حديث عن الحوثيين

 د.رياض حسن محرم 

الحوثيون فى شمال اليمن يشكلون تاريخيا جزءا أساسيا من المذهب الزيدى، هذا المذهب الذى إنشق على المذهب الشيعى الإثنى عشرى باعتقاده فى إمامة “زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب” خلافا لتسلسل الأئمة الإثنى عشر، ويتمركز الزيود فى منطقة صعدة باليمن، وقد وحكموا اليمن لقرون طويلة آخرهم بيت “حمبد الدين” الذى حافظ على نظام الإمامة الزيدية باليمن حتى سقوطها وقيام النظام الجمهورى عام 1963 بالثورة التى قادها عبد الله السلال على آخر أئمة الزيديين من آل حميد الدين باليمن وهو الإمام أحمد وإبنه البدر واعلان الجمهورية ( المفارقة أن حرب اليمن التى إمتدت 5 سنوات كانت السعودية تدعم فيها الزيديين فى مواجهة الجمهوريين الذين كانت تدعمهم مصر)، ويعتبر الزيديون هم اقرب المذاهب الشيعية الى الفقه السنى” أو كما يعرفونهم بسنة الشيعة” وذلك فى إعتقادهم بعدم عصمة الأئمة من آل البيت وأنه لا عصمة الاّ للأنبياء فقط، وهم لايقرون باقى المذاهب الشيعية فى قضايا أساسية كالتقية والرجعة والبداءة وإهانة الصحابة وخاصة الشيخين أبو بكر وعمر وعائشة.

خاض الحوثيون معارك فقهية حادة مع شيوخ الزيدية منذ أن أسس “بدر الدين الحوثى” ما يعرف بتنظيم “الشباب المؤمن” فى صعدة عام 1991 الذى سعى من خلال إنشائه الى جمع علماء الزيدية فى اليمن تحت لواء الحوثيين والتقريب بين مذهبهم والمذهب الإثنى عشرى المنتشر فى إيران والعراق، ويعد بدر الدين الحوثى الأب الروحى للحوثيين باليمن وينتمى لما يعرف بالزيدية الجارودية “نسبة الى أبى الجارود زياد بن زياد” وهى إحدى فرق الزيدية الثلاث، سافر بدر الدين الأب الى إيران بعد انتهاء معارك 1994 (بين شمال وجنوب اليمن) بصحبة إبنه البكر حسين حيث مكث فيها الى عام 2002 وعاد الإبن الى اليمن قبل أبوه وكانت أول خطوة له بعد عودته تغيير اسم التنظيم من “الشباب المؤمن” الى “أنصار الله” وجاء بفكر جديد أقرب الى المذهب الإثنى عشرى الجعفرى “السائد فى إيران” منه الى الأفكار الزيدية وذلك (رغم أن المذهب الإثنى عشرى لا يعترف بزيد بن على كأحد الإئمة المعصومين)، ودخل “حسين الحوثى” الذى خلف أبوه فى صدام حاد مع علماء الزيدية الذين أصدروا بيانا بعنوان “ضلالات الحوثى وأتباعه” إتهموه فيه بمخالفة أصول المذهب الزيدى وتحوله بشكل كامل الى المذهب الإثنى عشرى.

أدى مزج الزيدية بالاثنى عشرية عند الحوثيين الى ما يمكن تسميته بالمذهب الحوثى الذى تتمثل مرجعيته فى خطب ومقالات “حسين الحوثى” الذى يختلف عن المذهبين الزيدى والاثنى عشرى وإشتق له مرجعيته ومصادره الجديدة وقدّر له أيديولوجية مختلفة عن فكر الزيدية وفقه الإثناعشرية بمذهبية قرآنية مباشرة، وقد غض نظام على عبدالله صالح لمرحلة طويلة النظر عن نشاط الحوثيين محاولا استخدامهم كعنصر توازن فى خريطة الواقع السياسى اليمنى من خلال صراعه السياسى مع “حزب التجمع الوطنى للإصلاح” المعارض ذو الإتجاهات الإخوانية والحركات السلفية والقاعدة من جهة أخرى والسماح له بالقيام بدور إجتماعى وخيرى مخففا العبإ عن الدولة التى إضمحل دورها فى تقديم الخدمات الإجتماعية من تعليم وصحة وخلافه، وساعد ذلك على تمدد نفوذ الحوثيين وتمكنهم من إكتساب أنصار جدد وبسط سيطرتهم على مناطق جديدة مستفيدين من تراجع الحكومة والدعم المادى الخارجى خصوصا من إيران بما سمح لهم بتجنيد عناصر شبابية متحمسة وتقديم خدمات شخصية ورواتب لهم بالتوازى مع رفع شعارات برّاقة ضد أمريكا وإسرائيل.

تحول التنظيم سريعا من مجرد الدعوة الفكرية الى تخزين الأسلحة والتدريب عليها مع وجود سوق مفتوح للسلاح باليمن وانتشاره المفرط بأيدى الجميع (إفتخر صالح يوما بوجود مليون قطعة سلاح بأيدى المواطنين) ودخل الحوثيين صراعات متواصلة وممتدة مع النظام والقبائل اليمنية وعلى رأسها قبيلة “حاشد” بقيادة “آل الأحمر” التى ينتمى لها صالح وخاضوا 7 جولات فى الفترة الممتدة من 2004 الى 2014 ، أولها تلك التى نشبت فى يونيو 2004 وقتل فيها “حسين الحوثى” الذى يظن أتباعه غيبته وأنه إختفى لفترة وسيعود (يقال أن الذين قتلوا على عبدالله صالح هتفوا من أجلك يا حسين، ويقصدون حسين الحوثى وليس الحسين بن على). 

وآخرها التى حدثت فى مارس 2014 وتعد من أخطر المعارك بين الحوثيين والدولة ودارت فى محافظة “عمران” وتم خلالها دحر اللواء 310 مدرع العالى التسليح وقتل قائده والإستيلاء على كامل أسلحته وعلى محافظة عمران بأكملها التى لا تبعد سوى 50 كم عن صنعاء وقتل وجرح العديد من قبيلة “حاشد” القوية وإجبر أفرادها على الفرار وانتهت بإستيلاء الحوثيين على معظم الجزء الشمالى من اليمن.

فى كل معركة دارت خرج منها الحوثيون أكثر قوّة وتماسكا وكسبا للأنصار مع توسع جديد رغم أن الجيش اليمنى أكثر عددا وتسليحا وربما يرجع ذلك الى تشتت الجيش بأكثر من صراع مع جهات عدة فى الداخل من ناحية والتفوق الإديولوجى والإلتزام العقيدى لدى الحوثيين والدعم الإيرانى والقطرى المباشر وغير المباشر.

أثناء الربيع العربى باليمن والثورة على صالح فى 2011 إستمر التصعيد الحوثى بعد المكاسب الأخيرة على الأرض فى عمران والجوف وكتاف مستفيدين من تشتت السلطة ومشاكل المرحلة الانتقالية وعدم تحقق أهداف الثورة على نظام صالح محاولين ركوب موجة الجماهير للمطالبة بالغاء قانون رفع أسعار المحروقات وإقالة حكومة “باسندوة” الفاشلة، ونجحوا فى التحالف مع قوى سياسية راديكالية مثل “الحراك الجنوبى” و”الحزب الاشتراكى اليمنى” وبعض القوى اليسارية والقومية واستطاعوا استقطاب حزب “المؤتمر الشعبى العام” بقيادة على عبدالله صالح ومشاركته فى مخيمات الإعتصام المسلحة حول صنعاء وداخلها.

في سبتمبر 2014، اقتحم الحوثيون مقر الفرقة الأولى مدرع التي يقودها علي محسن الأحمر وجامعة الإيمان الإصلاحية بعد أربعة أيام من الاشتباكات مع الفرقة الأولى مدرع، وسيطروا على مؤسسات امنية ومعسكرات ووزارات حكومية دون مقاومة من الأمن والجيش، وأعقب السيطرة على صنعاء معارك في إب والحديدة والبيضاء مع ميليشيات حزب التجمع اليمني للإصلاح وأُتهمت جماعة الحوثيين بخرق وعرقلة اتفاق السلم والشراكة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقدم عبد ربه منصورهادي إستقالته في 22 يناير 2015 بعد هجوم الحوثيين على دار الرئاسة في 19 يناير، فسارع الحوثيون بتحديد إقامته وأصدروا ما أسموه بالـ”إعلان الدستوري” وقاموا بحل البرلمان، وتمكين “اللجنة الثورية” من قيادة البلاد.

هرب هادى إلى عدن في21 فبراير معلنًا عن نفسه رئيسًا من جديد في بيانٍ نُسب إليه. في 26 فبراير 2015، أصدر مجلس أمن الأمم المتحدة بيانًا يصف فيه عبد ربه منصور هادي المنتهية ولايته بالـ”رئيس الشرعي” مع إعتبار عدن عاصمة مؤقتة، وفي 26 مارس 2015، سيطرت قوات صالح وميليشيات الحوثيين على عدن وهرب عبد ربه منصور هادي إلى السعودية، حيث قرر نقل السلطة الى الرياض بصفة مؤقته.

بعدها إستمرت الأمور فى التداعى كما هو معروف….

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.