(صالح صلاح (2

لميس فايد  

بعد أن أفرغ صالح صلاح ما في جوفه على أوراقه ولعن فشل الأطباء والطب في مصر، دخلت أحدى سكيرتراته إلى المكتب مسرعة وسألته أن كان عليها طلب الطبيب له، صرخ فيها وسبها وأمرها بالخروج وأن لا تفتح فمها بكلمة مما رأته، كل ما في الأمر أنه تناول طعاما ملوثاُ. عليه ان يذهب لبيته سريعا وتبديل ملابسه فاليوم عليه تناول عشائه مع ” أبو كوم” رجل اعمال وصديق، بل وأكثر من ذلك. لم يكن سر والدة صلاح واصله هو السر الوحيد في حياته ولكن كان هناك شرخ أكبر يحاول مداراته طول الوقت، أن صالح لا يميل للنساء في قرارة نفسه، ولا يشعر بأمان في وجوده بجانب إمرأة مهما كانت جميلة أو ثرية أو حتى صاحبة سلطة، كان يرى أن صحبة المرأة مملة، وغير مفيدة وتضييع وقت في هراء لا طائل منه.

أحيانا ما كانت تتراءى مشاهد باهتة في ذاكرته أيام عمله في السيرك عن عم فرج طبّاخ السيرك و”مشهلاتي” الأمور الإدارية المعقدة للسيرك في المصالح الحكومية بطرق لا يعلمها إلا الله، غير متزوجا وحيداً كالذئب، كان بالغ العطف على صالح ويغدق عليه الحلويات أثناء طفولته، وأخبره أنه ولده الذي لم ينجبه، مما شجعه الميبت مع عم فرج في غرفته الضيقة والنوم بجانبه، وكانت تلك اولى لقاءته بعالم الرجال. هل يكره اليوم عم فرج ويحقد عليه ؟ كلا، وياللعجب يتذكره بحنين ولا يشعر بغضب مما كان يفعله معه، كان حنوناً وطيباً. كتم سره معه إلى أن اطلع على الأدب العربي وكان بالحق صالح قارئ جيد له وأدرك أن ماحدث مه ليس بالضخامة التي كان يتصورها وأن العلاقات بين الرجال كانت موجودة طوال التاريخ الإسلامي حفظ كثير من الأبيات التي يتغزل فيها الشعراء بالغلمان خصوصا الأمرد منهم ( من لم تنبت لحيتهم بعد)، وررد في نفسه بيت أبو نواس (756-814 ه)  حين امتدح أبو نوّاس “اللواط” إلى حد أنه أنشد لأبي عبيدة النحوي وهو محب آخر للغلمان: “صلى الله على لوط وشيعته/ أبا عبيدة قل بالله: آمينا/ لأنت عندي بلا شك زعيمهم/ منذ احتلمت ومذ جاوزت ستينا”. ظلت تتراءى له ذكرياته الخاصة طيلة الطريق وهو يقود سيارته حتى منزله، لم يكن فقط تفضيل صحبة الرجال على النساء لديه هو سبب أزمته ، علها أيضا طبيعة حياته الخشنة هي من تسببت في مقت طراوة السيدات، كان الرجل بالنسبة له صديق وأمين سر يشعر بالإطمئنان بينهم، بينما تثير المرأة قلقه لارغبته، لا حيلة له بذلك، القلب وما يريد!

دخل صالح إلى منزله في الحي الراقي وفتح شقته الهادئة، حي ثكان يسكن وحده لم يكن قرار الزواج سهلاً بالنسبة إليه، عليه أن يقوم به في مجتمع لا يرحم ويبدأ القاء التهم والشكوك حول من يبقى عازب قترة رغم تيسر حالته المادية وهو أصبح نجم مجتمع بحق، عليه أن يحقق الشكل الإجتماعي المثالي لأب أسرة وزوج ناجح، وصاحب عمل محبوب يعامل الصحفيين كأولاده. تذكر “عائشة” الفرنسية ذات الأصول المغربية التي التقى بها في احد فنادق البحر الأحمر الفاخرة في أحد الفعاليات التي لا تنتهي لتنشيط السياحة-التي لا تنشط ابداً. التقى بها في بهو الفندق ليلاً وكانت تجلس وحدها مرتدية فستان ستان وبيدها كأس نبيذ أبيض وسيجار، تبادلا الإبتسامة واكتفى خالد بذلك حتى كلمته بالعربية، تشجع وأكمل حديثه معها، أذهلته عائشة بتحررها وذكائها والقاء النكات الفاجرة على الجميع على الفرنسين والعرب والسياسيين في كل بلاد العالم، كان عائشة من الصعب جدا أن يمتلكها أحد، لكنه شعر معها بتجربة مثيرة عزم على اتمامها، خصوصا أن عائشة ستعود إلى باريس خلال أسبوع.. لتكن عائشة أول إمرأة تجمعه بها فراش واحد، كان تحررها الزائد سبب أمانه أن اكتشفت أو أحست شيئا. 

الغى مواعيده لأسبوع إلى أن يتم مراده، بالفعل في الليلة الثالثة أخبرته عائشة أنها تنتظره في غرفتها الواحدة ليلاً. تأهب صالح للقاء كما يتأهب اليوم للقاء صديقه “أبو كوم” اعتنى بجسده جيدا ونظافته ووضع عطورا شرقية باهظة الثمن، وحاول أن يشحن نفسه لإنجاح لقائه بعائشة تسبب هذا الموقف له في بلبلة خطيرة ما ذا يريد هو حقا؟ (ملحوظة: حسب تقارير طبية ألمانية يوجد 700 نوع من المثلية الجنسية تتنوع وتختلف من حالة لآخرى بدئا بالإعجاب انتهاء باقامة علاقة كاملة، بعض المسلمين في الغرب تيمنا بنقاش الفقهاء أقروا ان القرآن ذمّ اللواط لكنه لم يحرمه تحريما باتاً، ويذكر أن الإمام الجليل جلال الدين السيوطي صاحب تفسير الجلالين حاول معالجة شباب عصره بالأدب فشرع في كتابة مقامات يمكن اعتابرها من أدب الإيروسي (الإباحي) اليوم ليحبب الرجال في النساء)

توجه لغرفة عائشة وفتحت له وقد ذهل عند دخول غرفتها ، قد حولت الغرفة ليلة من ألف ليلة، ملئتها شموع وبخور وأحضرت طعاما لا بأس به ونبيذ ومكسرات وارتدت ردائها المغربي الأسود اللون، قالت له “عيش وملح” ابتسم وبدأ في الأكل، كانت عائشة تنظر له باهتمام حتى شعر أن نظراتها تخترق روحه، وبعد أن انتهيا من الطعام وحان وقت الجد، نظرت له عائشة نظرة طويلة مشفقة، وأخبرته ان عليها أن تنام الآن فطائرتها غدا لباريس”! صعق صالح ألأح فيها السؤال ما الأمر؟ اقتربت عائشة وجلست بجانبه حتى صار كتفها ملاصقا لكتفه وتناولت يده واخبرته مبتسمة ” أنه في حال عدم رؤيتنا لبعض مرة أخرى، سألقي عليك قولاً ثقيلاً انت لا تميل للنساء ياصالح ! فتح صالح فاه ورجع بظهره للوراء متسائلاً ! أضافت عائشة إنها تعلم الشيء الكثير عن  الرجال وتأملته في تناول طعامه ونظراته للرجال في الفندق والشاطيء، أن الله عليماً بذات الصدور، هذا أمربينك وبينه وأنه لايمكن أن تقبل بنصف رجل معها، وتعلم صعوبة حياته في مجتمع شرقي، ربما لو تركت مصر لكانت لك فرصة أفضل” لملم صالح ملابسه وحذاءه وخرج من غرفة عائشة لا يرى شيئا ودخل المصعد ونظر إلى نفسه في المرآة ليجد دموع غزيرة تغطي وجهه. تذكر صالح هذا المصعد وهو الآن يصعد لأبي كوم صديقه الذي وعده اليوم بأكل سوشي وموسيقى اندلسية اقتناها أثناء سفره الأخيروجلب له هدية فاخرة، كل هذا احتشد في رأسه وهو يضع يده على جرس جناح أبو كوم في البناية الشاهقة بوسط القاهرة..

لميس فايد-المانيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in لميس فايد and tagged . Bookmark the permalink.