الكنيسة المصرية والسلطة السياسية … من مرقس الرسول إلى البابا تواضروس الثاني

مؤمن سلاّم  

الكنيسة القبطية أو كنيسة الإسكندرية أو كرسي مار مرقس، أسماء متعددة للكنيسة المصرية، فكلمة قبط تعني المصريين بغض النظر عن عقيدتهم وليس المسيحيين فقط، وكنيسة الاسكندرية حيث تأسست هذه الكنيسة في مدينة الإسكندرية عاصمة مصر البطلمية والرومانية، أما مار مرقس فهو مرقس الرسول أحد أصحاب الأناجيل الأربعة وينظر آباء الكنيسة القبطية إلى القديس مرقس باعتبارة أول السلسلة المتصلة لبطاركة الكنيسة القبطية البالغ عددهم 118 حتى البابا تواضروس الثاني البابا الحالي للكنيسة القبطية. كما أنه الأول في قائمة القديسيين المصريين والشهداء المرموقين. وقد اعتنق مرقس المسيحية على يد ابن عمه الأكبر سناً برنابا، وكان على صلة بالقديس بطرس والقديس بولس، والأهم من ذلك، أنه ارتبط بشخص السيد المسيح ذاته، الذي إختارة واحد من السبعين المقربين، وبعد صعود المسيح كان التلاميذ يلتقون في بيت مرقس حتى حلت عليهم الروح القدس في هذا البيت. وقد تحولت الحُجرة التي حدث فيها هذا الحلول الهام إلى أول كنيسة في التاريخ. وبهذا يكون مرقس من أقرب التلاميذ لحياة السيد المسيح، وهو ما ساعدة على كتابة إنجيله الهام. وقد استشهد في مدينة الإسكندرية عام 68 م.

ووفقا لعزيز سوريال عطية في كتابة تاريخ المسيحية الشرقية فقد كان للتشابة بين العقيدة المسيحية والعقائد المصرية القديمة أثر في قبول المصريين للمسيحية. فمن ناحية لم تكن فكرة التوحيد بغريبة على المصريين فقد نادى بها من قبل أخناتون. كذلك، فكرة الثالوث التي عرفها المصريون بأشكال متعددة ولعل أشهرها ثالوث ايزيس وأوزوريس وحورس. أيضا، قصة البشارة للعذراء مريم والروح القدس والميلاد المعجز، عرفها المصريون من خلال قصة الإلة بتاح الذي نفخ من روحة في بقرة عذراء، فولدت العجل المقدس أبيس، يضاف إليها قصة أخرى وهى أن أخر ملوك مصر القديمة “نختانبو” قد ولد عن طريق حلول روح الإلة أمون في بطن إحدى العذارى. يضاف إلى ذلك أن عقيدة الحياة بعد الموت كانت من العقائد الأساسية لدى المصريين، وأيقونات الصراع بين الخير والشر، فقد طابق المصريون بين صراع حورس مع ست بصراع مار جرجس مع التنين.

وقد بدأت العلاقة بين الكنيسة المصرية والسلطة السياسية منذ السنوات الأولى لوصول المسيحية إلى الإسكندرية. فقد بدأت العلاقة في أول الأمر علاقة صدام بينهما واضطهاد للمسيحيين أدت لمقتل مار مرقس الرسول نفسة عام 68م، ويقسم عزيز سوريال مرحلة الاضطهاد هذه إلى جزئين، الأول كانت تقوم به السلطة من أجل إرضاء الغوغاء وتحت الضغط الشعبي الرافض لهذه العقيدة الجديدة واستمر حتى عام 202م وهو عام صدور مرسوم تحريم اعتناق المسيحية في عهد الامبراطور سبتيموس سيثرون، حيث بدأ الإضطهاد الممنهج من السلطة السياسية للمسيحيين واستمرت هذه المرحلة التي شهدت مراحل هدوء ومراحل صعود جنوني للقتل والتعذيب ولعل أشهرها كان في عهد الامبراطور دقلديانوس ما جعل الكنيسة تضع تقويم قبطي يعرف باسم تقويم الشهداء يبدأ عام 284م وهو عام تولي دقلديانوس للسلطة، تُستخدم فيه أسماء الشهور المستخدمة في التقويم المصري القديم، توت، بابه، هاتور، كياك، طوبة، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرة، نسيء. 

ثم بدأت مرحلة جديدة من العلاقة بين الكنيسة المصرية والسلطة السياسية مع تولي قسطنين الكبير السلطة وصدور مرسوم ميلان عام 313م، الذي نص على التسامح مع جميع الديانات بما فيها المسيحية. وبعد عام 323م أصدر الامبراطور قسطنطين مرسوم أخر يمنع فيه ممارسة الطقوس الوثنية، وذلك بقصد إعلاء شأن الديانة المسيحية، ويقول عزيز سوريال في ص 43 من كتابة تاريخ المسيحية الشرقية “وهكذا دارت عجلة التاريخ لتبدأ الغالبية المسيحية في الإمبراطورية في إضطهاد الأقلية الوثنية”. وبدأت حملة مسيحية لتدمير كل ما ينتمي للديانة المصرية القديمة حيث تم تدمير تمثال الإلة سيرابيس وتدمير المعبد الأكبر في الإسكندرية، وصاحب ذلك تدمير جزء من أكاديمية الإسكندرية (الموزيون Musaeum or Mouseion) التي كانت تضم المكتبة ومخزن للمخطوطات ومدرسة للفسلفة والفنون والموسيقا وفي عام 415م، وصلت المأساة إلى ذروتها عندما تم سحل وقتل الفيلسوفة وعالمة الرياضيات والفضاء هيباتيا السكندرية.

 وهكذا، عندما يختلط الدين بالسياسة لابد أن يتولد الاضطهاد والتمييز ضد الديانات والطوائف الأخرى. فعندما كانت السلطة الرومانية منحازة للديانات المصرية القديمة تم اضطهاد وذبح المسيحيين وعندما غيرت السلطة انحيازتها الدينية لتكون في صف المسيحية تم ذبح أتباع الديانات المصرية.

ولم يتوقف هذا التحالف بين الكنيسة المصرية والسلطة السياسية الرومانية عند حدود إضطهاد أتباع الديانات المصرية القديمة، فبعد التخلص من الديانات المصرية القديمة، بدأت الكنيسة المستقوية بالسلطة السياسية في محاربة اليهود السكندريين والتنكيل بالمخالفين في الرأى في داخل الكنيسة نفسها، بتهمة الهرطقة.

فمع ظهور الجدل حول طبيعة المسيح، وجد المسيحيون أنفسهم منقسمين بين آراء البطريرك إسكندر الذي تبني مبدأ القديس أثناسيوس (الذي أصبح البطريرك بعد ذلك)، وبين آراء أريوس كاهن كنيسة بوكالس (منطقة بولكلي بالإسكندرية حاليا). وبعد فشل محاولات الامبراطور قسطنتين في حل الخلاف بين الطرفين، دعا إلى أول مجمع مقدس هو مجمع نيقيا الذي انعقد عام 325م بمدينة نيقيا، وحضرة أساقفة من غرب أوروبا، والدولة البيزنطية، وأفريقيا، ومن بلاد المشرق، ويقدر عددهم بـ 318 أسقف. حيث تم إقرار “قانون الإيمان” الذي لم يتغير حتى الأن. وهو القانون الذي رفضة أريوس ومؤيدوه فحُكم عليهم بالخلع من مناصبهم. وحتى هنا فالأمر طبيعي ويحدث في كل الأديان والأيديولوجيات عندما يحدث خلاف مذهبي أو أيديولوجي قد تلجأ المؤسسة الدينية أو السياسية إلى طرد المخالفين. إلا أن الجديد هنا أن الكنيسة استعانت بالسلطة السياسية لمعاقبة آريوس وأربعة من الأساقفة المؤيدين له بالنفى وهو حسب عزيز سوريال “كانت هذه أول مرة أو سابقة يتم فيها إيقاع عقاب مدني بسبب هرطقة دينية” ص57.

وبالرغم من انحياز الامبراطور قسطنتين لأراء أثناسيوس ونفيه لآريوس خصم أثناسيوس، إلا أن هذا لم يمنع الامبراطور من التخلي عنه وعن آراءة لاحقا فقام بنفيه إلى مدينة ترير في غالة (تقع في المانيا حاليا) عام 336م. وتم نفية مرة أخرى إلى روما، وثالثة ورابعة وخامسة إلى الصحراء المصرية، وقد كان هذا النفي في إطار الصراع مع الآروسيين الذين انحازت لهم السلطة السياسية، بعد أن كانت منحازة لأثناسيوس في صراعهم الديني.

ويتكرر المشهد مرة أخرى لكن هذه المرة بين البابا كيرلس الأول الملقب بـ “عمود الدين”، وبطريرك القسطنطينية نسطور، حول طبيعة السيد المسيح والعذراء مريم. والذي أدى أيضا إلى عقد مجمع مسكوني ثالث بمدينة إيفسوس عام 432م، في محاولة لحل الخلاف. ونستطيع أن نرى هنا بوضوح إستقواء بطريرك الكنيسة المصرية بالسلطة السياسية ضد غريمة بطريرك القسطنطينية، فعندما راسلة ليراجع آراءة اللاهوتية ولم يجد من نسطور إستجابة لجأ كيرلس إلى مراسلة الامبراطور ثيودوسيوس وزوجته يودوكيا وأخته بوليكريا، ليحرضهم ضده.

ومع نهاية مجمع إيفسوس الذي صدرت عنه وثيقتين تلعن أحدهما نسطور ومن معة أصدرها كيرلس وحلفاءة، والأخرى تلعن كيرلس ومن معه، وبعد أن وقع الامبراطور على الوثيقتين، أمر بالقبض على كل المشاركين في المجمع. إلا أنه بعد قليل صدر قرار الافراج عن كيرلس وحزبة مع ابقاء نسطور رهن الاعتقال في خلوة لا يبرحها، والذي تعرض للإهانة والضرب فيها عام 433م، ثم تم نفيه إلى بترا ببلاد الشام، ثم إلى إحدى الواحات بصحراء مصر الغربية، حتى مات عام 439م بصعيد مصر. وهكذا انتصر كيرلس على نسطور بفضل انحياز السلطة السياسية للكنيسة المصرية، للمرة الثانية.

والملفت للنظر أيضا أن دخول أثيوبيا في المسيحية قد تم عن طريق الاتصال بالسلطة عندما وصل الأخوين فرومنتيوس وإيدزيوس لأثيوبيا بعد غرق سفينتهم المتجهة إلى الهند أمام السواحل الأثوبية حيث تم إنقاذهما على يد رجال الملك، الذي عين إيدزيوس ساقي خمر في بلاطة وفرومنتيوس سكرتيرا للملك ومعلم لولى العهد الصغير أزياناس، ليستغل وظيفته في تلقين ولى العهد الصغير مبادئ الديانة المسيحية، والذي ما ان تولى العرش بعد أبية حتى أعلن اعتناقة وجميع رجال بلاطة المسيحية، وقام البطريرك أثناسيوس بترسيم فرومنتيوس أسقفا لأفريقيا.

وبهذا دخلت المسيحية والكنيسة المصرية إلى أثيوبيا عن طريق السلطة السياسية، وهو ما جعل الملك أزياناس يرفض طرد فرومنتيوس بناء على طلب الامبراطور قسطنطينوس، ويجعل أثيوبيا تتمسك بالمذهب المصري بعد مجمع خلقدونيا. 

وقد عاد ظهور السلطة السياسية في المشهد الكنسي مرة أخرى عام 449م عندما دعى الامبراطور ثيودوسيوس لمجمع في مدينة أنيسوس على إثر الخلاف الديني بين الراهب أوطاخيا وأسقف القسطنطينية فلافيان الذي أنزل لعنة الحرمان على أوطاخيا وعزلة من منصبة، إلا أن أوطاخيا استعان بخصي في البلاط الإمبراطوري يسمى كريسانيوس، نجح في اقناع الامبراطور بعقد المجمع. وأثناء انعقاد المجمع تراجع أوطاخيا عن أراءة فحكم المجمع بإعادته إلى منصبة وخلع فلافيان وأتباعة والذين تعرضوا للاهانة من الحرس الامبراطوري. ويعلق عزيز سوريال على هذا الموقف في ص 72 “جاءت هذه الخطوة من ديوستوروس أسقف الاسكندرية بمثابة التأكيد من جديد على سطوة كرسي الاسكندرية البطريركي على بقية الكنائس الأخرى من الناحية المذهبية.”

إلا أن مع تغير السلطة السياسية في القسطنطينية تغيرت الأمور لغير صالح الكنيسة المصرية، فمع تولي الامبراطور مارقيان السلطة وبإعاز من زوجته بولكيريا الراهبة السابقة، انقلبت سياسة البلاط الامبراطوري رأسا على عقب تجاة الكنيسة. فقد أمر الامبراطور الجديد بعقد مجمع خلقيدونية، ليس من أجل حسم أى خلاف ديني كما في المجامع السابقة ولكن من أجل محاكمة ديوستوروس أسقف الاسكندرية بسبب إنحيازة لأوطاخيا، بحسب زعم أسقف روما وأسقف القسطنطينية. ويقول عزيز سوريال عن هذا المجمع في ص 73 “ولكن المسألة هنا كانت سياسية بالدرجة الأولى، إذ أنه قُصد بمجمع خلقيدونية تقليم أظافر كنيسة الإسكندرية التي رأى البابا الروماني أنها قد تجاوزت حدودها”. وقد اتخذ هذا المجمع الذي انعقد عام 451م قرارين خطيرين:

1- خلع ديوستوروس من أسقفية الاسكندرية، وقد تم ذلك عام 454م، وتم نفيه إلى جزيرة جنفرة في اقليم بفلاجونيا أمام ساحل آسيا الصغرى، وتم تعيين البطريرك بروتربوس مكانة بالقوة العسكرية.

2- إحلال كنيسة القسطنطينية محل كنيسة الإسكندرية في ترتيب الشرف الكنسي لتأتي في المرتبة الثانية بعد كنيسة روما.

وينقل عزيز سوريال عن المستشرق الأمريكي وليم ورل قولة عن مجمع خلقيدونية “لقد فقدت الكنيسة المصرية موقع القيادة في هذا المجمع، وقد جاءت قرارت خلقيدونية بفعل نفوذ البابا الروماني ليون الأول(440 – 461م)، ولكن السكندريين لم يخضعوا لهذه الضغوط الخارجية، ولذا فانهم لم ينصاعوا لقرارات هذا المجمع، وتوحد المصريون على قلب رجل واحد خلف بطريركهم ديوستوروس، وبهذا اشتعلت المشاعر الوطنية المصرية في مواجهة تحرشات القسطنطينية وروما جميعا، وهكذا بدأ تاريخ الكنيسة الوطنية في مصر”.

وبهذا يمثل مجمع خلقيدونيا نقطة الفراق بين الكنيسة المصرية وكنيسة روما بعد هذا الانقلاب الديني المدعوم بقوة السلطة السياسية وهو الفراق التي فشلت كل محاولات انهائة حتى هذه اللحظة، وأقصى ما وصلت اليه جهود المصالحة بين الكنيستين هو اعتراف الكنيسة المصرية بمعمودية الكنائس الأخرى، والذي تم خلال زيارة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان لمصر في شهر ابريل 2017.

وقد نتج عن هذا الصراع الديني – السياسي ثورة مصرية ضد الحكم البيزنطي، بعد أن اختاروا أسقف أخر غير الذي اختارته بيزنطة لمصر، وهو البطريرك تيموثاوس، في تحدي ديني وسياسي لبيزنطة التي كانت تحتل مصر ولكنيستها التي رفعت نفسها فوق كنيسة الاسكندرية لتصبح تالية لكنيسة روما. وقد قام المصريون أثناء هذه الثورة بقتل بروتريوس الأسقف المعين من القسطنطينية وجروا جثته في شوارع المدينة ثم احرقوها وذروا رمادها في الهواء.

ويلاحظ هنا حدث ربما يحتاج لوقفة تاريخية وبحث، فقد حدث تمرد على الامبراطور زينون المؤيد لقرارات خلقيدونية، وازيح من منصبة على يد متمرد اسمة بازليسكوس، وكان من مؤيدي مذهب الطبيعة الواحدة، وذلك قبل ان يتمكن الامبراطور من استعادة عرشة مرة أخرى. فهل كان للمصريين دور أو تأثير في هذا التمرد؟ خاصة أن بعد عودة زينون لعرشة شعر بقوة وخطورة مذهب الطبيعة الواحدة على عرشة ما جعلة يوافق على محاولة الصلح بين كنيسة الاسكندرية وكنيسة القسطنطينية، عندما سافر بطرس مونجوس بطريرك الاسكندرية المختار من المصريين لمقابلة أكاكيوس أسقف القسطنطينة لمحاولة حل الخلاف وصدر عن هذا الاجتماع اتفاق يعرف باسم “هنوتيكون” أى قرار الاتحاد، وقد عُرض على الامبراطور الذي تحمس له على أمل عودة الوحدة للامبراطورية وللكنيسة. حتى انه عند وصول وفد من روما إلى القسطنطينية للتنديد بالاتفاق تم اهانتهم وضربهم وأمر الامبراطور بالقبض عليهم وحبسهم. وقد تسبب هذا الخلاف بين القسطنطينية وروما إلى حدوث قطيعة بين الكنيستين استمرت 35 سنة.

ومع وصول الامبراطور جستن الأول المؤيد لمجمع خلقيدونيا إلى العرش تغيرت الأمور مرة أخرى وتم الصلح بين القسطنطينية وروما وصدر إعلان مشترك يلعن أوطاخيا ونسطور وكل من يتبع مذهب الطبيعة الواحدة. وعندما اعتلي جيستنيان العرش عقب وفاة خالة جستن، الذي بالرغم من تأييدة لمجمع خلقيدونية إلا أنه لم يصطدم بأتباع مذهب الطبيعة الواحدة بتأثير زوجتة تيودورة، التي كانت تتبع مذهب الطبيعة الواحدة سرا.

وقد أدت هذه الأوضاع المضطربة بفعل الصراع الديني – السياسي بين الكنيسة المصرية التي تحولت بسبب هذه الخلافات إلى قائد سياسي للمصريين بالاضافة إلى القيادة الروحية فيقول عزيز سوريال في ص 93 “ففي حين كان أتباع المذهب الملكاني في حماية قوات الجيش البيزنطي المرابطة في مصر، اعتمد المنافزة (أتباع مذهب الطبيعة الواحدة) على جيوشهم من الرهبان المتحفزين. وكانت البيوتات الديرانية في مصر في ذلك الحين تمتلك مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التى جنى منها الرهبان المحاصيل الزراعية الوفيرة”. وهكذا، فنحن أمام ما يشبه الاستقلال العسكري والاقتصادي للمصريين في مواجهة الاحتلال البيزنطي.

ولكن يجب أن لا ننخدع بهذا الصراع ونصوره باعتباره معركة استقلال وطنى أو مقاومة للاحتلال الأجنبي، فلولا الخلاف الديني وانحياز السلطة السياسية البيزنطية لكنيسة روما ومعها كنيسة القسطنطينية في مواجهة كنيسة الإسكندرية لما تفجر هذا الصراع. وقد رأينا تحالف الكنيسة المصرية مع السلطة السياسية الأجنبية في مواجهة المصريين المؤمنين بالعقائد المصرية القديمة وما مارسوه ضدهم من اضطهاد وقتل وهدم للمعابد، فموقف الكنيسة كان موقف ديني وليس موقف وطنى أو قومي، خاصة أن هذه الحقبة الزمنية لم تعرف الأفكار القومية، ولم يكن الإنسان قد عرف الانتماء الوطني بعد. ولذلك، فالحديث عن صراع قومي مصري ضد الأجنبي المحتل هو تحميل للأحداث بمعاني لم تكن معروفة بعد، فالأفكار القومية لم تظهر إلا في القرن 16 و 17 مع أفكار مكيافللي وفلاسفة العقد الإجتماعي هوبز ولوك وروسو وأفكار مونتسكيو عن فصل السلطات وسيادة القانون، ولم تولد الدولة القومية في أوروبا إلا بعد انتهاء حرب الثلاثين عام الدينية بين البروتستانت والكاثوليك بتوقيع صلح ويستفاليا عام 1648م.

وفي ظل هذه الإضطرابات داخل الامبراطورية البيزنطية سواء في مصر وداخل البلاط الإمبراطوري بالقسطنطينية ومع التهديدات الخارجية من الدولة الفارسية التى اجتاحت منطقة الشام ومصر، قبل أن ينجح الامبراطور هرقل في ردها واستعادة صليب الصلبوت وهو بقايا الصليب الذي يُعتقد أن المسيح صُلب عليه، من يد الفرس، فبالرغم من هذا النصر الأخير كانت الامبراطورية البيزنطية تلفظ أنفسها الأخيرة وكانت في انتظار من يدفنها في مقابر التاريخ، فأتى العرب المسلمين للقيام بهذه المهمة، وتم القضاء على الدولة البيزنطية، وتحولت مصر من ولاية تابعة لهذه الامبراطورية إلى ولاية تابعة للامبراطورية الإسلامية.

ومع اجتياح الجيوش العربية الإسلامية للأراضي المصرية لم يتدخل الأقباط في القتال بين جيش بيزنطة والجيش العربي واكتفوا بالمشاهدة، فقد نظروا للقادمين الجدد باعتبارهم المخلصين من استبداد ودموية البيزنطيين، وقد أفاضت الروايات في الحديث عن إكرام عمرو بن العاص للبطريرك بنيامين والتسامح الديني للعرب المسلمين وأحد نماذج هذا المديح ما كتب عزيز سوريال في ص 105 “واستقبله القائد عمرو بن العاص باحترام شديد ثم أعاده إلى منصبة في الاسكندرية معززا مكرما ليرعى شئون كنيستة، ……، وقد شهد عصر بنيامين ومن تلاه من بطاركة في ظل الفتح العربي نهضة لم يسبق لها مثيل من شعور ديني قومي، وانتعاش في الفنون والأداب، في مناخ حر تماما، لا تنقصه المؤثرات والضغوط البيزنطية. والحق أن العرب أبدوا تسامحا كريما مع جميع الطوائف المسيحية على اختلاف انتمائتها من منافزة (الطبيعة الواحدة)، وأتباع الإرداة الواحدة، وغيرهم. كذلك أبقى العرب على بعض الموظفين المهمين من بقايا البيزنطيين أمثال مينا حاكم الفيوم.” 

وهنا نجد دليل أخر على غياب الروح القومية والوطنية التي يروج البعض أنها كانت الدافع لصدام الكنيسة المصرية مع البيزنطيين. فهنا نجد الكنيسة المصرية وقد انحازت للحكم العربي وتعاونت معه بالرغم من اختلاف العرق والديانة واللغة والتاريخ والحضارة، لمجرد أن الحكام الجدد ضمنوا للكنيسة حرية العقيدة وممارسة الشعائر. ما يؤكد أن كل ما كانت تهتم به الكنيسة المصرية في هذا الوقت هو سلطتها الدينية وليس أى شيئ اخر، وفي هذه الحقبة الزمنية كان هذا هو الطبيعي والسائد في العالم، امبراطورية تسقط وامبراطورية تقوم والشعوب تخضع، فالانسان لم يكن قد عرف القومية بعد، وبالتالي لم يكن قد تبلور مفهوم الاحتلال. هو فقط حاكم يموت وأخر يتولى سواء كان من أبناء البلاد أو من خارجها، ما كان يهم الشعوب في هذا الوقت هو مدى عدل أو ظلم السلطة والتي تترجم في حجم الضرائب التي يتم جمعها، أى هل هى في متناول يد الانسان أم فوق طاقته؟ وكذلك، حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، بغض النظر عن مصدر السلطة أو جنسيتها.

أما الدليل الأهم على غياب فكرة القومية المصرية في هذا العصر عن الكنيسة المصرية، هو موقفها من ثورة البشموريين أو البشامرة ضدة الحكم العباسي، وأن الكنيسة المصرية كانت دائمة منشغلة بسلطتها الروحية وحريتها في ممارسة شعائرها، وليس بهموم المجتمع ومشاكلة.

ثورة البشموريين أو البشامرة سنة 831 م  

كانت هذه الثورة ثورة سياسية ضد غلاء الأسعار وظلم واستبداد الولاة العباسيين في مصر واسرافهم في جمع الضرائب والمكوس بالرغم مما يعاني منه المصريين من فقر وجوع قال عنه ساويرس بن المقفع في مخطوطته “تاريخ البطارقة والتي حققها عبد العزيز جمال الدين “وكان متولى الخراج فى ذلك الزمان رجلان أحدهما اسمه أحمد ابن الأسبط والآخر إبراهيم ابن تميم، هاذان مع ما كانو الناس عليه من البلايا لا يدعان طلب الخراج بغير رحمة، وكان الناس فى ضيق زايد لا يحصا وأصعب ما عليهم ما يطلبه منهم متولى الخراج وطلب ما لايقدرو عليه، وبعد هاذا انزل الله الكريم باحكامه الحق غلا عظيم علا كورة مصر حتا ان القمح بلغ خمس ويبات بدينار ومات بالجوع خلق كتير من النسا والاطفال والصبيان والشيوخ والشبان ومن جميع الناس ما لا يحصا عدده من شدة الجوع وكان متولى الخراج يؤذى الناس فى كل مكان واكثر النصارا البشمور كانو يعذبوهم بعذاب شديد مثل بنى اسرايل إلا ان باعو اولادهم فى الخراج من كثرة العذاب لانهم كانو يربطوهم فى الطواحين ويضربوهم حتى يطحنو مثل الدواب وكان الذى يعذبهم رجل اسمه غيث”.

فاستغل البشموريين وجودهم في منطقة تتسم بكثرة المستنقعات وان جغرافيتها قد تحميهم من عسكر الدولة العباسية فأعلنوا الثورة ورفض دفع الخراج، فأرسل لهم الخليفة المأمون جيش بقيادة الأفشين الذي أعمل في المصريين جميعا السيف، من اجل إخماد هذه الثورة المصرية التي شارك فيها الأقباط جميعا مسيحيين ومسلمين. إلا أن الأفشين فشل في إخماد هذه الثورة ما استدعى قدوم الخليفة المأمون العباسي إلى مصر لقمع الثورة بنفسة، إلا أنه فشل في ذلك أيضا، فلجأ إلى الأنبا يوساب الأول بطريرك الإسكندرية، حيث جعله يصدر خطابات رسمية للشعب أن يستسلموا ويخضعوا للولاة وللدولة، فيقول ساويرس ابن المقفع عن هذه الخطابات “وكتب لهم كتابا مملو خوف ويذكر لهم ما يحل بهم ليعودو ويندمو ويرجعو عن خلافهم ويدعو مقاومة السلطان فلم يرجعو، فلم يفتر من مكاتبتهم كل يوم وكان يكتب إليهم فصول من الكتب ويقول قال لسان العطر بولس كل من يقاوم السلطان فهو يقاوم حدود اللاه والذى يقاومه يدان” فبدأ تأييد الشعب المسيحيين والمسلمين لمساندة البشموريين تضعف، ورغم عناد البشموريين وتصديهم وحدهم لجيش المأمون، ولكن إستطاع المأمون أن يهزم البشموريين في النهاية، بعد تخلي باقي المصريين عنهم. كان نتيجته هدم مساكن البشموريين بالكامل وكنائسهم وحرق بعض أحياء وقتل عدد كبير منهم في المعارك. وبعد هذه الثورة تحديداً بدأت تحل اللغة العربية محل اللغة القبطية واليونانية في أنحاء البلاد واللتان بدورهما بدأتا تضمحلا في التعاملات اليومية للمصريين.

وهكذا قامت الكنيسة القبطية بالانحياز للسلطة العباسية غير المصرية وساهمت في اخماد ثورة المصريين السياسية التى كانت ترفع مطالب اقتصادية. وعند مقارنة موقف الكنيسة من ثورة البشموريين التي لم يكن لها أى بعد ديني وكيف انحازات للسلطة لإخمادها، وموقف الكنيسة وقت الاحتلال الروماني والبيزنطي لمصر وصراعها مع السلطة الرومانية ثم البيزنطية التى وصلت إلى حد النفي والاعتقال والتعذيب والقتل ومع ذلك ظلت الكنيسة ثابتة على موقفها المناهض للامبراطورية، نستطيع التأكد أن موقف الكنيسة من السلطة ليس له أى بعد قومي أو سياسي أو اجتماعي، وأن ما كان يحدد علاقة الكنيسة المصرية بالسلطة هو موقف السلطة من العقيدة الأرثوذكسية، فان تركت للكنيسة حرية العقيدة وممارسة الشعائر فالكنيسة لن تصطدم بالسلطة وإن اصطدم المصريون، بل ستساعد الكنيسة على اخماد الثورة إذا طلبت السلطة القائمة منها ذلك.

وقد تعاملت الكنيسة المصرية والمصريين كلهم بهذا المنطق البعيد عن فكرة القومية والوطنية، أى بمنطق العصر الامبراطوري الأممي، مع كل من حكم مصر من غير المصريين، الطولونيين، والإخشييد، والفاطميين، والأيوبيين، والمماليك، فقد ظلت الكنيسة بعيدة عن الصدام بالسلطة السياسية، لأنة لم يحصل أى صدام ديني فقد كان الصدام بين السلطة والمصريين طوال هذه الحقبة التاريخية صدام لأسباب اقتصادية واجتماعية، وحتى عند تعرض المصريين للقمع السياسي، وعندما طال الاستبداد الكنائس والأديرة في العصر الأيوبي والمملوكي، ظلت الكنيسة على الحياد لأنها لم تصطدم بالإيمان المسيحي ذاته، كما فعلت السلطة البيزنطية.

وربما لم تعرف مصر المشاعر القومية إلا مع وصول الحملة الفرنسية لمصر، وربما كان أول القوميين المصريين هو المعلم أو الجنرال يعقوب حنا (1745 – 1801) الذي تتهمة أغلب التيارات السياسية بالخيانة، لأنة انحاز للحملة الفرنسية ضد الأتراك والمماليك. حيث ينقل عزيز سوريال عن مذكرات ظابط اسمة لاسكارس كان يقوم بعملية الترجمة بين يعقوب حنا وقبطان السفينة إدموندز، مطالبة الجنرال يعقوب بريطانيا بمعاونة مصر في الحصول على استقلالها. وربما تكون هذه أول مطالبة باستقلال مصر منذ استيلاء الرومان عليها.

ومع رحيل الحملة الفرنسية وتولي محمد علي للسلطة بدأ عصر مصري جديد، بدأت مصر فيه أولى خطواتها نحو الاستقلال عن الامبراطوريات وبدأت تعرف فيه معني القومية ومعنى أننا الأمة المصرية ولسنا جزء من الأمة الإسلامية ولا من الخلافة الإسلامية، ذلك الشعور القومي الذي وصل إلى ذروته مع ثورة 1919 وشعار “مصر للمصريين”. 

خلال هذه الحقبة الزمنية، نستطيع القول أن النزعة القومية للكنيسة المصري بدأت في الظهور بشكل حقيقي مع ظهورها في مصر كلها، بعد مرور أكثر من 150 سنة على تأسيس الدولة القومية في أوربا مع صلح وستفاليا عام 1648. فكانت البداية مع رفض البابا الـ 109 للكنيسة المصرية بطرس السابع الملقب بالجاولي الذي رفض طلب قيصر روسيا بوضع الكنيسة المصرية تحت الحماية الروسية. كذلك نرى الخديوي سعيد يرسل البابا كيرلس الرابع إلى الحبشة في مهمة سلام بين البلدين لتهدئة الخلافات التي كانت تهدد بنشوب الحرب بين البلدين، وقد اسمرت المهمة من 4 سبتمبر 1856 وحتى 13 فبراير 1858. إلا أن هذا الشعور القومي لم يُنسي الكنيسة دورها في حراسة الايمان الأرثوذكسي عندما بدأت بعثات التبشير الكاثوليكي والبروتستانتي تتوافد على مصر أواخر القرن 19 فتولت الكنيسة المصرية التصدي لها. وشهدت هذه الفترة أيضا بداية ظهور المواطنة المصرية بإلغاء الخديوي سعيد في 19 يناير 1855م  للجزية عن المسيحيين واليهود والحاقهم بالجيش المصري وفقا للمرسوم الصادر في 6 فبراير 1856م كما أصبح جميع المصريين يخضعون للضريبة الموحدة.

وهنا لابد من الإشارة إلى حدث هام وهو صدام البابا كيرلس الخامس مع العلمانيين المسيحيين أعضاء المجلس الملي حيث اتخذ البابا موقف عدائي من المجلس وعمل على تعطيل اجتماعته ومشاركته في إدارة الكنيسة المصرية، فما كان من المجلس الملي إلا أن استنجد بالسلطة السياسية ممثلة في هذا الوقت في الخديوي إسماعيل، الذي انحاز للمجلس الملي وفرض اجراء انتخابات المجلس الملي على غير رغبة البابا كيرلس الخامس، وهو ما أدى بدورة لاحقا الي حدوث صدام بين الخديوي إسماعيل والبابا كيرلس الخامس بعد رفض الخديوي استقبال البابا أكثر من مرة بل وأضطر الخديوي إلى إرسال رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت بطرس غالي لكى ينصح البابا بعدم الاتصال مرة أخرى بالبلاط الحاكم مرة أخرى. وأدى هذا الصدام إلى اتصال البابا بالسفارات الأجنبية لكى تتوسط له لدى الخديوي، وهو الأمر الذي أدى إلى اشتعال الموقف واصدار الخيدوي أمرا بنفي البابا إلى دير البراموس بوادي النطرون، ما أدى إلى غضب المصريين المسيحيين، ولتهدأة الأمور، أمر الخيديوي بعودة البابا وتم استقبالة استقبال حافل من قبل المواطنين المسيحيين وبحضور مندوب عن الحكومة الذي اصطحب البابا إلى مقر البطريركية، ومن جانبة وافق البابا على المجلس الملي وإعادة افتتاح كلية اللاهوت والعفو عن أسقف صنبو بمحافظة أسيوط.

وهنا نري حدث جديد تماما في تاريخ الكنيسة المصرية وعلاقتها بالسلطة السياسية، فهنا السلطة لا تصطدم بالكنيسة لأسباب دينية لاهوتية، ولكن تصطدم بها نتيجة الصدام بين الكهنوت الكنسي المتزمت وبين العلمانيين المسيحيين الذين يصفهم عزيز سوريال في صفحة 135 بأنهم “عناصر التقدم والإنفتاح الدستوري”، بعد أن انحازت السلطة إلى هذه العناصر المنفتحة. وهو أمر يتوافق مع توجهات السلطة السياسية في هذا الوقت الذي كانت تسعى فيها إلى تأسيس دولة مصرية حديثة.

ولعل هذه الحادثة كانت مؤشر على بدأ مرحلة جديدة من علاقة المصريين بكل عقائدهم بالسياسة. فمع بدأ السلطة السياسية في اتخاذ مسارات إصلاحية على الصعيد السياسي في عهد الخديوي إسماعيل، ومع احتلال الإنجليز لمصر في أعقاب هوجة عرابي، وبدأ تنامي تيار القومية المصرية مع تنامي الخطاب التنويري على يد الرعيل الأول رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك ومحمد عبده وقاسم امين وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى، بدأ انغماس المصريين المسيحيين في الحياة السياسية بعيدا عن الكنيسة وهو ما أدى إلى تقلص الدور السياسي للكنيسة المصرية ولم تعد تقوم بدور الممثل للمصريين المسيحيين أمام السلطة السياسية، خاصة وقد تعاملت الدولة مع قضايا المسيحيين باعتبارها قضايا مواطنين مصريين وليست قضايا طائفة دينية.  

وقد برزت قيادات مسيحية شهيرة داخل الحركة الوطنية المصرية وذلك بخلاف من تولوا مناصب رسمية بقرار من السلطة الحاكمة مثل بطرس باشا غالي رئيس وزراء مصر من 1908 إلى 1910 وشغل قبلها منصب وزير الخارجية، ويوسف باشا وهبي رئيس الوزراء عام 1919 والذي حاول اغتيالة الشاب المصري المسيحي عريان يوسف اسعد بسبب علاقاته بالانجليز. أما قادة الحركة الوطنية المصرية فيأتي على رأسهم مكرم عبيد الرجل الثاني في حزب الوفد، وسينوت حنا، وويصا واصف رئيس برلمان عام 1934، واخنوخ فانوس، ومرقص حنا. 

واستمر هذا الوضع في ابتعاد الكنيسة المصرية عن تأدية دور الممثل للمصريين المسيحيين حتى عام 1952، إلا أن مع تغير النظام السياسي في مصر في أعقاب إنقلاب 23 يوليو 1952، وما قام به نظام يوليو من تأميم للحياة السياسية بالإضافة للحياة الاقتصادية والثقافية والفنية، وماترتب علية من اختفاء طبقة السياسيين المصريين بما فيهم السياسيين المسيحيين، عادت الكنيسة لتلعب دورها كممثل للمصريين المسيحيين والمتحدث باسمهم، خاصة وقد خلا مجلس قيادة الإنقلاب من أى ظابط مسيحي.

فعندما استولى تنظيم الظباط الأحرار على السلطة ، كانت الخلافات تعصف بالكنيسة المصرية في عهد البابا يوساب الثاني، ولم تنتهى إلا بقرار عزل البابا يوساب من منصبة والذي صادقت علية الحكومة بموجب مرسوم صدر عام 1955، دون أى تدخل من النظام الجديد في الصراع الدائر في الكنيسة في ذلك الوقت، وذلك على عكس موقف الخديوي إسماعيل الذي تدخل لصالح القوى الاصلاحية. وقد يكون سبب عدم هذا التدخل هو أن النظام العسكري في ذلك الوقت لم يكن قد ثبت أقدامة بقوة في حكم مصر، حيث لم تنتهى صراعات مع القوي السياسية الداخلية إلا في مارس عام 1954، فربما هذا ما جعل صراعات الكنيسة بالنسبة لعبد الناصر أمر هامشي لا يستحق التدخل فيه.

وتم إختيار البابا كيرلس السادس في مايو 1956 ليصبح البابا الـ 116 للكنيسة المصرية وأيضا البابا المعاصر لكل فترة حكم عبد الناصر والعام الأول من حكم السادات. وقد اتسمت العلاقة بين عبد الناصر والسادات بالصداقة والمودة، وهى العلاقة التي جعلت العلاقة بين السلطة والكنيسة بدون أى توترات، فالدولة لم تتدخل تماما في شؤون الكنيسة بل على العكس فقد ساهمت في بناء الكاتدرائية بمبلغ نصف مليون جنية في أوائل الستينات، وقبل وضع حجر الأساس في 24 يوليو 1965 أى في إطار ما يسمى باحتفلات عيد الثورة. وفي مقابل هذا ضمنت الكنيسة الدعم الكامل لعبد الناصر من المصريين المسيحيين، ولعل ما يبرز ذلك موقف الكنيسة من تنحي عبد الناصر بعد هزيمة يونيو 1967 “وعندما أعلن الرئيس الراحل خطاب التنحى فى 9 يونيو 1967؛ توجه البابا كيرلس إلى منزله بمنشية البكرى بصحبة ثلاثة مطارنة ونحو خمسة عشر كاهنا، وعندما وجدوا طوفان البشر محيطا بمنزل الرئيس؛ صدرت التعليمات من رئاسة الجمهورية أن تقوم سيارة بفتح الطريق أمام سيارة البابا. وعندما دخل المنزل قال أنا عايز أقابل الريس؛ فأخبروا الرئيس برغبة البابا فى مقابلته؛ فتحدث إليه فى التليفون قائلا: «أنا عمرى ما اتأخرت عن مقابلتك فى بيتى فى أى وقت، لكننى عيان والدكاترة من حولى»، فقال له البابا: «طيب عاوز أسمع منك وعد واحد»، فرد عليه الرئيس «قل يا والدى» فقال له البابا «الشعب بيأمرك أنك ما تتنازلش» فرد عليه الرئيس «وأنا عند الشعب وأمرك» . وعندما أعلن السيد أنور السادات أن الرئيس قد نزل على إرادة الشعب؛ توجه قداسته صباح يوم 10 يونيو إلى القصر الجمهورى بالقبة وكتب كلمة فى سجل الزيارات أعلن فيها عن فرحته بنزول عبدالناصر على إرادة الشعب والعودة لممارسة مهامه كزعيم للأمة”

ومع هزيمة يونيو 1967، بدأ المد الديني في مصر، فمع هذه الهزيمة المروعة كان لابد من بدأ حملة تخدير ديني للشعب المهزوم والمأزوم، فبدأ الترويج لخطاب أن سبب الهزيمة هو ابتعاد المجتمع المصري عن الدين وأن طريق النصر هو بالعودة إلى طريق الله والبعد عن طريق الشيطان. وقد ساهمت الكنيسة في ترويج هذا الخطاب الخرافي وتقديم بعض المسكنات الدينية حتى تهدأ خواطر المجتمع المصدوم، فكان الإعلان عن ظهور السيدة العذراء على كنيسة “العذراء مريم” بالزيتون في شهر إبريل عام 1968، كأحد الوسائل الدينية لتهدئة خواطر المصريين المصدومين.

إلا أن الأسوء من التخدير الديني، كان مبرر البعد عن الله كسبب للهزيمة بمثابة تمهيد للطريق أمام الاسلام السياسي لكي يستعيد نشاطة مرة أخرى في المجتمع المصري، منذ بدأ السادات في الإفراج عن الإسلاميين وعلى رأسهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، والذي سيؤدي بالتالي إلى كثير من المشاكل للمواطنين المسيحيين في بداية السبعينات لتصل إلى الاضطهاد والتمييز في 2017.

ففي عام 1972 شهدت مصر أول أحداث الفتنة الطائفية بمنطقة الخانكة، ولتتوالي الأحداث انتهاء بأحداث الزاوية الحمرا عام 1981. وبفعل هذه التوترات وصمت الدولة بقيادة السادات أمامها، توترت العلاقات بين السادات والمصريين المسيحيين بقيادة الكنيسة المصرية التي تولي كرسيها الرسولي البابا شنودة الثالث. وقد كان سلوك السادات في مواجهة هذه الفتن الطائفية والتصاعد المستمر لسلوك جماعات الإسلام السياسي العنيف في مواجهة المصريين المسيحيين أو في مواجهة خصومهم السياسيين، متسامح بشكل كبير ففي البداية تجاهل السادات تقرير الدكتور جمال العطيفي وكيل مجلس الشعب ورئيس لجنة تقصي الحقائق في أحداث الخانكة والذي قدم في تقريرة عدة توصيات لتجنب وقوع فتن طائفية في المستقبل إلا أن السادات تجاهلها. كذلك أتهم السادات المصريين المسيحيين بالسعي للاستقلال بالصعيد “وعقب مواجهات عدة بين المسلمين والمسيحيين، ألقى السادات خطابه أمام مجلس الشعب في 14 مايو/آيار 1980، متهمًا المسيحيين بمحاولة إنشاء عاصمة منفصلة مقرها أسيوط، وجعل الكنيسة سلطة داخل الدولة، وهو الأمر الذي أجج الصراع أكثر. وبحسب جمال بدوي، فإن هذا الخطاب نقطة تحول في مجرى الأحداث، فخلال الفترات السابقة كان الصراع مقصورًا على العناصر المتشددة من الجانبين، ولم يلبث هذا الصراع أن يتلاشى، أما بعد خطاب السادات اتسعت دائرة الشقاق”.

ويظل السؤال لماذا اتخذ السادات هذا الموقف من الإسلام السياسي، فهناك من يرى وأنا منهم انه عودة للتحالف القديم بين تنظيم الظباط الأحرار وتنظيم الإخوان المسلمين وتنفيذ لأجندة أمريكية سعودية لمواجهة الشيوعية، دفع المسيحيين في مصر والمنطقة كلها ثمنه. أما موقف السادات من البابا شنودة فيفسرة عبد الباسط عياش بقولة ” في 1970 تولى الرئيس السادات حكم البلاد، وبعدها بعام نال البابا شنودة لقب البطريرك، واستهل أعماله بنشاط واسع، ما بين محاضرات عن إسرائيل وبين مقالات حملت أفكارًا جديدة قوبلت بانتقادات كثيرة، كان منها «القرآن والمسيحية» بيّن فيه نقاط الالتقاء بين الديانتين، وربما كان هذا النشاط الواسع سبب نقمة الجميع على شنودة بمن فيهم السادات نفسه”. يضاف إلى ذلك مظاهرات المصريين المسيحيين ضد السادات أثناء زيارتة الولايات المتحدة عام 1975 بسبب سياساته في دعم الاسلام السياسي وعدم حماية المواطنين المسيحيين من اعتدأتهم. كذلك، ربما كان لقرار البابا شنودة برفض اتفاقية السلام مع إسرائيل ومنع المصريين المسيحيين من زيارة إسرائيل للحج دور، ما زاد من نقمة السادات علية.

وقد تصاعدت حدة التوتر بين البابا شنودة والسادات حتى وصلت إلى ذروتها عندما صدر قرار السادات بتحديد إقامته في دير وادي النطرون، وذلك في إطار قرارات سبتمبر 1981 التي أدت إلى اعتقال 1531 من القيادات المعارضة للسادات من جميع التيارات السياسية. كما قام السادات بإلغاء قرار رئيس الجمهورية بتعيين البابا شنودة بطريرك للكنيسة المرقسية، وتعيين لجنة من 5 أساقفة للقيام بالمهام البابوية، ويلاحظ هنا خضوع المجمع المقدس لقرارات السادات. حيث اجتمع المجمع وأعلن تأييدة لقرار السادات، مع التحايل على قانون الكنيسة من خلال التأكيد على موقفها الروحي واللاهوتي من كهنوت البابا شنودة واستمرار ذكرة في القدسات، أى أن يكون البابا شنودة مجرد صورة ولكن من يقوم بدور البابا الحقيقي هى اللجنة الخماسية المكونة من الأنبا مكسيموس، والأنبا غريغوريوس، والأنبا اثناسيوس، والأنبا صموئيل، والأنبا يؤانس. وهنا يجب أن نعود بالذاكرة لموقف الكنيسة من موقف السلطات البيزنطية التي خلعت البطريرك المختار من المصريين وعينت مكانة بطريرك تابع للكنيسة في القسطنطينية فرفضت الكنيسة المصرية هذا التعيين وظلت متمسكة بمن أختارته. ما يؤكد مرة أخرى أن الكنيسة لا تصطدم بالسلطة إلا إذا تعلق الأمر بالايمان المسيحي الأرثوذكسي، أما بخلاف ذلك فالكنيسة تخضع للسلطة بشكل كامل، حتى لو أدى ذلك للتخلي عن البابا شنودة، الذي ربما يكون أول بطريرك للكنيسة المصرية يصطدم برئيس الدولة لأسباب ليست لاهوتية ولكن لأسباب تتعلق بحقوق المواطنة للمصريين المسيحيين ومقاومة المد الإسلامي المتطرف الذي يهدد مصر كلها وليس المسيحيين فقط.

ثم كانت النهاية المحتومة لكل من تحالف مع الإسلام السياسي، عندما قام خالد الإسلامبولي ورفاقة باغتيال السادات يوم 6 أكتوبر عام 1981، وليتولي السلطة نائبة حسني مبارك وتبدأ دورة جديدة من علاقة الكنيسة بالسلطة، بعد عودة البابا شنودة لممارسة صلاحياته كاملة كبطريرك للاسكندرية والكرازة المرقسية.  

إتصفت العلاقة بين حسني مبارك والكنيسة بتبادل المصالح ما جعل العلاقة أكثر استقرارا وأكثر هدوء عن ما كان علية الحال في عصر السادات، وإن لم يخلوا الأمر من بعض التوترات من حين لأخر بين الطرفين. فقد كان للكنيسة مصلحتان رئيسيتان حققهما النظام المصري وهما: 1- الحفاظ على الإستقلال المؤسسي للكنيسة، 2- الحفاظ على وضع الكنيسة كمتحدث باسم المصريين المسيحيين والممثل لهم. وقد حافظت السلطة السياسية على وضع الكنيسة المستقل بأن تجاهلت كل المطالب بإشراف المؤسسات الرقابية على ميزانية الكنيسة وأنشطتها، كما تجاوزت الدولة عن رفض الكنيسة تطبيق أحكام القضاء المتعلقة بالأحوال الشخصية للمواطنين المسيحيين. وعلى الجانب السياسي تعامل مبارك مع البابا شنودة باعتبارة الممثل السياسي للمسيحيين. على الجانب الأخر أمنت الكنيسة دعم وتأييد المواطنيين المسيحيين لحسني مبارك وسياساته من خلال تصريحاتها العلنية في وسائل الإعلام. كما ضغطت الكنيسة على الأقباط المقيمين خارج مصر كي لايتظاهروا ضد مبارك، وخصوصاً خلال زياراته للولايات المتحدة. وقد ظهر الدعم الكامل للكنيسة للسلطة مع تصاعد الدعوات للتظاهر يوم 25 يناير 2011 أى بعد 25 يوم من الحادث الارهابي الذي استهدف كنيسة القديسين في الاسكندرية وراح ضحيته 23 شهيد وشهيدة من المصريين، وهى المظاهرات التي أدت في النهاية إلى تنحي حسني مبارك عن السلطة. حيث طالبت الكنيسة على لسان الأنبا مرقس رئيس لجنة الإعلام بالمجمع المقدس بعدم المشاركة في التظاهرات، في حين دعا القمص عبدالمسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد مسيحيى مصر والمهجر إلى الاعتكاف يوم 25 يناير للصلاة فى الكنائس أو المنازل ليحفظ الله مصر وشعبها، وعدم المشاركة فى يوم الاحتجاجات والمظاهرات. إلا أن كثير من الشباب المصري المسيحي مثلة مثل الشباب المصري من كافة المعتقدات والأيديولوجيات كانوا قد وصلوا إلى مرحلة من الغضب لم يعد من الممكن السيطرة عليها سواء عن طريق رجال الدين مسلميين ومسيحيين أو عن طريق القمع الأمني أو عن طريق الاعلام الموجهة. إلا أن غضب الشباب المسيحي بالإضافة لما يتشاركون فيه مع باقي الشباب المصري، كان هناك غضب إضافي، وهو الغضب من التمييز والاضطهاد الذي يتعرضوا له مع تصاعد المد الإسلامي خاصة الجناح السلفي الذي أطلق له مبارك العنان ليواجه تصاعد شعبية الإخوان المسلمين، ما خلق في مصر أجواء من التطرف والعنصرية ورفض الأخر، دفع ثمنها كل من هو ليس رجل مسلم سُني سلفي، وعلى رأسهم المصريين المسيحيين.

ومع تنحي حسني مبارك عن منصبة دخلت مصر في حالة من السيولة السياسية جعلت الملعب السياسي مفتوح لكل من يريد اللعب وكل من يريد تحقيق مكاسب سياسية أو شخصية.

فمع تولي المجلس العسكري للسلطة بعد تنحي مبارك، شهدت مصر عدة أحداث طائفية وضعت علامات استفاهم كثيرة حول حقيقة دور السلطة الحاكمة في هذه الأحداث ومدى ضلوعها فيها ان لم يكن بالتحريض فبالصمت وعدم المحاسبة، في استمرار للمارسات التى اتبعها النظام المصري منذ السبعينات، فالمعتدي دائما مختل عقليا، والخصومات تنتهى بجلسات عرفية في خرق واضح للقانون، ولكن ما زاد في هذه المرحلة هى استعانة المجلس العسكري بكبار الدعاة السلفيين في عمل هذه الجلسات العرفية والمصالحات وعلى رأسهم السلفي محمد حسان. وقد ظهر مدى عجز أو تواطؤ المجلس العسكري في حادثة تعيين اللواء عماد ميخائيل محافظا لقنا في صعيد مصر، في شهر ابريل 2011،، عندما انطلقت المظاهرات ضد تعيين اللواء عماد بقيادة التيارات الإسلامية وقامت بقطع طرق السكك الحديد والطرق السريعة بل وصل الأمر حد التهديد بقتله، وردد المحتجون هتافات “عايزينه مسلم” و”لا إله إلا الله إسلامية إن شاء الله. وقد انتهى الأمر بتراجع المجلس العسكري عن قرار تعيين ميخائيل محافظا لقنا.

وكانت الحادثة الثانية الفارقة والصادمة والتي كشفت حجم عنف المجلس العسكري ضد كل من ساهم في انتفاضة 25 يناير، هى مذبحة ماسبيرو في 9 أكتوبر 2011، للشباب الثوري المسيحي والتي راح ضحيتها 28 شهيد مصري مسيحي على يد القوات المسلحة المصرية. وهى المذبحة التي لم يحاسب أحد من مرتكبيها حتى الأن.  

وحول هذه الفترة يقول جورج فهمي “بعد سقوط مبارك، أصبح المجال السياسي في مصر أكثر انفتاحاً، ما اضطرّ الكنيسة إلى تغيير استراتيجياتها من أجل تأمين مصالحها. فلم يواصل الشباب نشاطهم على الصعيد السياسي وحسب، بل أن العديد من الشخصيات المسيحية أيضاً أسّست أحزاباً سياسية أو انضمّت إليها. فقد أسّس رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس “حزب المصريين الأحرار”، وكان مثقفون مسيحيون، مثل عماد جاد وحنا جريس، من بين مؤسّسي “الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي”. وجدت الكنيسة وهذه النخبة السياسية المسيحية الجديدة أن تعاونهما ينطوي على منفعة متبادلة. فقد كانت الكنيسة في حاجة إلى الساسة المسيحيين للتعبير عن مطالبها في المجال السياسي المتغيّر، في حين سعى الساسة المسيحيون، في المقابل، إلى التنسيق مع الكنيسة لتأمين الأصوات القبطية خلال الانتخابات.

بعيداً عن النخبة السياسية، قرّرت شريحة من الشباب الأقباط الذين شاركوا في الانتفاضة ضد نظام مبارك، تأسيس حركة شبابية للدفاع عن حقوق الأقباط، تُدعى “اتحاد شباب ماسبيرو” (تيمّناً بمنطقة ماسبيرو في القاهرة، حيث نظّم الشباب القبطي اعتصامات للاحتجاج على التمييز على أساس الدين). وخلافاً للسياسيين الأقباط، رفضت الحركة وضع الكنيسة بصفتها الممثّل السياسي الوحيد للطائفة القبطية. ودانت الحركة الاجتماعات غير الرسمية التي عقدها بعض الأساقفة مع مسؤولين من مؤسّسات الدولة في عهد مبارك وخلال الفترة الانتقالية. ووفقاً لأعضاء في الحركة، غالباً ماكانت تلك الاجتماعات تهدف إلى تهدئة التوترات بين المسيحيين والمسلمين في البلاد، من دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها.

وقد نظرت الكنيسة إلى حركة شباب ماسبيرو وأهدافها بعين الشكّ. كما أثار وجود اثنين من الكهنة داخل الحركة حفيظة بعض الأساقفة، الذين اعتبروا الحركة منافسة لسلطتهم، وحاولوا احتواء أنشطتها.

أى أن في خلال هذه الفترة لم تعد الكنيسة هي المتحدث الرسمي والممثل الوحيد للمصريين المسيحيين بل أصبح لها شركاء علمانيين من الطبقة السياسية ومن رجال الأعمال ومن الشباب الثوري، وعلى الجانب الأخر لم تكون السلطة قد استقرت بعد، حتى تبدأ في إدارة علاقتها بالكنيسة المصرية، فقد كانت مرحلة انتقالية بكل ما تحمل الكلمة من اضطراب وتخبط وعدم استقرار وصراع كل القوى من أجل السيطرة على السلطة.

وفي هذه الأجواء المضطربة توفي البابا شنودة الثالث وخلفة البابا تواضروس الثاني، وكان الإخواني محمد مرسي قد أصبح رئيسا لمصر قبل تولي البابا تواضرس بخمسة أشهر. وقد جاء تولي البابا تواضروس لمسؤولية الكنيسة المصرية متزامنا مع بداية الانتفاضة ضد حكم الاخوان المسلمين بعد إصدار محمد مرسي للاعلان الدستوري الذي عصف بكل قيم الديمقراطية وعلى رأسها الفصل بين السلطات، وحول رئيس الجمهورية إلى ذات مصونة لا تمس على نمط ديكتاتوريات منتصف القرن العشرين في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.

وهذا ما جعل من تصريح البابا تواضروس عند توليه لمنصبة عن ضرورة ابتعاد الكنيسة عن السياسة غير قابل للتطبيق، وبفعل الاستقطاب السياسي الشديد بين القوى العلمانية من جهة والإخوان المسلمين والإسلام السياسي من جهة أخرى، والمخاوف الشديدة من تأثير التوجهات الدينية للإخوان خاصة في ظل المادة 219 من دستور 2013 التى تجعل من مصر دولة دينية بامتياز والتي جاءت مكملة للمادة الثانية من الدستور التي وضعت مصر على طريق الدولة الدينية، وتنص المادة 219 على “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السُّنة والجماعة”. في هذه الأجواء التي يسودها الخوف من المستقبل خاصة في ظل تصاعد مد إسلامي عنيف في ليبيا وسوريا واستمرارة في العراق، جعل من المستحيل على أى أحد في مصر ألا ينشغل بالسياسة ويشارك في أحداثها، فكيف للكنيسة المصرية أن تبتعد عن السياسة في هذا الوقت؟ خاصة انه لم تكن قد تشكلت بعد طبقة سياسية قوية من العلمانيين المسيحيين مثل تلك التى تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين لتكون معبرة عن المواطنين المسيحيين. 

وهذا يأخذنا لمشهد 3 يوليو 2013، فقد ظهر في المشهد الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر والبابا تواضروس الثاني، إلا أن حضورهما لم يكن على نفس الدرجة. فقد حضر شيخ الأزهر بصفتة رأس المؤسسة الدينية الإسلامية وليس كممثل للمصريين المسلمين، فقد كان في المشهد أيضا جلال مره أمين حزب النور السلفي، كما أن كل الحضور من مدنيين وعسكريين كانوا مسلمين، وبذلك لا يمكن لشيخ الأزهر أن يتحدث باسم مسلمي مصر، ولكن فقط باسم مؤسسة الأزهر. أما البابا تواضروس فقد كان المسيحي الوحيد في المشهد، فلم يكن هناك أى مدني أو عسكري مسيحي من بين الحضور، وهو ما بعث برسالة ان البابا تواضرس ليس فقط ممثل الكنيسة المصرية ولكن يرسخ مرة أخرى دور الكنيسة كممثل سياسي ومتحدث وحيد باسم المصريين المسيحيين. وهى الرسالة التي تأكدت خلال السنوات من 2013 وحتى اليوم في 2017.

مع الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين شهدت مصر حملة عنيفة من الارهاب ضد المصريين جميعا إلا أن أكثر من دفع تكاليف هذه الحملة هم المواطنين المسيحيين. فقد نقلت بي بي سي عن تقرير لهيومن رايتس ووتش في 2013 قولها “حوالي 42 كنيسة وممتلكات مسيحية تعرضت للنهب والسلب في أنحاء البلاد”. وفي ديسمبر 2016 أدى انفجار في الكنيسة البطرسية الملاصقة للكاتدرائية المرقسية بمنطقة العباسية في وسط القاهرة عن مقتل 29 شخصا وإصابة 49 آخرين. وفي فبراير 2017 قُتل سبعة أقباط في مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء إثر سلسلة اعتداءات استهدفتهم وأدت هذه العمليات إلى فرار عشرات الأسر المسيحية من المدينة خوفا على أرواحهم. وفي إبريل 2017 وقع هجومان أثناء قداس “أحد السعف” أو “الشعانين”، وكان أولهما في كنيسة مار جرجس في مدينة طنطا، عاصمة محافظة الغربية، وبعد ساعات، وقع الانفجار الثاني بمحيط الكاتدرائية المرقسية بمدينة الاسكندرية، عندما حاول شرطي التصدي لانتحاري ففجر الانتحاري نفسه. أودى التفجير الأول بحياة نحو ثلاثين شخصا وأصيب أكثر من سبعين آخرين بجروح معظم من رواد الكنيسة. و في مايو 2017 هجوم دام على حافلة تقل مسيحيين في المنيا وسط مصر أودى بحياة 29 شخصا على الأقل.

وقد جاء تكثيف هجوم التنظيمات الإسلامية على المواطنين المسيحيين، باعتبارهم الحلقة الأضعف في صراع هذه التنظيمات مع النظام الحاكم، ففي هذه الأجواء الطائفية التي تعيشها مصر منذ السبعينات لم يعد قتل إنسان غير مسلم شيء مثير للغضب أو الحزن لدى الأغلبية، كما أن هذه التنظيمات الارهابية ستجد بسهولة المرجعية الدينية التي تبرر بها قتل هؤلاء “الكفار” حسب وصفهم بعكس قتل مسلمين حتى ولو كانوا من قوات الأمن.

وبالرغم من أن استهداف المواطنين المسيحيين ودور عبادتهم ومصالحهم الاقتصادية ليس جديد على مصر، إلا أنه لم يكن أبدا بهذه الكثافة، ولعل هذا يرجع إلى قناعة جماعة الإخوان المسلمين وتوابعها من جماعات الإسلام السياسي التي ترى أن المسيحيين كانوا قوام الحراك الشعبي ضدهم وضد مشروعهم الإسلامي، ويروا في الكنيسة المصرية الداعم الأكبر للنظام المصري الحالي.

وإذا كان ظهور البابا تواضروس كممثل وحيد للمواطنين المسيحيين ما دمج بين الايمان المسيحي والممارسة السياسية للمسيحيين في مصر، فقد جاءت تصريحات كبار رجال الكنيسة داعمة ومؤيدة للرئيس السيسي بعبارات صدامة في بعض الأحيان. فالأنبا بولا اسقف طنطا يصف زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية في يوم ميلاد السيد المسيح حسب التقويم القبطي في 7/1/2015 بأنها “فجأة كما ظهر الملاك مبشرا بميلاد المسيح.. فجأة رأينا المسيح داخل الكنيسة يوم ميلاد المسيح” . وقد ظن المواطنين المسيحيين وقتها انهم سيبدأوا في الحصول على حقوقهم المشروعة في المواطنة بعد كل ما قدموا من دعم للرئيس السيسي والنظام السياسي من تأييد ودعم من أجل حماية مصر من الدخول في حرب أهلية، فقد كان دعم الكنيسة واضح وصريح. ففي الاستفتاء على دستور 2014 خرج البابا تواضروس ليحث على التصويت بنعم للدستور الجديد رافعا شعار “نعم تزيد النعم”. وأثناء الانتخابات الرئاسية في 2014 بالرغم من أن الكنيسة لم تصدر أى تصريح رسمي بدعم المشير السيسي لرئاسة الجمهورية إلا أن الأمر لم يمنع بعض الكهنة من توجيه المواطنيين المسيحيين بالتصويت للمشير السيسي وذلك مثل تصريح الأنبا بسنتي أسقف حلوان والمعصرة بالقاهرة الذي قال فيه “شخصيا أدعم السيسي لكن الكنيسة لن توجه الأقباط في التصويت”، ولعل أكبر مظاهر دعم الكنيسة للنظام القائم حاليا هو الحشد الذي تقوم به الكنيسة لاستقبال الرئيس السيسي في رحلاتة للولايات المتحدة لإظهار الدعم له في مواجهة المظاهرات الاخوانية المضادة له. كذلك، يأتي أخيرا تصريح البابا تواضروس بأن “السيسي يستمد قوته من الله.. ولا يعمل من أجل مجدة”.  

ما يثير الدهشة في الأمر هو أن هذه المواقف والتصريحات لا تأتي في سياق حقق فيه المواطنين المسيحيين أى نجاحات في ملف المواطنة ليكون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي للمواطنين المسلمين السُنة. بل على العكس فمازال المواطنين المسيحيين يعانوا نفس الإضطهاد.

فعلى صعيد دور العبادة، لم يصدر قانون دور العبادة الموحد كما هو مطلب كل المهتمين بتأسيس دولة المواطنة في مصر بل تم إصدار قانون لتنظيم بناء وترميم الكنائس وهو قانون اعترض عليه الكثير من القيادات القبطية العلمانية إلا انه تم تمرير القانون بموافقة الكنيسة المصرية.

وعلى صعيد الأحداث الطائفية، استمرت نفس المعالجات القبلية العرفية بعيدا عن اعمال القانون، ولقد كان لقضية تعرية السيدة المسيحية المسنة في المنيا دور كاشف فيما تقوم به السلطة من تمييز ضد المسيحيين، بعد تبرأة المتهمين واتهام ابن السيدة باقامة علاقة غير شرعية مع إمرأة مسلمة.

ولعل أكثر الأحداث كشفا لإضطهاد الدولة المباشر للمواطنين المسيحيين هي حادثة منع الدولة لمسيحي قرية الفرن في محافظة المنيا من الصلاة في أحد المنازل، قيل أولا أنه بسبب الخوف على حياتهم من المتطرفين المسلمين، وقد ثبت كذب هذا الادعاء عندما خرج المسيحيين للصلاة في شوارع القرية دون أن يتعرضوا لأى أذى أو حتى اعتراض من مسلمي القرية، وهو يثير التساؤل حول دور الدولة في الفتن الطائفية. ومع فشل هذا الادعاء، جاء التبرير الثاني بأن المصليين لم يحصلوا على تصريح بالصلاة، وهو تبرير تعترف فيه الدولة بأنها ضد حرية الضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية، فمنذ متى تحتاج مجموعة إنسانية إلى تصريح للصلاة في أحد المنازل؟ هذا لا يحدث إلإ في دولة دينية مستبدة.

وأخيرا يأتي المشهد الختامي والكاشف لمدى ارتباط الكنيسة المصرية بالسلطة السياسية بالصرف النظر عن ما يحدث للمصريين المسيحيين من اضطهاد هو مشهد مشاركة رجال الكنيسة المصرية في الدعاية الانتخابية للرئيس السيسي عن طريق جمع توقيعات حملة “عشان تبنيها” استعدادا للإنتخابات الرئاسية في يونيو 2018.  

وهكذا نخلص إلى أن الكنيسة المصرية منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة، هى كنيسة الدولة وليست كنيسة الفقراء، فهى عبر الزمان تنحاز للدولة ولمصالحها حتى وان تعرض المجتمع ككل أو المواطنين المسيحيين فقط للاضطهاد أو التمييز، وكما رأينا لم تصطدم الكنيسة بالسلطة السياسية إلا عندما تدخلت هذه السلطة في الايمان المسيحي، عندما أرادت بيزنطى  أن تفرض على المصريين نسختها المسيحية، فكان أن وقفت الكنيسة موقف صلب في مواجهتها، وتحملت القتل والنفى والتشريد، بخلاف ذلك كانت الكنيسة موالية للسلطة حتى والمسيحيين مضطهدين وكنائسهم تهدم أو يمنع بنائها أو يمنعوا من ممارسة شعائرهم أو من تولي المناصب العليا في الدولة، سواء كانت هذه السلطة من العرب أو الأيوبيين أو المماليك أو العثمانيين أو دولة يوليو العسكرية الدينية. وتمثل ثورة البشموريين صورة فاضحة لإنحياز الكنيسة للسلطة في مواجهة المصريين الثائريين من أجل حقوقهم الاقتصادية، كذلك موقف الكنيسة من مظاهرات 25 يناير 2011، وأخيرا موقفها من نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يعاني فيه المواطنين المسيحيين على كافة الأصعدة أكثر من أى وقت في العقود الأخيرة، ومع هذا مازالت الكنيسة تعتبر السيسي مؤيد من الرب.

المراجع

1- تاريخ المسيحية الشرقية – عزيز سوريال عطية – ترجمة إسحق عبيد – المشروع القومي للترجمة

2- عن اعتراف الكنيسة المصرية بمعمودية الكنائس الأخرى

http://www.youm7.com/story/2017/4/29/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D9%86%D9%89-%D8%A5%D9%86%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%87-2000-%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AB%D9%88%D8%B0%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9/3211327 

3- الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده – د. حورية توفيق مجاهد – مكتبة الأنجلو المصرية

4- تفاصيل صلح وستفاليا

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%84%D8%AD_%D9%88%D8%B3%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7 

5- عن ثورة البشموريين أو البشامرة

أ- ثورات البشمور – عبد العزيز جمال الدين

http://www.civicegypt.org/?p=53320 

ب- ثورة البشموريين ضد العباسيين – نانا جاورجيوس

http://www.civicegypt.org/?p=64005 

ج- ثورة البشامرة ضد الفتوحات العربية، والمسكوت عنه في التاريخ المصري – هند مختار وطوني المصري

http://raseef22.com/culture/2017/07/15/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%88%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9%D8%8C-%D9%88%D8%A7/

6- إلغاء الجزية في مصر

http://www.alittihad.ae/details.php?id=42938&y=2009&article=full 

7- البابا كيرلس السادس والرئيس جمال عبدالناصر تاريخ من المودة – موقع جريدة الشروق

http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=08032013&id=7ca041cc-3fa2-463e-aba8-d31a4701153b 

8- نص تقرير لجنة العطيفي لحل الأزمة الطائفية – موقع جريدة الصباح

http://www.elsaba7.com/NewsDtl.aspx?Id=154015 

9- جذور الفتنة الطائفية في مصر – عبد الباسط عياش – إضاءات

https://www.ida2at.com/the-roots-of-sectarianism-in-egypt/

10- لماذا أطلق السادات الإسلاميين وليس الليبراليين في مواجهة اليسار؟ مؤمن سلام

http://www.civicegypt.org/?p=62048 

11- الكنيسة القبطية والسياسة في مصر – جورج فهمي – معهد كارنيغي

http://carnegie-mec.org/2014/12/22/ar-pub-57582 

12- الكنائس المسيحية الثلاث ترفض مظاهرات 25 يناير.. وتطالب الأقباط بعدم المشاركة

http://www.almasryalyoum.com/news/details/110724 

13- استمرار المظاهرات في مصر ضد تعيين محافظ مسيحي

http://www.dw.com/ar/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%B6%D8%AF-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D9%85%D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A/a-14996026 

14-  أحداث ماسبيرو

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB_%D9%85%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88_2011 

15- تسلسل زمني لأبرز أحداث العنف ضد المسيحيين في مصر

http://www.bbc.com/arabic/middleeast-38281434 

16- حبس نجل «سيدة الكرم» عامين في قضية «زنى»

http://www.almasryalyoum.com/news/details/1168534 

17- ننفرد بالصور : حواجز امنية لمنع دخول اقباط قرية ” الفرن ” بالمنيا من الصلاة

http://www.copts-united.com/Article.php?I=3093&A=333099 

18- محافظ المنيا عن أزمة “عزبة الفرن”: الطرفان على حق

http://www.masrawy.com/news/news_regions/details/2017/8/23/1142566/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%B9%D8%B2%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%81%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AD%D9%82 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.