الرواية الأمازيغية بين السعي لإثبات الذات والاهمال النقدي

الطيب شورن 

رغم الانطلاقة الطيبة والإقلاع الحثيث الذي يشهده الأدب الأمازيغي بشكل عام، والفن الروائي الأمازيغي بشكل خاص، ورغم أهمية التراكم الابداعي الذي عرفه هذا الفن، إلا أنه لم يحظ بنفس القدر من الاهتمام النقدي المتتبع، ومن المواكبة النقدية التحليلية والفنية، التي من شأنها أن تمكننا من الوقوف على جماليات الكتابة الأمازيغية وعلى الخصائص الفنية والتقنيات الموظفة في هذا الضرب الأدبي؛ حيث يعمل النقد الأدبي على تحليل البنى الفنية للأعمال الأدبية وتبيان قيمتها الموضوعية، وقيمها التعبيرية، فضلا عن موضعة الأدب في سيرورة إنتاجية محلية وعالمية، ثم على إبراز فرادة البصمة التعبيرية والابداعية للمبدع. وهي -في اعتقادنا الشخصي- أهم الخطوات النقدية التي يحتاجها الأدب الأمازيغي في وضعيته الراهنة، فمن شأن النقد الأبي بهذا المفهوم أن يحدد لنا اهم السمات والخصائص المميزة للتجربة الابداعية الأمازيغية، بل سيسهم في استشراف آفاق الابداع الأمازيغي وسبل تطويره، من خلال الكشف عن الطاقات الجمالية والقيم التعبيرية الكامنة، وتنبيه المبدعين إلى المطبات والمعيقات التي يجب تجنبها وتجاوزها؛ مما يضع الأدب الأمازيغي على السكة الصحيحة لإنتاج أعمال أدبية بجودة فنية عالية، وقيم تعبيرية خلاقة.

وحيث إن العمل الابداعي الامازيغي، شأنه شأن كل الأعمال الابداعية العالمية، يقوم على التخييل وعلى استعمال خاص للغة، فهو في أمسّ الحاجة إلى أوراش نقدية تعمل على تحليل النصوص تحليلا نصيا فنيا، من خلال تحليل بنى النص الداخلية، وتحديد علاقاتها  المتقابلة والمتوازية ومعمارية بنائها، وكشف مكوناته الحكائية والقصصية ووظائفها…، بغية الوقوف على المميزات الفنية والخصائص التعبيرية والدلالات الرمزية الكامنة في الإبداع الأمازيغي وتحديد هويته وإبراز شخصيته، مما يعني بالنسبة للمبدع كما لمتلقي هذا الأدب الانتقال إلى مستوى آخر من مستويات اكتشاف الذات وإنارة جوانبها المعتمة.

هذا، ورغم أن التجربة الابداعية الأمازيغية لا تزال في بدايتها، وتتلمس خطواتها الأولى، على الأقل على مستوى التدوين،  ساعية إلى وضع أسس إبداع أمازيغي قائم الذات، إلا أن ارتباطها بالقضية الثقافية الأمازيغية، وانشغالها بهاجس الهوية، يجعلها في حاجة إلى تجارب نقدية تثمن المنجز وتقومه بشكل علمي وموضوعي بعيدا عن التجربة النقدية التقليدية التي كانت مسكونة بهاجس التعريف بالأدب الأمازيغي، واتسمت “بغلبة القالب الرومانسي الذي يطبعه التقرير والوصف، مع نبرة اعتزاز بالذات مصدرها شعور مأساوي بالدونية الثقافية والتهميش”([1])، بل إن هذا المعطى يستلزم تعزيز المعايير الجمالية الصارمة، والبت في الصيغ التعبيرية واللغوية وتسليط الكاشف على العوالم الداخلية للأعمال، من أجل الارتقاء بهذا الأدب جماليا وتحفيز المبدعين على البحث والاجتهاد على اقتحام وارتياد آفاق تخييلية جديدة.

ومع صعوبة إدراك الخصوصية الأدبية والجمالية للأدب الأمازيغي باعتماد أدوات النقد العربية أو الفرنسية، إذ لا تسلم هذه الخطوة عادة من الوقوع في نوع من الاسقاط المنهجي والمفاهيمي على هذا الأدب، تنبع الحاجة إلى بلورة لغة أمازيغية نقدية واصفة قادرة على تقويم المنجز الابداعي تقويما موضوعيا، يقف على خصوصية الابداع الأمازيغي وماهيته، وينصف المبدعين عن طريق ابراز جدتهم وبصمتهم الابداعية، كما أن المقررات التعليمية الأمازيغية ومشروع كتابة تاريخ أدبي في حاجة إلى تمحيص الأعمال الأدبية وفرز السمين من الغث فيها عن طريق النقد، حتى نتمكن من استخراج الأعمال التمثيلية والمعيارية، التي تستحق أن تدرج في المقررات الدراسية ونمثل بها في التاريخ الأدبي الأمازيغي.

كما إن خطورة الاستمرار في قراءة الابداع الأمازيغي بغير لغته، تكمن في حرمان اللغة الأمازيغية من التطور والتقدم فكريا وعلميا ومعرفيا، حيث إن صياغة لغة واصفة، لها طرقها ومناهجها ومصطلحاتها ومفاهيها الخاصة، من شأنها تأهيل الامازيغية وجعلها قائمة بذاتها لا تحتاج لوساطة لغة أخرى في مقاربة منتوجاتها ووصفها بحيث تكون لغة الإبداع وتحليله في الآن ذاته فالنقد أو اللغة الواصفة ليست ترفا فكريا، وإنما وسيلة لتطوير اللغة والأدب الأمازيغيين، والرقي بهما إلى مستوى العلمية وانتاج المعرفة.

غير أن الأمازيغية حيث ظلت شفاهية تحيا في كنف الأوساط الشعبية، بعيدا عن المناهج التعليمة والأكاديمية والبرامج الاعلامية، لغة تفتقد إلى العلمية والمصطلحات الدقيقة والضبط التقني، وهي أولى العقبات التي تواجه الراغب في ممارسة النقد الأدبي بالأمازيغية؛ حيث إن “النقد الأدبي ليس عملا ابداعيا يعتمد على التخييل وبعض التفكير والعاطفة ويتمتع بحرية في الصياغة الفنية، وإنما هو عمل فكري ومعرفي يحتاج إلى تصورات نظرية وإلى شبكة مفاهيمية وآفاق منهجية، وإلى دقة في التعبير، توفرها المجالات العلمية التي تشكل السياق المعرفي والثقافي العالم في المجتمع(…) والمعروف، إلى حد الآن أن الثقافة الأمازيغية لم تعرف تلك المجالات العلمية فافتقدت إلى المنهج والمفاهيم والضبط”([2]).

يبقى سبيل تغلب الابداع الأمازيغي على العراقيل التي يواجهها، وتخلص شريحة واسعة من الأمازيغ من التهميش والشعور بالدونية الثقافية، هو الاقبال على الكتابة والتعبير باللغة الأمازيغية، لخلق تراكم كمي ونوعي نستطيع من خلاله تقعيد ومعيرة لغة قادرة على تجاوز حدودها الاقليمية الضيقة وتخاطب الجمهور الأمازيغي العريض في مختلف مناطق اللغة الأمازيغية، بعدها يمكن العمل في إطار مؤسساتي على صياغة لغة أمازيغية واصفة لها طرقها ومناهجها ومصطلحاتها ومفاهيمها الخاصة، في أفق تأهيل الامازيغية وجعلها قائمة بذاتها قادرة على مقاربة منتوجاتها ووصفها بحيث تكون لغة الإبداع وتحليله في الآن ذاته، فالنقد يعتبر الوسيلة الانجع لتطوير اللغة والأدب الأمازيغيين، والرقي بهما إلى مستوى العلمية وانتاج المعرفة.

[1] أحمد عصيد، في الحاجة إلى النقد الأدبي الأمازيغي، أعمال ندوة الابداع الامازيغي واشكالية النقد، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2009، ص 34.

[2] محمد اقضاض، استنبات النقد الأدبي الأمازيغي، أعمال ندوة الابداع الامازيغي وإشكالية النقد، م.س، ص 24.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, الطيب شورن and tagged , , , . Bookmark the permalink.