!الخرافات والأكاذيب

رعد الحافظ   

[أنبل مُهمّة للنقد العِلمي هي تحطيم الخرافات والأكاذيب والمُعتقدات الخاطئة]!

لودفيج فون ميزس / مفكر وفيلسوف وإقتصادي ليبرالي نمساوي

مقدمة:

في فيلم أمريكي هوليودي رائع اُنتج عام 2009 عنوانه (إختراع الكذب),

أو The Invention of Lying،يقدّم منتجه ومخرجه ومؤلفه والبطل الرئيس في الفيلم (ريكي جيرفس عمره الآن 57 عام)  للمُشاهد مُتعة وكوميديا حقيقيّة وفائدة إجتماعيّة واقعيّة من جهة،لكن أيضاً خياليّة رومانسيّة في كثير من المعاني والمشاهد واللقطات.أنا مازلتُ مندهشاً (رغم مشاهدتي للفيلم بضعة مرّات) من قدرة هذا الفنان (الإنكليزي) الشامل.الذي هو أيضاً موسيقي ومقدّم إذاعي سابق وكاتب أعمال فنيّة كبيرة وعديدة وحائز لأنواع الجوائز الفنيّة منها على سبيل المثال:سبع جوائز اُوسكار سينمائي بريطاني (Bafta awards),

خمس جوائز كوميديا  (British Comedy Awards)

ثلاث جوائز جولدن جلوب  (Golden Globe Awards)

جائزتي إيمي  (Emmy Awards)

جائزة  روز الذهبية  2006.ناهيك عن الترشيحات العديدة!

فكرة  وأحداث هذا الفيلم البديع تدور في مُجتمع لايكذب!

الناس تقول كلّ شيء كما هو دون تجميل أو تزويق أو أدنى مُجاملة مزيفة!

الأطباء يُخبرون مرضاهم أن لا أملَ لهم في النجاة وسوف يغادرون الحياة قريباً.

الموظفون يخبرون زملائهم (كما حصل لبطل الفيلم مارك بيلسون /الذي يؤديه ريكي جيرفس نفسه) أنّهم فاشلين منبوذين ثقيلي الدم… وهكذا!

الجميع يكون قد فهم أنّ الأديان هي مُجرد خرافات من صنع الخيال البشري ذاته!

لا حياة أخرى لا أرواح لا حساب لا عذاب ولا هُم يحزنون!

الموت يعني العدم فحسب (كما قبل أن نولد)،لا أكثر ولا أقلّ!

عندما يتعرض (مارك) للطرد من عملهِ  في إحدى المؤسسات ككاتب لأحداث التأريخ في القرن الـ 14،ثمّ ُيُطالبه مالك السكن بمغادرته لتأخرّه في دفع الإيجار.

فجأةً تخطر  بباله فكرة الكذب على الناس لتمشيّة أموره،مبتدئاً بسحب مبلغ من البنك يفوق رصيده.فالموظفة تصدق مايقوله هو،بدل تصديق الكومبيوتر!

المُفاجأة والسخرية والضحك والكوميديا الفظيعة تحدث في الفيلم،عندما يتهافت الناس على هذا الرجل الذي كان منبوذاً فاشلاً بالأمس ليسألوه عن مستقبلهم ومصيرهم،وكذلك عن صفات ومطالب (القدير) منهم!

يحدث ذلك لأنّ أحدهم كان قد سمعه يقول لوالدته قبل وفاتها،لا تبتأسي يا اُمّي لقربِ رحيلك،فهناك حياة أخرى ستنعمين فيها بالراحة مع مَن أحببتهم في الدنيا!

بالطبع تنهال عليه الملايين والمناصب وتصبح كلّ كلمة منه بمثابة خبر أو أمر من السماء،من القدير الذي لايتحدّث الى غير هذا الرجل (المُختار أو المُرسَل)!

من هنا جاء عنوان الفيلم (إختراع الكذب) في مجتمع لا يعرفه!

الفيلم مُحاكاة رائعة وقريبة جداً لما يحدث في الحياة من جدل بين العِلم والدين!

***

الكذب: 

مارسَ الإنسانُ الكذبَ وإستخدم الأكاذيب في حياتهِ منذ الأزل!

حيناً كوسيلة للنفاق لإتقاء شرور الطغاة أو المنافسين والخصوم (كما يفعل العوام)!

وحيناً كطريقة للخداع لأجل كسبٍ أكبر بجهدٍ أقلّ (كما يفعل معظم رجال الدين)!

وحيناً للظهور والشهرة والوصول للسلطة وتعزيزها،كما يحدث لدى بعض الساسة والقادة والإعلاميين،(نذكر هنا كذب غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر النازي الذي كان يقول بفخر:إكذب حتى يُصدّقكَ الناس)!

ورغم أنّ غالبيّة البشر يصفون الكذب والكذّاب بأبشع وأقذع الأوصاف، إلّا أنّ الواقع يخبرنا حتى الأطفال يلجأؤون للكذب أحياناً للتخلّص من التوبيخ أو العقاب بعد سلوكٍ سيّء أو تقصير في الدراسة،أو حتى كتقليد لأحد الوالدين!

من خلال تجاربي في الحياة عرفتُ أنّ لا علاج للكذب أفضل من الديمقراطيّة والعدالة والمساواة والمحبّة وتوّفر وسائل الحياة والرفاهيّة،وتقليل العقاب الى أدنى الحدود كما يفعلون في الغرب (الكافر).بحيث لا يخطر على بال الناس كثيراً اللجوء للكذب كونهم غير مُضطرين له أصلاً!

(لكنّي بالطبع  لا أشمل القتلة والسفلة والمجرمين بهذا الكلام عن غياب العقاب)!

إنّما هناك مجموعة من البشر يتخذون من الكذبِ وسيلة للحياة والمعيشة بأدّق التفاصيل.هؤلاء هم رجال الدين أولاً،وبعض الساسة والإعلاميين ثانياً!

***

الخرافات:

كلّ قول أو فكرة أو إعتقاد يقوم على سبب غير علمي أو منطقي أو معرفي أو مادي تجريبي فهو خرافة!

لقد تداخلت الأكاذيب والخرافات مع فلكلور الشعوب فأنتجت الأديان!

الى يومنا هذا لم يقم دليل علمي مادي واحد على وجود القوى الماورائيّة الخارقة!

مع ذلك نعلم أنّ الملايين بل المليارات من البشر يؤمنون بوجودها!

هم يعلمون أنّ إيمانهم هذا حدث نتيجة التلقين المستمر منذُ الطفولة المُبكرة  وليس بالنظرية والبرهان.لكن لو جادلتهم في ذلك سيجيبون:كيف يُعقل أنّ كلّ تلك المليارات على خطأ،وأنتَ على صواب؟

فيما مضى من التأريخ البشري كان العِلمُ يُعامل بشكٍّ وريبة وإزدراء لصالح الماورائيّات والأكاذيب والخرافات!

كان الفلاسفة والعُلماء يتعرّضون لشتى المخاطر بما فيها التهديد بالموت إذا هُم لم يتراجعوا عن أفكارهم (الهدّامة)!

حصل ذلك مع أشهر الفلاسفة (سقراط) عندما اُجبِر على تناول السُمّ.ومع عالم الفلك (غاليلو) الذي تراجع عن أفكاره أمام الكنيسة ليكسبَ حياته!

ناهيك عن عشرات العرب والمسلمين الذين وصموا بالإلحاد والزندقة بدل (العِلم والفلسفة)، حتى قيل (مَنْ تفلسف فقد تزندق)،أمثال الرازي وإبن رُشد وبشّار بن برد وإبن المقفّع وإبن الراوندي والجاحظ وغيرهم كثير!

لكن تدريجيّاً بدأ العِلم والعُلماء يكسبون مايستحقون من إحترامٍ وتقدير عندما بدأت جهودهم وأبحاثهم تؤتي منافعها للناس وتغيّر حياتهم وتزيد من رفاهيتهم!

كما حدث مع إختراع فليمنك (البنسلين)،الذي أنقذ الملايين!

في ذاتِ الوقت بدأ تراجع دور ومكانة  وقيمة رجال الدين،كونهم لايقدّمون للناس سوى الخرافة والكذبَ والهراء والخِداع والتحريض على الكراهيّة!

بحيث وصلَ الأمر عند نيتشه حدّه ليُعلِن فكرته:

(لا أريدُ أنْ أكونَ قديساً بل اُفضّل أنْ أكون مُهرجاً،ولعلّني بالفعل إضحوكة)!

***

الأكاذيب والخرافات تتصارع فيما بينها!

هل هي مجرد مُصادفة أنّ جميع رجال الدين من كلّ الأديان،يعتبرون أنفسهم لوحدهم،أنّهم الصالحين العَادلين المؤمنين بالعقيدة الحقّ؟

بينما الآخرين كفرة فجرة،أو ضاليّن واهمين بأفضل الأحوال!

ثم لماذا رجال الدين دون سواهم يفهمون قصد الإله ومراميه،حتى في حالة حديثهم عن قوانين وظواهر الطبيعة كالأعاصير والزلازل (التي تحتاج عِلم حقيقي لتوقعها وتفسيرها،ثم تجنّب أضرارها مستقبلاً)،بينما يفسرّها المشايخ على أنّها غضب الله على عباده الخُطاة،وأنّ الأبرياء الذين تصيبهم الكوارث هم ضمن الخسائر المقبولة للربّ الرؤوف الرحيم!

في العلوم الحقيقيّة تسري القوانين والنظريات على جميع الحالات لتصبح مقبولة ومعترف بها.بينما في الأديان كلٌ يُغنّي على ليلاه ليعلن انّهُ الحقّ المُبين!

من ناحية اُخرى،صحيح أنّ عموم البشر يبحثون عن التعلّم والفَهم والإدراك وفكّ الألغازِ والأسرارِ المُبهمة في هذا الكون،إنّما الكثير منهم يتجنب التفكير الشاق والدخول في متاهة المُعادلات المُعقّدة والإحصائيّات وتجارب المختبرات الدقيقة!

نعم قد يبدو الأمر متناقض،لكن مَنْ قال أنّ حياتنا خالية من التناقضات؟

في الواقع نحنُ كبشر عاديين لا نستطيع القيام بجميع التجارب العِلميّة بأنفسنا لنرى إنْ كانت كلّ معلومة مذكورة صحيحة أم مُزوّرة!

إنّما لو سرنا في الطريق العِلمي،فسوف نفهم تلقائياً أنّ ثقتنا بالعِلم والعُلماء لها ما يُبرّرها,حسب ما نعرفهُ عن طرقهم وإصرارهم على كشف أيّ خطأ بأنفسهم،مهما كان بسيطاً.ليبقى السبب الأهمّ في ظنّي لثقتنا بطريق العِلم وليس طريق الدين

هو أنّ الأوّل لايقول بالمُطلق ولا يرفض إعلان نتائجه ونقاشها ودحضها مراراً وتكراراً،بل سيكون شاكراً على ذلك!

بنما الطريق الثاني يرفض كلّ ذلك جملةً وتفصيلا.يقول أنا الحقّ المُبين فإتبعني!

***

أيّهما أكثر جذباً الأديان أم العِلوم؟

يقول عالم الفيزياء الأمريكي (روبرت لي پارك) في كتابه العظيم (الخرافة):

[نادراً ما تكون الحقيقة العِلميّة جذّابة كالخيال المَحكي جيّداً]!

يقصد أنّ عامة الناس تميل لتصديق فكرة خياليّة ماورائية،لكن مرتّبة بطريقة مُقنعة مُفزعة مثلاً،أو مُحذّرة من نتائج خطيرة،أو مُشجعة عليها،أكثر بكثير ممّا تميل لقراءة بحث علمي عن الذرّات المتشابهة لجميع الأشياء في هذا الكون،أو بحوث علميّة تثبت عدم جدوى الأدوية الزائفة والصلاة وما شابه.

لذلك معظمنا (مهما تقدّم في الطريقة العلميّة) يبقى يحّن لذكريات الطفولة وحكايات جدتي،أو للكتب التراثية الصفراء التي تتغنى بإنتصارات قوميّة دينية دونكيشوتيّة على أعداء الدُنيا والدين! 

ذلك لأنّ الإنسان عموماً يحتاج لتخيّل وجود قوة خفيّة خارقة (وإنْ وهميّة) تكون طوع يديه وهواه تساعده في تحقيق أحلام اليقظة وتنصرهُ على مصاعب الحياة.

إنّما الحياة الواقعيّة لا تستقيم مع خداع النفس!

***

الخلاصة!

عندما أشاهد القنوات التلفازية العربيّة،يُحزنني كثيراً ما آلت إليه الأمور والأحوال في عموم بلادنا البائسة،بالأخص مصر الجميلة العريقة في الحضارة!

برامج وقنوات لا حصر لها ومذيعين وإعلاميين معروفين،يتحدثون عن الجان والشياطين والأرواح الشريرة والسحر والشعوذة بطريقة الإيمان بوجودها!

في الواقع هناك طريقان رئيسان في هذه الحياة  متوازيان تقريباً هما الدين والعِلم!

رغم إدراكي أنّ الخرافات والأكاذيب تنتمي غالباً للطريق الأوّل (الدين),لكنّي 

لا أجرؤ أن أجزم أنّ جميع سالكي الطريق الأوّل هم مَحض أشرار،بينما سالكي الطريق الثاني هم من الأخيّار!

في تفاصيل حياتنا اليوميّة وتصرفاتنا كأفراد وجماعات قد يتداخل العمل والسلوك في هذين الطريقين.بحيث تتداخل النتائج بين الخير والشرّ!

سأوضّح قصدي بمثال تعوّدتُ ذكره:

شاب مُتديّن يدرس علوم الطبّ ليتخرج طبيباً ناجحاً لخدمة البشرية!

طيلة سنوات يقرأ كلّ شيء بيولوجي معتمداً على نظرية التطوّر والإنتقاء الطبيعي لداروين،التي هي نقيض نظرية التصميم أو الخلق الذكي للكون!

بعد ذلك تتطوّر أحداث حياته،ليصبح هو نفسه زعيم القاعدة د.أيمن الظواهري!

معناها تحوّل من الطريقة العِلميّة،الى نقيضها الدوغمائية والتطرّف والتشدّد والتزمّت لعقيدة معينة،آمن بها بتأثير أقوال وأحداث لاتمّت للعِلم بصلة!

حتى في الطريق الآخر (العِلم)، قد نجد أشخاصاً مارسوا أغلب حياتهم البحث العلمي لخدمة البشرية والعالم،لكنّهم أنتجوا في النهاية سلاحاً فتّاكاً حتى وإن لم يقصدوا ذلك بالضبط.

(لا أقصد الفرد نوبل،إنّما منتجي الأسلحة الذريّة والكيميائيّة والبايولوجيّة مثلاً)!

نعم الأمور متداخلة على أرض الواقع،مع هذا هناك صفات عامة تبدو مُشتركة وملازمة لسالكي هذين الطريقين!

فلو تحدثنا عن النفاق والرياء والغش والخديعة والكذب والمُداراة والتلاعب بالكلمات.فسوف تعلمون مباشرةً عمّن نتحدّث،أليس كذلك؟

رغم أنّ رجال الدين يتحدّثون عن الأخلاق كونها مشتقة من الأديان،فيا للعجب!

 رعد الحافظ

13 يناير 2018

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رعد الحافظ and tagged , . Bookmark the permalink.