هل الثورات العربية مستوردة؟.. تحليلات خارج المنطق مقال للدكتور محمد السيد سليم

 احمد خير الله  

مع اقتراب الذكرى السابعة لثورة الشعب في 25 يناير 2011، وفي ظل ما يثار من بعض المحللين اصحاب الافكار السطحية والضحلة جدا عن المؤامرات الكونية على الشعوب والدول العربية لتفتيتها تحت مسمى الديمقراطية، ويذهب بعض جهابذة التحليل والتخطيط الاستراتيجي لوصف الثورات الشعبية ومنها 25 يناير بأنها تقع ضمن هذه المؤامرات التي يحيكها الغرب ضدنا بهدف زعزعة الاستقرار!

في ظل كل ذلك لم اجد افضل من اعادة مقال الاستاذ الدكتور محمد السيد سليم، استاذ العلاقات الدولية، المنشور في 15 يوليو 2011 بجريدة النهار الكويتية

والحقيقة أن د. محمد السيد سليم له فضل كبير على كافة طلاب العلوم السياسية على وجه العموم والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية على وجه الخصوص، سواء تتلمذوا على يده أو استفادوا من كتباتاته في المجال والذي يعتبر هو أحد رواده في العالم العربي، والحقيقة الثانية أني ادين بالفضل لنجله الدكتور جمال سليم الذي درس لي في كلية التجارة جامعة بورسعيد بقسم العلوم السياسية.

وما يلي هو مقال الدكتور محمد السيد سليم:

لحظات التاريخ الحديث التي ظهر فيها العرب كفاعل مؤثر مستقل في النظام العالمي نادرة. فقد اعتاد المراقبون على النظر الى الوطن العربي من منظور السياسة الدولية على أنه مفعول به ، أو تابع للقوى الكبرى. كان ذلك أمرا طبيعيا بحكم التجزئة العربية، وفشل كل مشروعات الوحدة العربية، وبحكم النموذج الريعي أو نموذج التنمية التابعة الذي اتبعته معظم الدول العربية. وربما كانت حالتا حرب اكتوبر سنة 1973، والمقاطعة النفطية العربية للدول المؤيدة لاسرائيل، من النماذج القليلة التي خرجت عن قاعدة التبعية العربية ولكن العرب سرعان ما استأنفوا مسيرة المفعول به حتى أن تقارير البرنامج الانمائي للأمم المتحدة كانت تنعي عليهم أن ناتجهم القومي يقل عن ناتج أسبانيا بمفردها. تستطيع أن تقول ان الثورتين التونسية والمصرية في يناير وفبراير سنة 2011 وما تلاهما من حركات احتجاجية عربية تطالب بالديموقراطية في معظم أنحاء الوطن العربي قد غيرت من تلك المعادلة. فسرعان ما انتقلت تلك الثورات والاحتجاجات من الوطن العربي الى العالم غير العربي بحيث أنك على طول السياسة الدولية الراهنة تلحظ الآثار الارتدادية لتلك الثورات في آسيا بل وفي أوروبا ذاتها. ولأول مرة منذ أربعة عقود يتحول العرب الى عامل مؤثر في السياسة الدولية، بل يتحولون الى نموذج تتأثر به الشعوب التي تعيش في دول تماثل حال العرب بكل ما يرتبه ذلك من خلق نفسية عربية جديدة تتخطى نفسية الهزيمة والدونية التي كان يشعر بها الكثير من العرب، أو التي كان يروج لها أنصار الأنظمة البائدة في الوطن العربي بالتعاون مع الهيئات الدولية التي تمولهم.

(1) بيد أن هناك من يريد أن ينكر على العرب دورهم في التحول الى أن يصبحوا فاعلا في السياسة الدولية، ويؤكد أن الثورات العربية هي ثورات مستوردة ، أي أنها مدفوعة من الخارج. ومن ثم لا جديد تحت الشمس. فالقوى الكبرى هي التي خططت ومولت الثورات العربية كما فعلت مع ثورات أخرى. ومن ثم لامجال للتفاؤل بقدرة العرب على التحول الى فاعل في السياسة الدولية.وهؤلاء تجدهم خارج الوطن العربي وداخله. ولنقدم عددا من النماذج. فيقول الكاتب الأميركي اندوجال ان الولايات المتحدة هي التي خططت كل عمليات تغيير الأنظمة ابتداء من مصر وصولا الى سورية واليمن والأردن ومابعدها فيما يسميه البعض التدمير الخلاق. وقد قام بالدورالأكبر في تلك التغييرات البنتاغون، ووكالة المخابرات المركزية الأميركية وغيرهما من مؤسسات التفكير الأميركية مثل مؤسسة راند عبر عقود من الزمن. أما المحلل المصري حسام سويلم فانه كان أكثر صراحة في تأكيده أن الثورات العربية مستوردة من الخارج. فيقول ان الثورات الملونة في العالم التي تقودها المجموعة الدولية لادارة الأزمات هي التي أدارت الثورات البرتقالية في أوكرانيا والخضراء في ايران، والأرز في لبنان، والياسمين في تونس، واللوتس في مصر. وتشارك في تلك العملية مؤسسة راند، والمركز الدولي لبحوث العولمة، وهيومان رايس ووتش، وغيرها. وتهدف هذه الثورات التي تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير والذي يهدف الى نشر الفوضى الخلاقة التي ستنشئ أنظمة سياسية ديموقراطية ضعيفة تدين بالولاء لأميركا، ولتكون اسرائيل وحدها هي القوة الاقليمية العظمى في المنطقة. الهدف، كما يقول المحلل، هو اضعاف الدول العربية الكبرى ما يسهل السيطرة عليها. ويتم ذلك من خلال دعم المنشقين الالكترونيين وهو النشاط الذي يشرف عليه الاسرائيليون بمن فيهم شارانسكى. يضيف ان الولايات المتحدة قد خلقت ظروف الجهل والفقر والمرض في المنطقة العربية لتكون جاهزة لاشعال نار الثورات. باختصار نحن ازاء سيناريوهات مصنوعة في الخارج، وليس لنا من دور في تلك السيناريوهات الا التنفيذ الأعمى لمخططات خارجية. أما عند الكاتب الأردني محمد الرحاحلة فان الذي حرك الثورات العربية هم عملاء للمؤسسات الأجنبية. فمن يحرك تلك الثورات هم من المستفيدين بالعمل في المنظمات او المؤسسات التي ترتبط بدول او شركات كبرى وان رواتب بعضهم تقدر بعشرات الآلاف من الدولارات.

(2) والحق أن هذه التحليلات تفتقر الى الأدلة التي تساندها فضلا عن أنها تتنافى مع قواعد المنطق. فمن ناحية أولى ، لم يحدث تاريخيا أن تدخلت القوى الغربية لدعم ثورات ديموقراطية في أي مكان، وانما تدخلت لانشاء أنظمة موالية لمصالحها. بل ان سجل الدول الغربية يشير الى أنها تاريخيا تدخلت لفرض أنظمة استبدادية بالأساس. وقد كتب الصحافي الأميركي تيم شوروك دراسة مطولة في مجلة آسيا- المحيط الهادي في العدد الصادر في 11 يوليو الماضي يقارن فيه بين الأدوار الأميركية في الثورة المصرية وفي والثورة الديموقراطية الكورية الجنوبية سنة 1979-1980 وكيف تدخلت الولايات المتحدة لاعطاء الجنرال شون دو هوان الضوء الأخضر لسحق الحركة الديموقراطية الكورية ، وذلك في ضوء الوثائق التي نشرت مؤخرا عن تلك الحركة. وقبل ذلك، وبالتحديد سنة 1966، كانت الولايات المتحدة قد أعطت الجنرال سوهارتو الضوء الأخضر لسحق الحزب الشيوعي الاندونيسي وبناء دكتاتورية عسكرية استمرت حتى سنة 1998. من ناحية ثانية، فانه يستحيل على قوة خارجية مهما أوتيت من سطوة أن تحرك شعبا بأكمله في أي اتجاه ، مالم يكن هذا الشعب راغبا في التحرك في هذا الاتجاه. يمكن للقوى الخارجية أن تستثمر المشكلات الداخلية بل وأن تؤججها، ولكن الشعوب لا تتحرك الا اذا توافرت لديها قناعة ذاتية قوية بضرورة التحرك. عند تلك النقطة يمكن للقوى الخارجية أن تتدخل للاسراع من وتيرة الثورة ولكنها أبدا لا تصنعها. كما أنها يمكن أن تتدخل لتعطيل الثورة ولكنها أبدا لا توقفها. والدليل على ذلك أن الثورات الملونة التي حدثت في جورجيا وأوكرانيا وقيرجيزستان لقيت دعما غربيا. ولكن لو لم يكن الفشل الاقتصادي والسياسي الداخلي في تلك الدول لما تحركت الشعوب ضد أنظمتها. من ناحية ثالثة، فانه في حالة الثورات العربية من الثابت أن الدول الغربية ظلت حتى اللحظات الأخيرة تساند نظامي بن علي في تونس ومبارك في مصر. فقد كان من آخر القرارات التي وافق عليها الكونغرس الأميركي قبل سقوط بن علي هو الموافقة على بيع معدات لتونس قيمتها 14 مليون دولار تستخدم في قمع المتظاهرين، كما أن الرئيس الفرنسي ساركوزي ظل يساند بن علي حتى بعد بدء اندلاع الثورة التونسية. كذلك فان هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية، أعلنت مساندتها لمبارك بعد بدء تبلور ثورة الشباب المصري ضده، وقالت قولتها الشهيرة ان مبارك عمل الكثير من أجل شعبه. بل ان تحالف شباب 25 يناير انتقد الوزيرة الأميركية عندما زارت مصر بعد الثورة لتقاعس الولايات المتحدة عن دعم الثورة منذ البداية. 

وفي الثورات العربية في ليبيا وسورية واليمن فان تدخل القوى الغربية جاء بعد اندلاع الثورات، وباستثناء الحالة الليبية ، فان تلك القوى ظلت مترددة في دعم الثورات العربية. ويرجع ذلك الى أن الأنظمة العربية التي تعرضت للثورات كانت تحمي مصالح الغرب واسرائيل بشكل ظاهر وقوى. ولا يمكن أن ننسى قول الوزير الاسرائيلي السابق بن آليعازر ان مبارك كان كنزا استراتيجيا لاسرائيل. فهل تجرؤ قوة غربية على التدخل للقضاء على الكنز الذي تعتز به اسرائيل؟ والأمر ذاته يشمل الأنظمة العربية الأخرى التي واجهت حركات احتجاجية مثل سورية واليمن. ففي الحالتين حمى النظام السوري هدوء جبهة الجولان منذ نهاية حرب اكتوبر سنة 1973 حتى اليوم ولم يرد على اسرائيل ولو لمرة واحدة رغم اعتداءاتها المتكررة على سوريا. كما تعاون نظام علي عبد الله صالح مع الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة. فهل يتصور أن يتدخل الغرب لاسقاط تلك الأنظمة؟ أم أن الصحيح أن الشعوب هي التى ثارت على مالمسته من هوان تلك الأنظمة أمام القوى الخارجية؟ وأخيرا، فهل من الصحيح أن الأنظمة الديموقراطية التى ستنتج عن تلك الثورات ستكون بالضرورة أنظمة ضعيفة موالية لأميركا؟ أم أنها ستكون أنظمة أكثر ارتباطا بشعوبها وتعبيرا عن همومها؟

 (3) من ناحية أخرى، فان الثورات العربية أثبتت فشل المشروعات الخارجية للتغيير فى الوطن العربى ابتداء من مشروع المشاركة الأوربية المتوسطية وصولا الى مشروع سياسة الجوار الأوروبية الى مشروع الشرق الأوسط الأكبر. ولعلنا نذكر قصة الكونسورتيوم الدولى للديموقراطية الذى كونته دول مجموعة الثمانى فى يونيو سنة 2004 للاشراف على تطبيق اجراءات دعم الديموقراطية فى الوطن العربى وأنشأت من خلاله منتدى المستقبل الذي تشرف من خلاله الدول الأعضاء (عدا روسيا) على عمليات دعم الديموقراطية حتى أن كل دولة أعطيت مهام محددة للاشراف على تلك العمليات في دول عربية معينة، كأن تشرف اليابان على عمليات تمكين المرأة في فسطين ومصر، مع محاسبة الدول العربية بشكل دوري على التقدم في هذا الشأن. . ولكن لم يسفر هذا الكونسورتيوم عن أي تقدم ديموقراطي في الوطن العربي لأنه بمجرد بدء تطبيق مبدأ الانتخابات الحرة في بعض الدول العربية تراجعت الدول الغربية عن مشروعاتها بعد أن بدا لها أن تلك الانتخابات قد أتت بالتيارات الاسلامية الى البرلمانات. وهكذا تخلت الدول الغربية عن مشروعاتها الديموقراطية في الوطن العربي وتحولت الى دعم الأنظمة الاستبدادية؟ فقد أثبتت تلك المشروعات أنها تتأسس على افتراضات غيرواقعية، بمعنى انها ليست متصلة بأجندة الدول العربية وهمومها.

(4) لايعني ذلك أن العوامل الخارجية ليس لها تأثير على الثورات العربية. فلاشك أنها تسعى للتأثير على تلك الثورات بشكل يدفعها في اتجاه تحقيق مصالح القوى الغربية. ويمكن أن نلمس هذا التأثير من خلال اصرار الدول والمؤسسات المالية الغربية على تطبيق روشتة الاصلاح الاقتصادي التعيسة التي أدت الى افقار الملايين والى نهب الثورات الاقتصادية للشعوب لصالح الشركات الدولية. لكن هذا الاصرار لم يكن مقصودا به تشجيع الثورات العربية ولكن السيطرة على الأسواق العربية. كما نلمس هذا التأثير بعد اندلاع الثورات العربية في محاولات اختطاف تلك الثورات وتوجيهها في اتجاه تحقيق مصالح القوى الكبرى، وهو الأمر الذي نلمسه في تخصيص الولايات المتحدة مبالغ تصل الى 240 مليون دولار لدعم ما يسمى بالعناصر الديموقراطية في مصر وتدريبهم في الخارج. وتعلمنا التجارب السابقة أن مثل تلك التدخلات انما تتم في اطار أجندة معينة تعمل الدولة الكبرى على تحقيقها خدمة لمصالحها. ونلمس تلك المحاولات أيضا في التكالب الدولي لاقراض مصر من المؤسسات الدولية، وفي التدخلات العسكرية الأطلنطية السافرة في الشأن الليبي حيث أصبح حلف الأطلنطي هو من يقود الثورة الليبية ضد القذافى. لكن في كل الحالات، فان التدخلات الخارجية لن تحسم مستقبل الثورات العربية.

(5) لكن من ناحية أخرى، فان القوى الخارجية تستطيع أن تسهم في ترسيخ الثورات العربية ان كانت تلك القوى جادة بالفعل في دعم التحولات الديموقراطية العربية. ولن يتحقق ذلك الا اذا قامت تلك القوى بأربعة أدوار يأتي في مقدمتها المسارعة باعادة الأموال المنهوبة والمهربة في بنوك الدول الغربية من رموز وقيادات الأنظمة السابقة. فاعادة تلك الأموال يكفل عدم اضطرار الأنظمة الى الاقتراض الخارجي بكل ما يرتبه ذلك من شروط مجحفة. أما ثاني تلك الأدوار فهو الدخول في مشروعات حقيقية لتوطين التكنولوجيا في البلاد العربية لخلق الفرص أمام الأجيال الجديدة من الشباب. ويندرج في اطار تلك الأدوار التخلي عن وصفات صندوق النقد الدولي المسماة التثبيت الهيكلى، وترك الدول العربية لكي تصوغ نموذج التنمية الخاص بها والذي يناسب ظروفها، مع وقف التدخل الخارجي لفرض أجندات خارجية من خلال المجتمع المدنى، وأخيرا، أهمية التدخل النشيط لحل وانهاء الصراع العربي الاسرائيلي بشروط عادلة للشعب الفلسطيني حيث يؤدي ذلك الى تخفيف عبء الانفاق العسكرى، ويسحب من يد بعض الأنظمة الاستبدادية ورقة الممانعة كمبرر للاستبداد السياسى. والحق انني لست متفائلا بعزم الدول الغربية على السير في طريق تحقيق تلك الأدوار. ولذلك فان المسؤولية تقع على عاتق الثورات العربية لضمان ألا تقوم القوى الخارجية باختطافها لتحقيق مصالحها.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , . Bookmark the permalink.