!هل يُقدم الإسلام مشروع للحياة أم الموت؟

ابراهيم صالح  

لا زلت اتذكر أول كتاب قرأته في حياتي -عذاب القبر ونعيمه-. كنت ساعتها في الثامنة من العمر شعرت بالضيق النفسي والكراهية من كل شيء ساد بداخلي شعور بالألم والحزن لم أستطع التخلص منه إلا منذ سنوات قليلة فقط.وقد كانت هذه والحق أقول مأساتي طوال سنوات حياتي.

 لقد وضع هذا الكتاب أمامي أمرا واحدا فقط ألا وهو كراهية الحياة وإستدعاء الموت مع الشعور المستمر بعدم الأمان من الله نفسه لأنني أولًا لا أعرف كيف أُرضيه حيث لا أستطيع فهمه؛ وثانيا لا أدري ما هي علامات وأمارات رضاه هذا إن وجدت أصلا، ويكفي للتدليل على عدم الأمان الذي داخلني وهزني وأنا صغير أن ترى رجل بحجم وقامة أبي بكر يُعلنها يقول صراحة:” (والله! لو أن إحدى قدمي في الجنة، والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله). فالرجل رغم كونه من المبشرين بالجنة كما هو مشهور عنه في الحديث النبوي لم يأمن لجانب وعد الله، وعجيب هذا الأمر أن لا يثق مؤمن في الله ووعوده.

لهذا فلا غرابة أن نجد سلوك المؤمن حاليا يمتاز بالعنف المستمر سواء في مكان راحته –منزله مع الأولاد والزوجة- أو حتى في مترو الأنفاق وإشارات المرور، هذا لكونه صادر عن نفس مُمزقة لا تعرف مصيرها الأبدي حق اليقين، وأظن أنه لا أحد يستطيع نكران هذا الخوف الرابض بداخله.

الأمر إذا أشبه بفيلم رعب لا يترك فيه المخرج فرصة للمتفرج لجمع شتات نفسه من كثرة أحداث العمل الدرامي المليئ بالزومبي والدماء والضحايا الكثيرين. ولو أننا وقفنا عند آية قرآنية لوجدنا الدعوة الجاهزة للموت السريع تناديك بأعلى الصوت قائلة:” موتوا موتوا ولا تحبوا الآباء والأبناء ولا أعمالكم الناجحة:” قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” }التوبة24]. وحتى عندما تفكر في حب الآخر فستصدمك هذه الآية:” {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ }الممتحنة1. فطلب الموت نداء مستمر من السماء لسكان الأرض{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة216. والقضية المطروحة هنا للنقاش والحوار الهاديء كيف لي أن أُحب وأمامي دعوة مستمرة للموت؟!، كيف لي أن أجد في نفسي مكان للحياة والرغبة في المضي قدما والدين في جملته قائم على الفتك بعدوي وعدو الله ورسوله،هذا مع ملاحظة أن النتيجة الفقهية خلصت إلى أن الإسلام دار سلام ودار حرب -لا وقت ولا مكان فيه للراحة-، وإذا كانت رهبانية المسيحية والأديان الأخرى كالبوذية وغيرهما من ديانات روحية هي التجرد من الذات بالجهاد الروحي تمهيدا لإستقبال إعلانات السماء فإن رهبانية الإسلام بنص الحديث هي القتال نعم القتال, فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت: أوصني , قال: ” أوصيك بتقوى الله , فإنه رأس كل شيء , وعليك بالجهاد , فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن , فإنه روحك في السماء , وذكرك في الأرض”.

الأمر جد خطير ويحتاج إلى رجال شرفاء يدعون الناس للحياة ويجدون مخرج من الموت المتربص بنا في كل مكان بفعل دعوة الموت المستمرة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in إبراهيم صالح and tagged , . Bookmark the permalink.