(تأملات توراتية (1

لميس فايد  

تعد مسألة “الوحي” من المسأل الشائكة والأكثر قدسية في الإسلام، فالوحي الممثل في ملك الله جبريل عليه السلام كان المنوط به إملاء آيات القرآن على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا هو المفهوم التقليدي أو الأصولي والأكثر قبولاً وانتشارا بين المؤسسات الدينية الإسلامية وبين رجال الدين. وبناء على هذا المفهوم الذي اتفق عليه “جمهور العلماء” وأسس القرآن سلطة مهيمنة على الثقافة والمجتمع والتشريع في المجتمعات الإسلامية. ويعد أبرز من ناقشوا مفهوم النص القرآني أو محاولة تحرره من قبضة المؤسسات الدينية وقبضة رجال الدين الحديدية عليه هو نصر حامد أبوزيد –رحمه الله عليه-في العصر الحديث، في مجمل أعماله التي تشكل أساساً متيناُ في التعامل مع القرآن وآياته بثقة واقتراب حقيقي، دون العوائق التي فرضت من قبل المفسرين قديماً وما بعدهم رجال الدين في العصور الحديثة ولاسيما في التوقيت الراهن، بحيث أصبح القرآن “إحتكاراً” أو ” أحد الإمتيازات التي تصكها الدراسة في المعاهد والجامعات الدينية، حتى أصبح القرآن مفارقاً للمجتمع ومن الصعب على الآخرين تداوله بشكل منفرد أو التعاطي معه من منطلق شخصي.

وقد تكون هذه المأساة غير قاصرة على المجتمعات العربية، بل حتى بين المجتمعات الإسلامية في الغرب، أذكر ما قصه علي احد رجال الدين اليهود الأصدقاء ممن لهم باع في الحوار الديني أنه قد دُعي في احد المرات للحديث مع طلاب مسلمين في أحد المدارس الألمانية، وأثيرت أحد القضايا الشائكة، فسألهم إن كان أي منهم يعلم ما ورد بخصوص هذه القضية في القرآن؟ أو كم عدد الطلاب ممن قرأوا القرآن؟ فأجاب أثنان من أصل عشرين طالب، أحدهم أوضح أنه قرأ ولم يفهم والآخر أضاف أنه قرأ ويسأل أحيانا والده فيما لم يفهمه. فما كان من صديقي رجل الدين اليهودي هذا إلا أن غسل يديه وأخرج القرآن من حقيبته للتحاور معهم حول ما يقوله القرآن بصدد أي قضية من القضايا، مما جعل الطلاب يشعرون بالخجل وأوضحوا أن القرآن بالنسبة لنا بالغ “القدسية” حتى أنه يحفظ في المنزل في مكان عال حتى دون المساس به.. ولعل هذا ما يوافق ما تحدث به نصر أبوزيد رحمه الله من قبل في ندوته في مكتبة إسكندرية (متاحة على اليوتيوب) في أن القرآن قد تحول مع الوقت إلى “رسم مقدس”، وقد تمادى البعد والتفاعل النفسي والإقتراب الإنساني من القرآن في أن يكون “رسم مقدس” معلق على الحوائط، أو “كلام الله القديم” الغير قابل للمساس به أو حتى الإقترب منه كما أشار من بعده علي مبروك –رحمة الله عليه- في كتابه “نصوص حول القرآن” وفي محاضرته رحمه الله قبل وفاته بقليل في حركة علمانيون بعنوان “البحث عن القرآن الحي”.

ما أود أن أعرضه من هذه المفارقات، التي أحببت أن استحضرها في هذا السياق كمدخل لأحد التأملات التي لا يمكن أن أغفل عنها بحكم دراستي الحالية –برنامج الدكتوراة الذي يشمل جزئيا الفلسفة اليهودية- وفتح قضية فهم الوحي بمنظور أعمق أفقي يشمل الكتابات المقدسة للأديان الإبراهيمية (يهودية ومسيحية وإسلام)، وما يعنيني هنا هو فهم الوحي في التوراة بعيون قرآنية. لايمكن التغاضي عن وحي التوراة إذا ما أردنا فهم قضية الوحي القرآني، وهذا ما سأحاول تبيانه في هذا المقال وفي عدة مقالات أخرى. 

يقول الله في كتابه العزيز :” نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من التوارة والإنجيل” (العمران 3). وإذا ما أطلعت على التفسيرات التقليدية فيما يخص هذه الآية إنها قد نزلت في سياق الجدل مع اليهود والنصارى فيما يخص الأمور التي اختلفوا فيها. من الجدير بالذكر أن قضية أسباب النزول تعد في علم الدرسات القرآنية في الغرب من الأمور الشائكة التي لا يمكن الإعتماد عليها كلياً كأسباب أو علل مقنعة لتسبب سياق الآيات، حتى وإن لجأ إليها دارسون الإسلام في الغرب فلا تزال موضع شك، بينما تعد قضية أسباب النزول من الأمور المسلم بها في المؤسسات الدينية الإسلامية الرسيمة. وما أود طرحه هنا من خلال هذه المقارنات التمهيدية أن أشرعن الحق في التعامل الحر مع القرآن الذي أؤيد فيه إتجاه المستشرقين في الغرب في الدراسات القرآنية أمثال العالمة الكبيرة Angelika Neuwirth  التي تعد أعمالها الأهم في الدرسات القرآنية في العصر الحديث من بعد تيودور نولدكه “تاريخ القرآن”، فلم تدرس للأسف مجهودتها جيداُ حتى الآن من قبل المسلمين وأخص بالذكر هنا

Der Koran als Text der Spaetantike: Ein europaischer Zugang

“القرآن كنص من العصر المتأخر: من وجهة نظر أوروبية”

وتعني هنا العصر الذي نزل فيه القرأن ومعروف تاريخية بالعصر المتأخر، الذي كان العالم فيه يموج بتيارات فلسفية وغنوصية وصراع مسيحي لاهوت على الكريستولوجي على أشده، وبقايا من أديان فارس من المزدكية والزرادشتية والمانوية. ويأتي في خلفية كل هذه الأديان “اليهودية” أو ” الحضور اليهودي” بشكل خاص في القرآن وأعني به تراث القصص الإسرائيلي الذي أفرد إليه القرآن مساحة غير هينة.

وما ٍاخذه كمثل مكثف على قضية الوحي بين التوراة والقرآن، الذي يقر القرآن ذاته في أكثر من موضع بقضية التوارة كوحي ” إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم به النبيون” (المائدة 44) إذن كيف لي من وجهة نظر إسلامية فهم قضية “الوحي في التوراة؟ والمقصود هنا بالتوارة ” أسفار موسى الخمس” وليس الكتابات المقدسة الأشمل التي تعرف “بالتناخ”. لايمكن بأي من الأحوال الإغفال عن صوت مهم في التوارة هو صوت “ياهوه” أو ياهوفه” كما ينطقه الغربيون ولم يفهمه المسلمون جيداً في أنه هو صوت الوحي في التوارة، الذي يتردد صداه في القرآن باشارات خافتة. لا أزعم أني أقدم اجابات ولكن مايعنيني هنا هو طرح الأسئلة من زوايا مختلفة لا تعد قاصرة على الأمور اللاهوتية فقط، ولكن بما أن الأحوار الراهنة بعد إعلان ترامب الأخير في جعل القدس عاصمة لإسرائيل، أن  نقر أن الأمور عاليماُ وسياسياُ بدأت تتجه في “أتجاه مسيحاني” Messianic  بين أتباع الأديان الإبراهيمية الثلاث بشكل لايمكن تجاهله، وهو ما أشار إليه  Peter Sloterdijk  في كتابه

Gotteseifer. Vom Kampf der drei Monotheismen

غيرة الله: صراع أديان التوحيد الثلات” ، يعد المؤلف من الفلاسفة وعلماء الثقافة الألمان من لهم وزنهم في قضية الدين والمجتمع، والصراع بين أديان إبراهيم وما يخص مصر واليهودية. أن من أهم الأسباب المسكوت عنها على الأقل في العالم العربي او الإسلامي وتحديداُ في مصر ( إن تمكن بعض رجال الدين من الإفلات من القبضة الأمنية) إثارة الصراع العربي اليهودي من وجهة نظر الدين، كما لو أنه من المحرمات، وهو لب الصراع..

وللحديث بقية ..

لميس فايد-المانيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, لميس فايد and tagged , , . Bookmark the permalink.