العلمانية والأخلاق

أحمد علي 

أثار مقال صديقى العزيز مؤمن سلام لاهوت التحرير رؤية علمانية  ما ذكره فى نهاية المقال عن علاقة العلمانية بالروح وعن مخاوف المتدينين من تصاعد التفكير العقلانى وتهديده للقيم الروحية التى يقوم عليها دينهم وبالتالى تهديد وجودهم  فضولى وهواجس كامنة بداخلى عن علاقة العلمانية بالأخلاق لقد أشار اليها مؤمن فى سياق كلامه بالروح ولكنى أجد الأخلاق تعبيرا أكثر دقة لما يجول فى ذهنى من مخاوف المتدينين  من الغاء القيم الأخلاقية تماما عند تحكيم العقل وكذلك خوفى على النظام العلمانى نفسه من استفراد المباديء القائمة على العقل والمنطق فقط على شؤون الحياة وهنا يأتى السؤال الهام ما دور الأخلاق فى النظام العلمانى وهل هى ضرورية أم لا وكيف نزيل مخاوف التيار الدينى من صعود التيار العلمانى؟

فى تصوري الشخصى التعريف الصحيح للعلمانية ليس فصل الدين عن السياسة فقط وليس فصل الدين عن الدولة أيضا العلمانية لكى نضع لها مفهوما صحيحا يجب أن نضعها فى مكانها الصحيح العلمانية فى تصوري تنقسم لشقين الشق الأول هو الشق العقلى والشق الثانى هو الشق الأخلاقى .

الشق العقلى المقصود به تحكيم العقل فى كل ما يتعلق بالكون فى مسألة وجودية الأله وفى فرضية حدوث الوحى ولو سلمنا بالنقطتين السابقتين فيجب تحكيم العقل فى فهم الكتب الدينية أي أن يسبق العقل النقل اذا سلمنا بوجود الأله وحدوث الوحى

وماذا عن الشق الأخلاقى

الشق الأخلاقى المقصود به التحلى بأكبر قدر من الأنسانية فى التعامل مع المخالف لنا فى الرأي أو الأعتقاد وبناء عليه نشر قيم المحبة والأخاء والعدالة والمساواة مع جميع المخالفين لنا فى منهجنا الفكري أحب جدا التعبير الدارج أن يكسر الأنسان نفسه ويذلها من أجل اسعاد الأخر فى رأيى أهم المقومات الأخلاقية للنظام العلمانى (قبول الأخر-الصبر-التسامح-تذوق الجمال-الحب)

قبول الأخر

العلمانية الحقة يجب أن تتمتع بالمرونة لكى تتكيف مع متغيرات الحياة فمن الوارد أن يتواجد أصوليين دينيين فى دولة علمانية ليس العلاج بقتلهم وانما العلاج بعقد صفقة معهم بناء على قوة الطرفين حتى يتعايش الطرفان فى سلام على سبيل المثال نجد فأوروبا العلمانية الكثير من الأصوليين المسلمين والمسيحيين واليهود يتم احتوائهم جميعا فى اطار اوروبا العلمانية

الصبر

     الطريق لدولة علمانية مازال طويلا جدا وملىء بالعقبات والأشواك والصعاب ويجب أن يتمتع ابناء التيار العلمانى بالصبر   والأستعداد للتضحية وتشويه الظلاميين لهم للوصول لمبتغاهم ولا يحضر فى ذهنى نموذج للصبر أفضل من العظيمة نوال السعداوي  التى تم فصلها من عملها فوزارة الصحة  أيام جمال عبد الناصر بسبب أفكارها ومؤلفاتها ما الذي فعلته هذه الرائعة بعد نكسة 1967؟ لقد عرضت التطوع لمساعدة الجيش هذه هى العلمانية الصبر من أجل الأنتصار للأفكار وحينما ننتقل لحقبة أخري من عمرها بعد سجنها أيام السادات ثم خروجها بعد ذلك لم تتوقف عن الكتابة وأسست جمعية المرأة العربية للدفاع عن حقوق المرأة فكل مرحلة من هذه المراحل كسبت السعداوي جمهور من المتعاطفين معها بل ومؤيدين لأفكارها لم تقم نوال السعداوي بعد تعرضها للظلم المبرح بالسب والقذف لمسئولى الدولة الى ان جاءت الطامة الكبري برفع قضية لاسقاط الجنسية المصرية عنها واتهام الأزهر المتطرف لها بازدراء الدين وتم التحقيق معها من قبل النائب العام بتهمة الكفر والردة هذه التهم التى لا توجد سوي فالقرون الوسطى ولكنها صبرت على ما هى فيه حتى اصبجت نوال السعداوي الكاتبة المشهورة التى تترجم مؤلفاتها فى الكثير من دول العالم وحصلت على الدكتوراة الفخرية من الكثير من جامعات العالم وتم ترشيحها لجائزة نوبل واصبحت أكثر كاتبة مصرية تترجم مؤلفاتها للخارج واصبح لها ملتقاها الشهري فى مصر ملتقى نوال السعداوي الذي تلتقى فيه تلاميذها ومحبيها الذين يأتون اليها من كل صوب وحدب و أصبح لدينا الأن جيل  نستبشر فيه الفكر العلمانى المستنير ويكسب ارضا جديدة كل يوم ويأخذ نوال السعداوي قدوة ونموذج له

التسامح

يجب أن يتمتع ابناء التيار العلمانى بالتسامح واعلاء الهدف على الخلافات الشخصية من أجل تحقيق أهدافهم وأراه أمرا جللا لأنه فى ظل الضغوط الأقتصادية والفكرية فالمجتمع يفقد الأنسان اعصابه أحيانا ولكن بناء مجتمع راقى وصالح يتطلب من الفرد تجاوز ذاته فالكثير من الأحيان حتى نعيش جميعا فى مجتمع أفضل ولنا فالرائع نجيب محفوظ قدوة ومثل أعلى حينما سامح من حاولوا اغتياله بسكين فى محاولة الأغتيال الأثمة  فى أكتوبر 1995 وقال”انه غير حاقد على من حاول قتله وانه يتمنى لو لم يعدما” ويروي الكاتب الكبير خالد منتصر عن لقائه مع وكيل النيابة المستشار أشرف عشماوي الذي كان يحقق فى محاولة الأغتيال والكلام على لسان خالد منتصر” سأل نجيب محفوظ وكيل النيابة الشاب: لماذا قتلونى وما هو منطقهم؟، رد العشماوى وهو خجلان من الوصف «آسف لقد قتلوك لأنك فى نظرهم كافر»!!، فوجئ وكيل النيابة بنجيب محفوظ ينادى على زوجته ويطلب منها إحضار ثلاث روايات من البيت الملاصق لمستشفى الشرطة، استغرب وكيل النيابة وتحول استغرابه إلى صدمة كهربائية لم يستوعبها وقتها، ولكنه عرف بعدها أن من هو فى قامة ووزن وقيمة نجيب محفوظ ليس غريباً عليه أن يتصرف هكذا، أوصاه «محفوظ» أن يهدى تلك الروايات للقاتل!!، واستأذن الناقد الكبير رجاء النقاش أن يكتب الإهداء، أملى عليه جملة بليغة بدأها بإهداء إلى من حاول ذبحه وانتهى بعبارة «وإلى مجتمع لن ينصلح حاله إلا بالثقافة!!

تذوق الجمال 

النظام العلمانى فالأساس هو نظام دنيوي أي انه قائم على اسعاد البشر فالدنيا وبالتالى يجب أن يتمتع أفراده بالقدرة على تذوق الجمال فى كل شىء حتى لو الواقع مزري وقبيح ولكن تذوق الجمال قادر على تحويل اللوحة القبيحة الى لوحة جميلة مليئة بالألوان والزهور وأحد أسباب تذوق الجمال حب الفن والموسيقى والحياة لذا من أهم مقومات النظام العلمانى من وجهة نظري تشجيع الفن وتذوق الموسيقى ولقد قال أحد القدامى من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج

الحب

كما ذكرت فالبند السابق النظام العلمانى هو نظام دنيوي اي ان هدفه اسعاد الناس فالدنيا ولا توجد سعادة بدون حب من المستحيل ان يتمتع البشر بالسعادة دون الأحساس بالثقة تجاه بعضهم البعض وحبهم وقبولهم للأخر وحينما أتحدث عن الحب لا أجد قصة حب أنبل وأرقى من قصة حب خالد الذكر د نصر حامد أبو زيد وزوجته الرائعة ابتهال يونس فى قضية الحسبة الشهيرة التى رفعها عليه أحد المتطرفين بسبب مؤلفاته التى رأي المتطرفيين والظلاميين انها تدعو للألحاد وانها تخرجه من ملة الأسلام وبناء عليه يجب تفريقه عن زوجته لأنه لا يجوز تزويج مسلمة بمن على غير ملتها !!!! وحكمت المحكمة بتفريقه عن زوجته وطبعا هذه القضية تثير الأشمئزاز لدرجة البكاء اوقاتا كثيرة والضحك والسخرية أوقاتا اخري والسبب واضح وهو انه فالنظام الأنسانى وطبقا للاعلان العالمى لحقوق الانسان المادة 16 الفقرة الأولى للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله

لا يوجد فالنظام العلمانى ما يمنع اثنين من الزواج أيا كانت معتقداتهم النظام العلمانى بنيته الأساسية هى الحب والرحمة والحرية وليس تفريق الناس على اساس مذهبى أو دينى أو طائفى

وحينما نعود لقصة د نصر حامد أبو زيد وزوجته سنجد أنها تمسكت بزوجها فى محنته وسافرت معه لهولندا وعادا سويا وتم تعديل قانون الحسبة بعد ذلك وان كان الأولى الغاؤه تماما لانه كما سبق ان ذكرت مخالف للاعلان العالمى لحقوق الأنسان الذي أقرته الأمم المتحدة ومخالف للدستور الذي اقر على احترام المعاهدات الدولية والأتفاقات الصادرة من الأمم المتحدة الذي منها هذا الاعلان

وهنا يأتى سؤال هام ماذا لو لم يتم تحكيم هذا الشق الأخلاقى والأكتفاء بالشق العقلى فى تفسير الكون وبناء عليه ازالة التيار الدينى الذي يحتكم للروحانيات قبل العقل بل أنه يلغى عقله فى أغلب الأوقات نصرة للفكر الدينى؟

الأجابة كلمة واحدة لا تحتمل الأستطراد بمزيد من الكلمات (كارثة) نعم الأجابة كارثة أو حرب أهلية والسبب أنه لا توجد حقيقة مطلقة فى هذا الكون وبناء عليه فان من حق الأنسان المتدين أن يعتقد ما يحلو له حتى لو تعارض ما يقوله عن المنطق البرجماتى عند الفلاسفة والمفكرين أيها السادة يجب أن ننتبه جميعا اننا نتصارع ونتقاتل من أجل أمور غيبية لا يستطيع أكثر أهل الأرض ألمعية أن يجزم بصحتها نحن نتقاتل من أجل الحور العين والدليل على الحور العين مرويات فى الكتب هناك ألف احتمال على عدم صحتها نحن نتقاتل من أجل دخول الجنة والتمتع بالنعيم السرمدي ونحن لا ندري أصلا ما الذي ينتظرنا بعد الموت نحن نخيف أنفسنا وأطفالنا من عذاب النار ونحن غير جازمين بوجودها أيضا اذا فالقتال من أجل الغيبيات هو أمر ينقصه العقل ويفتقر اليه المنطق ويغيب عنه الدقة اذا جاز التعبير ولكن هل هذا معناه هو اعدام من يقتنع بهذه الأمور ؟ الأجابة هى كلا البتة النظام العلمانى البنيان الرئيسى له هو الأخلاق والأخلاق تعنى التنوير وليس الأظلام التنوير يعنى أن تتسع عقولنا ومداركنا لقبول الأخر وليس اغلاق مداركنا أمام رأي الأخر حتى لو كان غير منطقى فى تصورنا لا علمانية بدون اخلاق وديمقراطية حتى فى أشد المجتمعات قسوة وانغلاقا تبقى الأخلاق الحميدة وحدها دون غيرها القادرة على نشر قيم العلمانية وللأستدلال يجب أن نتصفح صفحات التاريخ دعونا نري ما حدث بعد الأحتلال العربى لمصر للمسيحيين بعد ما تم ممارسة ضدهم جميع مراحل التعذيب النفسى على يد الصحابة الذين خيروهم بين الدخول فى الأسلام أو القتل أو فرض الجزية ويدفعونها وهم صاغرين مذلولين مقهورين (وفى هذا رد على جماعة التبرير الذين يبررون فرض الجزية وان المسيحيين كانوا فرحين باحتلال المسلمين لأراضيهم!!! أقول لهم ان كلامكم يتعارض مع نص القران نفسه الذي ألزم حاكم المسلمين بفرض الجزية على النصاري واذلالهم عند دفعها وهو ما يتضح فى جملة وهم صاغرون) دعونا نري وضع المسيحيين الأن بعد قرون من القهر النفسى(أقصد بكلامى هذا ما قبل أحداث 30 يونيو وليست الفترة التى نعيشها حاليا من تهجير الأقباط من منازلهم) لقد ألغى والى مصر سعيد باشا هذا الرجل العظيم الذي تأثر فكره بالثقافة الأوروبية عام 1855 الجزية على غير المسلمين وكذلك فى ثورة 1919 التى كان شعارها الشهير يحيا الهلال مع الصليب وكذلك فى بزوغ نجم رجال الأعمال الأقباط ودخولهم بشكل قوي فى الأقتصاد المصري من كان يصدق أن يحدث هذا بعد قرون من الأستعباد؟ وكيف تم هذا؟ والأجابة على السؤالين السابقين هى ان ذلك تم بالأخلاق التى تعلم الصبر وتحمل الأذي وهذا هو العمود الفقري للعلمانية

ولا أجد ختاما أفضل من مقولة نيلسون مانديلا

 “لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه .. الناس تعلمت الكراهية وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية إذاً بإمكاننا تعليمهم الحب .. خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية”

مقال مؤمن سلام لاهوت التحرير رؤية علمانية

http://www.civicegypt.org/?p=73405

حوار خالد منتصر مع المستشار اشرف عشماوي

https://www.elwatannews.com/news/details/1683513

للتواصل مع الكاتب

https://www.facebook.com/profile.php?id=100009979113445

للاطلاع على مقالات الكاتب

http://www.civicegypt.org/?cat=1708

أحمد على

الأسكندرية-مصر

13/12/2017

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, أحمد علي and tagged , , . Bookmark the permalink.