطبية والكلامية وجهود الترجمة- التي قادها المسلمون في عصر العباسيين إلى القرن 13 الميلادي وازدهرت في ظلالها الحضارة الإسلامية- لكتب فلاسفة اليونان والفرس “يَوْنَنَة وفَرْسَنة” كما يسمونها اليوم تغريبا، لماذا يتفاخرون ظاهريا بابن سينا وابن طفيل وابن رشد وابن خلدون رغم علمهم بأنهم اعتمدوا كليا على مؤلفات ونظريات أرسطو وسقراط…ألم يكن العرب يطلقون على أرسطو المعلم الأول والفارابي المعلم الثاني قرونا قبل أن يعود أرسطو والفكر اليوناني إلى الغرب من بوابة الفلاسفة المسلمين؟.

لماذا ينسبون الفضل في النهضة الأوروبية إلى الحضارة الإسلامية والفلسفة العربية ذات الأصول اليونانية ثم يرفضون هذا الجانب المشرق من الحضارة الإسلامية في نفس الوقت إذا خلا بعضهم إلى بعض، لقد كان التلاقح بين الشرق والغرب تعبيرا كريما للآية الكريمة “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، والتعارف بين الشعوب يقتضي الأخذ عنها والتعلم منها وتبادل الأفكار ومناقلة الآراء لما فيه سعادة الإنسان، وهو ضد الإنغلاق الإسلاموي والتقوقع العقائدي والتطهير الثقافي والعدوان الجهادي الذي تدعو إليه أناجيل الإسلاموية مع كل إصدار.

بعد منتصف القرن العشرين مع بروز التنظير القطبي وسريان مقولته “إما كفر وإما إيمان”، ونظرية النظام الإسلاموي والجهاد العالمي؛ أصبح هذا التعارف لونا من “الاستلاب” كما يسميه عبد السلام ياسين، هنا ندرك أن التلاقي الحضاري بين الأمم كما يؤكده التاريخ الإسلامي والتراث العربي والأمازيغي لا يخدم أجندة الفصل الثقافي العنصري المناهضة لدعوة القرآن إلى التعارف العالمي بكل ما في الكلمة من معنى دون حرج أو عقد نقص.

على امتداد المسار الطويل الذي سلكته الانسانية شهدت الشعوب والأمم اختلاطا حضاريا منتجا؛ بمعنى أن الحضارات على تنوعها كانت ثمرة للانسانية جمعاء؛ أي أنها كلها شرقية وغربية لم تكن قط أحادية النزعة؛ ولكنها هجينة متداخلة heterogeneous  civilizations …رجال مثل بن لادن وَعَبد السلام ياسين والقرضاوي وأنور الجندي وغيرهم من المهوسين بفكرة النظام الإسلاموي العالمي والتطهير الثقافي العنصري، حاولوا إهمال هذه الحقيقة التاريخية، وكرسوا الفصل بين الحضارة الإسلامية التي تشربت الحضارة اليونانية، وبين الحضارة الغربية التي نهلت من ذات النبع. 

وفِي تحديهم للنظام العالمي الوستفالي القائم على التعدد والتنوع، خلقوا فصلا حضاريا وثقافيا وسياسيا وهميا بين المسلمين وباقي الإنسانية، وفِي هذا السياق يتم تناول العلاقة بين الغرب وبلاد الإسلام في أدبيات الإسلامويين، ويعتمدون الخلط بين السيطرة السياسية للغرب، والقيم العالمية الغربية والإنسانية التي تبناها العالم بما فيه البلدان المسلمة.

الإسلام كإيمان وعقائد و إطار من المبادئ والأخلاق الفطرية قال كلمته واضحة بأن أركان الإسلام خمسة لا سادس لها(مع التركيز على استعمال لفظة ركن بمعنى الأساس الذي يبنى عليه الشيء)، وكلها أركان تتعلق بالإيمان والعبادات وتزكية المال والنفس، ليس فيها ركن واحد يدعو إلى حاكمية أو دولة إسلاموية أو نظام سياسي إلاهي(الشهادتان الصلاة الزكاة الصوم الحج).

فالإسلام السياسي ليس إحياء للإسلام كما يوهمون؛ فهم لا يحيون أركانه الخمسة التي بني عليها -إذ هي عندهم “أركان” هامشية- بل هو خَلْق جديد، لون من الصناعة والبناء المستحدث لمفاهيم سياسوية ديانية عصرية، وفهم يتمسح بالإسلام لكنه في حقيقته لا صلة أصيلة له بالتاريخ والتراث الإسلامي، إنه صنيعة معاصرة بامتياز، واختراع لصورة تراثية وهمية لم تقع في تاريخ الإسلام على أي وجه قلّبْته.

فاليوتوبيا الإسلاموية التي توهمها قطب في صورة حكومة إلاهية توسعية تحكم هذا العالم بسيف الجهاد ليس لها سند تاريخي، ولكنها نتجت عن أزمة حضارية مر بها المسلمون في عصر الانحطاط الأخير مع فشل التنمية وجهود التحديث والدمقرطة في العالم العربي، ونفخ في زندها الهزيمة النكراء لعام 67.

ومن هنا اختلق الإسلامويون مفهوما جديدا للخلافة يخالف واقعها وسياقها التاريخي-الذي لا يختلف عن المراحل الطبيعية لنشأة الإمبراطوريات وتفاعلها مع الجغرافيا- باختراع تخيل ذهني لمفهوم الأمة التي تساس في إطار دولة الشريعة القطبية، وتكون به الإسلاموية دعوة إلى اتصال الدين بالدولة تحت مظلة نظام سياسي مؤسس على مفهوم الحاكمية، وهذا مطلب سياسي إسلاموي وليس من مطالب الإيمان الستة والأركان الخمسة.

كما أنه ليس مقصورا على الدول التي شهدت ميلاد الحضارة الإسلامية؛ بل يتعداه توسعيا إلى العالم بأسره باعتبار أن الإسلاميين يريدون إعادة صياغة العالم وفق نظرية الحاكمية عن طريق ثورة عالمية، باختراع هذا النسق ونحله إلى الدين أصبح الإسلامويون يمتلكون سلطة دينية وروحية شمولية على عموم الجماهير الواقعة تحت قصف البروباغاندا الحركية للإسلام السياسي.

براءة الإسلام من الإسلاموية 

هناك علاقة جدلية ملتبسة بين الإسلاموية والإسلام تسببت في كثير من التشغيب على قيم الإسلام السمحة وحمّلت المسلمين جرائم وإرهاب الإسلامويين، العلاقة شبيهة بتلك التي نشأت بين الليبرالية والفاشية حيث رأى البعض أن هذه الأخيرة انبثقت من رحم الليبرالية وهذا تصور خاطئ، فكما أن عصر الأنوار وأفكاره التي سعت إلى تحرير الإنسان من أغلال التقاليد وجبرية الكنيسة ودعت إلى سيادة الإنسان وتحرره من الخوف من الطبيعة، وسيادة العقل على الخرافة، لكنها في ما بعد أنتجت في الأزمات الأوروبية أنظمة فاشية وشيوعية تناقض مبادئ الأنوار ENLIGHTMENT؛ فإن الإسلاموية من نفس المنظور تناقض إنسانية الإسلام ورحابة تعاليمه، ومن هنا فإن عملية تفكيك وفصل الإسلام عن الإسلاموية أمر بالغ الأهمية لتحرير الذات المسلمة من الكهنوت القطبي. 

في لفظة الإسلاموية بهذه الصيغة الوزنية (بإضافة الملحق “وية”) وفِي الإنجليزية islamism (suffix ism) تشير إلى تحول الفكرة الأصلية إلى إديولوجيا، في الماركسية Marxism  إضافة الملحق إلى اسم ماركس إشارة إلى تحول أفكار ذلك المفكر الإنساني إلى أيديولوجيا لم تكن دائما معبرة عن أفكار الرجل الأصلية، ولم يكن ليوافق أن تتحول إلى منهج شمولي على يد لينين، على النسق نفسه تحول الإسلام من رسالة سماوية إيمانية تخاطب روح الانسان ووجدانه وتجيب عن تساؤلاته الوجودية ورحمة للعالمين، ليُمسخ إعلانا حربيا و رسالة سياسية لها غايات استعمارية ومآرب شمولية جبرية بعيدة كل البعد عن الإيمان ورسالة السلام.

وأصبحت عالمية الرسالة الإيمانية، تعني عالمية الشريعة بالتحديدات والصياغات القطبية المختلقة، وأخذت شكل أيديولوجيا سياسية لنشطاء الإسلام السياسي الدوليين، محاكاةً مطابقةً لنشطاء الشيوعية العالمية عندما كانت فلول الجيش الأحمر تقاتل مع حركات التحرر الماركسية التي تحمل نفس الأيديولوجيا خارج الاتحاد السوفيتي، مثل اليابانيين الذين شاركوا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في عملية مطار اللد، أو جولات شي غيفارا في إفريقيا لدعم الأنظمة الشيوعية وتصدير الثورة، وهذا ما يحدث مع الحركات الإسلاموية التي تقاتل في كل الجبهات سعيا لإعادة تشكيل العالم وفق منظورها.

الإسلاموية هي نظام شمولي من الأفكار والمواقف ذات الطبيعة الجينوسايدية genocidial أيديولوجيا ذبائحية إبادية، بمعنى أن الإسلاموي لا يقصد فقط إلى إقصاء الآخر الذي يعتبره مرتدا مقاتلا للإسلاموية، ولكنه يعمد إلى نفي بذرته من الوجود، ولهذا في مجتمع متعدد كالمغرب فإن الإسلامويين لم يكتفوا في الجامعات مثلا بإقصاء الطلاب من فصائل وتيارات مختلفة؛ بل قادوا سلسلة من الإعدامات الهمجية في الحرم الجامعي وخارجه وبعض هذه القضايا لازال رهن القضاء اليوم( قضية الطالب بنعيسى أيت الجيد والمشتبه به عبد العالي حامي الدين، والطلاب القتلة من جماعة ياسين).

الإسلاموي كحيوان سياسي تطهيري

لماذا اندلقت أحشاء اليساريين والقوميين -بعد هزيمة 67 ثم سقوط الشيوعية واستسلام غورباتشوف للنظام الرأسمالي العالمي- عند عتبات الإسلامويين؟ لماذا عادة ما تمتلئ ندوات جماعة العدل والإحسان بجوقة البلاشفة وبعض متحذلقة اليسار الاشتراكي وشراذم القومجيين؟ لماذا انقلب كثير من مفكري اليساريين من يوتوبيا تروتسكي ولينين إلى فنتازية قطب والمودودي؟

هل هي صدفة؟

كلا، بل لأن كثيرا من اليساريين فسروا عداء قطب للغرب على أنه عداء للرأسمالية ولذلك دعموا الإسلاميين، ووقف يساريو فرنسا مع ثورة الخميني ظنا منهم أن القوم حلفاء ضد العولمة، أو لأنهم ضد النظام الأمريكي، ولذلك لا تؤتي تلك الحوارات الإسلاموية التقاربية أكلها لأن كل طرف يحاول أن يداري عورته أمام الأخر ويفضل أن يبقي عورته مستورة عن أعين الفرقاء حتى يحين زمن الفوضى لتبرز الخلافات الجذرية إلى العلن بروزها في ليبيا ومصر وسوريا، فغاية الحركات الإسلاموية وغاية معارضتها للأنظمة هو إقامة دولة الشريعة وفق نظام إسلاموي تطهيري، دون هذا المطلب لا تكون حركة إسلاموية ولا معنى من وجودها، فهو شرط لازم conditio sine qua non أما العملية الديموقراطية والصناديق والحوار المجتمعي فهي وسيلة ليس إلا.

الإسلامويون يتحدثون عن الأمة، لا يقصدون بها الأمة المغربية أو الشعوب المسلمة  التي تعيش في دولها السيادية(دولة-أمة)nation-state  وتجمعها رابطة وطنية خاصة بها ووشيجة إيمانية عامة مع غيرها، لا أمة إيديولوجيا سياسية إسلاموية، في الإسلام كل إنسان يصبح من الأمة المؤمنة إذا دخل الإسلام وعمل بأركانه الخمسة، في الأيديولوجيا الإسلاموية يتألون على الله فلا يدخلون في دينه إلا من آمن كذلك بالحاكمية ودخل في الحصيص المنادي بدولة الشريعة وإقامة النظام الإسلاموي والجهاد العالمي، بمعنى لا يكون الإنسان مسلما إلا اذا كان حيوانا سياسيا homo politicus معاديا للمجتمع الذي يعيش فيه ومنقطعا إلى المجتمع الحركي الموازي الذي يعمل على تقويض المجتمع التعددي لإقامة المجتمع الشمولي.

يريدون الأمة الإسلاموية العنصرية الأحادية التي تتقاطع مع النيونازيين في فكرة العرق السامي والشعب المختار؛ رديف كلمة volk  عند الألمان، وتنظر إلى الأجناس الأخرى سواء أجناسا عرقية أو فكرية على أنها مخلوقات حيوانية ناقصة ينبغي أن تستأصل من الوجود بوسائل العنف والإبادة الجماعية بمن فيهم المسلمون ليبراليون أو يساريون أو لا منتمون؛ الذين لا يشاركونهم هذه النظرة المتطرفة للحياة، حتى يستصفى المجتمع والجنس الإسلاموي الطهراني من أية مكدرات أو عناصر هجينة، إنهم يرون كرة أرضية إسلاموية ليس فيها مكانا للآخر أو حيزا للتعددية، وتلك طبيعة نظامهم الإسلاموي القطبي الشمولي. 

الإسلامويون هم من نحت مصطلح الإسلاموفوبيا لحماية بيضتهم من النقد وتشويه من يكشف طبائع الاستبداد المدفونة في نفوسهم، الغرب أيضا وأجنحته اليمينية وقعت في فخ الاستقطاب وتبادلية العداء بين الغرب والإسلام، تلك العداوة التي نظر لها على مكث سيد قطب في كتبه، كما أن التيارات التي نشأت في الغرب الأكاديمي تحت مسمى ما بعد الحداثة والنسبية الثقافية cultural relativism واللباقة السياسية politically correct ، والتنوع الحداثي بمعنى وجود أكثر من نوع للحداثة، جعلت بعض السذج وقليلي الإطلاع على أدبيات الإسلاموية ومتونها الرئيسيّة؛ يدخلون الإسلامويين في زمرة الآخر الذي ينبغي قبوله من باب التعدد، غير مدركين أن الإسلاموية عقيدة شمولية إطلاقية لا تختلف في أصولها الفكرية عن النازية والشيوعية، وأنهم لا يشاركون بقية الإنسانية القيم المتفق عليها في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأنهم إذا حكموا ستكون مجازر مروعة ومسالخ لم تَر البشرية لها نظيرا إلا في معتقلات النازيين.

الإسلامويون لا يعترفون بنبوة وتعاليم محمد (ص) السمحة إلا صوريا ورمزيا، لأن خطابه النبوي بسيط سهل وفطري، يفهمه البدوي الأمي كما الحضري الذي أحرز أرقى الشهادات، وهو خطاب لا يشبع نهمهم إلى المنظرين والمقعرين، وتطبع أدبياتهم الانتقائية وتصيد النصوص “الاستراتيجية” والغامضة أو المتشابهة التي يستخدمونها لإسباغ الشرعية والأصالة على مشروعهم، لكن النبوة الحقيقية نبوة الاقتداء والاتباع الفكري والسياسي تتمثل في سيد قطب؛ الروح الهادية لهذا التيارrector spiritus، والروائي الأيديولوجي الذي تشكل رؤيته الإرهابية للدين والحياة بنية تصورهم للعالم ثنائي العنصرين ومثنوي القطبين (فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر).

الحزب والجماعة ولعبة الأجنحة

إنهم في الحقيقة كملوك الطوائف، دول أو دويلات أفقية تحت السطح، تعمل بأساليب وآليات عصرية يطبعها الانتهازية والمخاتلة وتمَرّس على استخدام الأقنعة وازدواجية الخطاب وتحسس العتبات قبل ولوجها، فالأجنحة الدعوية التي هي المغناطيس الجاذب للحطب البشري، لها خطاب راديكالي، والأجنحة السياسية التي تعد واجهة التيار اللامعة والأنيقة؛ تلجأ إلى خطاب أكثر أريحية و”علمانية”(فصل اللغة الوعظية عن اللغة السياسية كتكتيك).

نلاحظ أن الجناح السياسي لحزب العدالة والتنمية يسيطر على الحركة(التوحيد والإصلاح) كما أن الدائرة السياسية للعدل والإحسان- نشأت عام 1998 عام في اجتماع مراكش بعد أن دخل حزب العدالة والتنمية في العملية السياسية- مستقلة نسبيا عن الجناح الدعوي(فقس بيضه الأول في بداية الثمانينات). 

وكلا الجناحين أو الدائرتين الدعويتين، تعبدان الطريق وتوفران الغطاء الشرعي للدوائر السياسية التي قد تبدو أعمالها وأقوالها للحصيص  أحيانا ولضرورة استراتيجية على تضاد مع الخطاب الأيديولوجي، نذكر في هذا الصدد أن حزب العدالة والتنمية يستفيد من الحركة باعتبارها كيانا منفصلا عن الحركة؛ فيخاطب من خلالها قاعدته المحافظة والأشد أصولية بلسان يعبر عن حقيقة مواقفه القطبية دون الوقوع تحت طائلة الانتقاد والمحاسبة من المؤسسة الملكية أولا ثم الأحزاب الليبرالية واليسارية ومنظمات المجتمع المدني، ويسمح بمقالات تدغدغ المتشددين والحصيص العقائدي من خلال منبر جريدة التجديد وخرجات “الفقيه” الحركي أحمد الريسوني.

في الوقت الذي استولى فيه الجيش في مصر على السلطة وعزل محمد مرسي، كان رد فعل وزير الخارجية حينئذ سعد الدين العثماني فاترا، ورغم أن حزب العدالة والتنمية تابع حركيا وأيديولوجيا لمكتب إرشاد حركة الإخوان في مصر بقوة البيعة المسكوت عنها لمحمد بديع، فإن سعدا لم يتجاوز في انتقاد ما أقدم عليه الجيش في مصر، بل إن الرجل دعى المصريين إلى وحدة وطنية، بينما كبار مسؤولي حركة التوحيد والإصلاح كانت لهم تصريحات أكثر عدوانية وحدة تجاه النظام المصري.

الرسالة بالطبع كانت واضحة إلى الحصيص العام من الأعضاء والأتباع والمناصرين؛ التصريحات الصادرة عن الحركة هو صحيح اعتقاد الحزب، والتصريحات الصادرة عن الحزب هو ما نحن مضطرون لقوله.

جماعة العدل والإحسان تكرس هي الأخرى نفس الخطاب الازدواجي، فعندما يدعو أمينها العام العبادي لدولة الخلافة وقطع رؤوس من يرفضونها وتكفيرهم، تقوم الدائرة السياسية بالدعوة إلى الحوار وعقد ندوات بين الفرقاء من دعاة الدولة المدنية، وفِي الوقت الذي تأتي فيه بمعارضين من كهنة اليسار البلاشفة وحقوقيين متحذلقين ليلقون عليها خطاب معاتبة وعظات ديموقراطية خجولة في النقد الموجه للجماعة وفكر مرشدها في ذكراه الخامسة- تنحَطُّ بالحضرة الملكوتية من مقام النبوة والتأليه إلى حضيض “الرجل العادي”- تقوم الجماعة في اليوم التالي بتخصيص يوم يمحو تشويش اليوم الذي سبقه، ويعيد للإمام صورته الإلاهية، وقدسيته الهتلرية في مخيال الحصيص، وتجلب المداحين والنائحين والممجدين.

نلاحظ أن هذه الجماعات الإسلاموية الأمية لطبيعتها المضطربة ونفسيتها المشوشة وغرائزها الحادة وعقليتها التسطيحية تقاد عادة بالطغاة الذين يكونون بالطبيعة أو بالخبرة والتجربة والدراسة على بينة من حقيقة الجماعات وعلى وعي فائق بطرق التلقين والتشريب العقائدي indoctrinationوخبرة بوسائل الدعاية وغسل الأدمغة، فيعملون على التهييج والاثارة، والتلاعب بالكلمات والمفاهيم، واستغلال الذكريات الجماعية تراثية وغير تراثية، ونشر الأوهام والأحلام ورفع الشعارات الرومنطيقية، واعتماد التخييل اليوتوبي دون أن يقدموا بين يدي دعوتهم أي برامج مفصلة أو دراسات محكمة أو نظم محددة. 

كما أن هذا الطاغية شيخا حركيا كان أو منظرا فكريا يتهم الآخرين بالخطأ والخطيئة ويعنفهم بأشد الألفاظ ويعقرهم بأنياب التكفير والتخوين، يهدم ويدمر ويتهم من يبني بالتشكيك والعمالة والتغريب، ويزعم لأتباعه بأن أعداء أسلوبه الخاطئ وفكره المتطرف ومسلماته التي لم يخضعها للنقد؛ هم أعداء الدين وخصوم الله والملائكة، تلك نفسية طغاة قادة الديانة الإسلاموية، فهم يرون في أنفسهم ناطقين بلسان الوحي متحكمين في مراد الله، متصرفين في منطق الدين، أوصياء على عقول الناس ووكلاء الله في تفسير النصوص وتأويلها، وبذلك يصبح هواهم الخاص من هوى الدين ومصالحهم الشخصية من أهداف الدين، ومن ثم يكون المناهض لطغيانهم مناهضا للدين، والكاشف لزيف منازعهم من الزنادقة والملحدين. 

ومن هذا المنظور لا نستغرب الكلمة التي ألقاها أستاذ من الجزائر(أحمد العيساوي) في الذكرى الخامسة لوفاة ياسين تكاد تؤله الرجل أو تلك التي ألقاها أبوزيد الإدريسي وغيره تعيد إلى المخيلة الإله أطلس وهو يحمل قبة السماء أو كرة الأرض على عاتقه، وما هي إلا قرص الجماعة الأصفر الشاحب، ولا نستغرب عندما يحدثنا بعض من كان في الجماعة وتاب الله عليه من أفيون القومة؛ يقول إن بعض المريدين كان يترامى على بصقة الشيخ المربي ونخاعته ليغسل بها وجهه ويتبارك بها، بل إن بعض زعماء هذه التيارات زعم لأتباعه أنه على اتصال بالوحي يقظة وأحلاما وأنه بعد أن تنتصر الدعوة الاسلاموية على المجتمعات “الجاهلية” ستتنزل عليه سُوَر قرآنية “تسمع دمدمة الآيات في الجهاد ومن ورائها فرقعة السلاح” .

ويسلك الفريقان الحزب والجماعة، مسلكا متشابها في التجنيد وحصد الحصيص من الشارع المغربي الذي تُرِك همَلاً كرؤوس ماشية لهؤلاء الكَسَبة المخربين -في غياب تام للأحزاب المدنية ومجتمع مدني تخلى عن دوره في التنوير وتفرغ لأدوار ثانوية- فالعدالة والتنمية تعتمد على الحركة(التوحيد والإصلاح) للتعبئة وتسمين قاعدتها البشرية، الحركة تتكفل بالحشد الجماهيري والتشريب العقائدي لدعم الحزب وتجنيد الشباب، ويعتمد هيكلها التنظيمي على نظام الأسرة المأخوذ من تنظيم الإخوان في مصر، حيث “يترقى” الأفراد حسب عدد الأشخاص الذين تمكن من ضمهم للحركة، ونلاحظ تطورا لهذا النظام الداخلي الذي أصبح من مهامه صناعة قادة جدد للحزب وتنمية مهاراتهم في الخطابة وفنون الإلقاء واللغو السياسي، وكلما كان العضو نشيطا في الحركة ظفر بمكانة متقدمة في الحزب.

 نلاحظ في هذا الصدد أن الحركة الإسلاموية هي حركة نصف حداثويةsemi modernist كما سماها العالم السياسي وخبير الإسلامولوجيا بسام طيبي، لأنها تقسم الحداثة إلى قسمين؛ فتتبنى الأدوات التكنلوجية والعلمية مثل الجهاد الالكتروني e-jihad، وتنبذ القيم الثقافية والحضارية للعصر، فهي مزيج من التنظيم السياسي العصري وفقه القرون الوسطى.

نفس العلاقة بين البيجيدي والحركة، هي علاقة الدائرة السياسية للجماعة الياسينية بالدائرة التبشيرية، نظام الأسرة والتجنيد نفسه، فهم يتصيدون الطرائد في المساجد والطرقات، في الأسواق الشعبية و وسائل المواصلات، على الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي…هذه الثنائية تسمح للجماعة بضم ما أمكن ضمه إليها من الشخصيات والحساسيات المختلفة، أولئك الذين تستميلهم كتابات ياسين الصوفية وتجلياته الوجودية، وأولئك الذين يجدون في “هوليوديات” الجماعة و موقفها من السلطة سحرا إغريقيا.

بعض التقارير الدولية تشير إلى إن الجماعة في طور إجراء تحولات تنظيمية للرفع من أدائها وفاعليتها، وهذه التحولات ستخضع لمنطق تجاري اقتصادي في بنيتها وتمددها وهندستها ،نموذج العمل التجاري business model، (وليس على نمط الجماعات الإسلاموية التقليدية)، نلاحظ أيضا تزايدا ملحوظا لأنشطة الجماعة في الداخل والخارج، تسربات تدريجية عبر منافذ إعلامية، تزايد أسفار الأعضاء إلى الخارج، ولقاءات متعدد مع سفارات أجنبية.

الحركات الإسلاموية تزدهر وتنتعش كإيديولوجيا معارضة للنظام، لكنهم عندما يصلون إلى سدة الحكم لا يقدمون البرهان على فشلهم في الوفاء بوعودهم فحسب، ولكنهم يجنحون إلى العنف وقمع المعارضين، ولعل نماذج مثل إيران وحكم الإخوان في مصر و حزب العدالة والتنمية التركي وحكم البشير في السودان وطالبان في أفغانستان كلهم مارسوا نفس الأساليب الشمولية وهم في السلطة.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, طه لمخير and tagged . Bookmark the permalink.