المبتورين القديسين.. قصة مدينتي

هناء السعيد 

أؤمن أن التشكك هو مكنسة الأفكار من اسطورتها 

والعقل السليم ماهو إلا علامة استفهام كبيرة في وجه كل شيء..

في مكان ما علي سطح أوهامنا التي اعتدنا “تقديسها” وقف خيال ( جبران خليل جبران) في رائعته ” المجنون” علي أرض مدينة قيل عنها أنها مباركة !!

تلك المدينة تحكم بالكتاب، وتزعم أنها مهد الفضيلة

لكن سكانها حالهم غريب !!

كلهم اصحاب أطراف مبتورة و أعين مقلوعة

تري ماذا حل بهم، ومن المجرم الذي فعل البشاعة فيهم؟؟ 

و الأكثر غرابة أن القوم لم يشتكوا من جرم ولا من مجرم !!

بل علي العكس كانوا فرحين راضين مستبشرين بمدينتهم المباركة التي دفعوا ثمن شرفها من جسدهم، فكملوا شرفها بنقصهم.

في المدينة مكان ” للذبح” به بقاياهم وأشلاءهم وكان مكتوب علي بابه :

(( إذا كانت عينك اليمني تشكك فاقلعها وألقها عنك، فخير لك أن يهلك أحد اعضاءك ولا يلقي جسدك كله في جهنم.

وطبعا سيفعل نفس الشيء في باقي اعضاءه إن شك أحدها !!

في المدينة ” المبتورين” أصبحوا “قديسين.

لا أحد فيها يحتفظ بأعضاءه إلا من هم دون البلوغ ولم يقرأوا الكتاب ولا علموا بتعاليمه..أو تخاريفه.

ما أشبه مدينة “جبران” المباركة بمدننا !! 

فكل سكان مدينتي مدعي فضائل، وحراس قيم، وملائكة دون جناحات..

نعم أبقوا علي أعضاءهم، لكنهم أجرموا لما اجمعوا  ان العقل عضو زائد عن الحاجة ومضر بالصحة فبتروا عقلهم حتي لايهلكوا في جهنم !! 

فالحقيقة هي ” جهنم” مدينتي، وأهلها هم الحطب المجنون المارق الزنديق

حرمت مدينتي السؤال، وجرمت الفهم، وحاصرت العقل المختلف بالقيد والمانع والعيب والحرام،

وبنوا أسوار أمامه لتقربهم إلي الأمان زلفي دنيا وآخرة.

العقل في مدينتي أبو الشرور وأمها وأخيها..

قالوا بترناه رضا للإله، وأي إله يرضي بالبله وبالتقليد وبالغباء؟؟!! 

في تلك المدينة كامل البدن هو غير البالغ، وكذلك في مدينتي من احتفظ بعقله ولم يستأصله عاملوه كطفل يلزمهم الوصاية عليه حتي يبلغ مثلهم و يقطع علاقته مع عقله.

نحن لانختلف عن مدينة جبران وسكانها، فالفكر في كلتا المدينتين طريق السعير وبئس المصير

لدينا “مذبحنا” المعنوي وأحياناً المادي للمتهم بملكية عقل.

لعنة الفكر في المدينتين واحدة، وعاهتنا أننا نري ذواتنا قديسة بعد التخلص من أكثر جزء متعب فينا.. العقل 

مدينتي المباركة،،، سنظل أطفال مهما فعلتي فينا اعدكِ بذك..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in هناء السعيد and tagged , . Bookmark the permalink.