المعجزة أم التخطيط؟

جورج دميان  

من الواضح جداً لكل مهتم بأمور الشرق الأوسط أن التركيبه الوجدانية، و التربيه الفكرية لشعوب تلك المنطقة غير متوافقة (incompatible)  مع آليات التفكير العلمي المبدع والباني للحضارات.

فتفكيرهم الديني دائماً ما يؤمن بالحلول الفوقية لجميع القضايا، الإلهيه في الأطار الروحي، و الرئاسيه (executive solution) في الإطار السياسي، دون الأحساس بأي مسئولية من جهتهم.

إضافة أن التفكير الديني عندهم أيضاً مرتبط وجدانياً بشدة بفكرة المعجزة، و التدخل الالهي في كسر قوانين الطبيعة التي وضعها، و تعطيل آلية الفعل ورده بالنسبة لهم فعل مقبول و متكرر

لذلك أبناء هذا المنهج غير متحمسون لفكرة التخطيط و تحّسُب المخاطر ورسم الخطط والاستراتيجيات،

و بالتالي عقليتهم دائماً ما تتوقع الحلول السحريه من القياده السياسه بدون تقديم فعل موازي من الفعل أو التفكير استباقي، فهم دائماً يؤمنوا بالحاكم الأوحد والزعيم الملهم الذي يعكس عندهم فكرة الاله المتعالي الذي يحكم بالسلطان المطلق و لا يحتاج للعبد في تسيير أمور الْكَوْن.

مستقبلات ثلاثية الحق والخير والجمال عند ذلك القوم غالباً ما تكون متبلدة أو متعلقة – وربما موسومة- بالنذر  القليل الذي به نص ديني، و حب الحياة عندهم أقرب الي خطيئة!!

ولكن الذي فات أنصار هذا المنهج الضيق أن الله خلق كل شئ بسبب و قاعده، ثم أعطي الانسان السعه العقليه ليبحث ويكتشف تلك القواعد والأسباب!!

ليكون الانسان عاملاً مع الله في أعمار الكون بالعقل الذي وهبه إياه، ومن هنا نشأت العلوم والابحاث وأصبح الفكر العلمي والبحث النقدي لكشف ابداعات ومناهج الخالق في خلقه من فلك و خلية و ذرة و حامض نووي … الخ درب راقي و متميز من دروب العباده، ولكنهم المتدينون أهملوه و بدلوه بالعباده الطقسية والكلامية.

و نسوا في عبادتهم الغيبية النقلية أن الله يحب العاقلين من عباده وأن الذي يفعل الصلاح هو المغبوط عنده، لا المحافظ علي الطقوس والشكل، الغارق في دورات الحفظ والتفريغ لكتابات من ألاف السنين.

فلو جمع أحد قصص اكتشاف البنسلين، و الموجات، و فك الجينوم لأصبح كتاباً مقدساً خليقاً بالقراءة والتدبر، و أضحي إينشتين و إديسون و فلمنج رسلاً أنار الله بصيرتهم و كشف لهم قبساً من ابداعه وسننه في خلق ذلك الكون الفريد، يجدر بنا إجلال سيرتهم شأنهم شأن الآباء و أولوا العزم من الأنبياء!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in جورج دميان and tagged . Bookmark the permalink.