!هل ارتكب يسوع الناصري خطيئة كبرى…ومزدوجة؟

حوارات في اللاهوت المسيحي 22

د. جعفر الحكيم   

تعتبر شخصية يسوع الناصري (ايشو ابن يوسف النجار) اكثر شخصية أثارت الجدل والتباين في تقييمها,على امتداد التأريخ, فما بين النظرة اليهودية السلبية جدا,وبين الصورة القداسوية المسيحية المستغرقة في اسطرة شخصية يسوع الناصري,هناك ايضا تقييمات وتصورات أخرى لهذه الشخصية تختلف عن المنظور اليهودي وكذلك المسيحي.

اليهود الصقوا بشخص يسوع الناصري كل الصفات السيئة والقبيحة, و وضعوا له في كتبهم تصورا شيطانيا ومصيرا مخيفا في جهنم, حيث ينال عذابه الأبدي في طبقات جهنم  بين النار والكبريت!

في الجانب الآخر, وضع المسيحيون, تصورا ميثالوجيا وصل الى الحد الاعلى في سقف الطوبائية والغلو, فأصبح هذا الرجل في المخيال المسيحي هو سر الخلاص, وسبب خلق الكون, والوسيلة الوحيدة لنيل الحياة الابدية!

فهذا الشاب اليهودي الذي قام الرومان بصلبه, بعد إهانته والاستهزاء به, هو ذات الشخص الذي عاد نفس الرومان -بعد حوالي ثلاث قرون- وفرضوه إلها معبودا على شعوب امبراطوريتهم المترامية الأطراف, في واحدة من أغرب مفارقات التاريخ المدهشة!  

ومنذ الوقت الذي تبنت فيه السلطة الرومانية الباطشة, الديانة المستحدثة, والقائمة على ألوهية الشاب اليهودي يسوع الناصري, تم التنكيل والقمع بكل المخالفين لهذه النسخة الحكومية من العقيدة الجديدة, حيث تم قتل وتشريد كل مسيحي لايؤمن بألوهية الاقنوم يسوع المسيح!

وبعد أن استقرت فكرة ألوهية واقنومية يسوع المسيح, و ترسخت في اذهان الاجيال, صارت صورة هذا الشاب اليهودي على هيئة الإنسان الكامل،الخالي من كل خطأ او خطيئة, من اجل ان يكون هو وحده المؤهل ليكون الذبيحة المقدمة لفداء خطيئة البشرية اللا محدودة!!

ولغرض مناقشة هذا الادعاء المسيحي, سيكون لزاما علينا مراجعة النصوص التي يلتزم بقدسيتها المسيحيون انفسهم, من اجل فحصها واستنطاقها،لمعرفة صوابية هذا الادعاء من عدمها, واعني بذلك الأناجيل القانونية الأربعة والرسائل, والتي أرخت السيرة الذاتية ليسوع.

في هذا المقال, لا اريد استعراض الأخطاء والتناقضات في الأقوال والأفعال والتصرفات  المنسوبة ليسوع الناصري في نصوص الأناجيل,وذلك لتجنب التكرار, حيث ان هذه السلسلة قد تطرقت الى ( بعض) من هذه الأخطاء والتناقضات في الحلقات (8,15,16)

لكنني سأقتصر على ذكر ومناقشة احد الافعال المنسوبة الى يسوع الناصري, في تلك النصوص, وهو فعل يثير الاستغراب وينسف النظرية العقدية, المؤسسة على قاعدة ان هذا الشخص كان انسانا لا يخطئ وبلا خطيئة!!

الايمان المسيحي يقوم على اساس, ان يسوع المسيح هو ابن الله (الحبيب) الذي ارسله الى العالم من اجل انقاذه وخلاصه, ولكي يستحصل البشر  الحياة الأبدية عن طريق الإيمان به

( لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية)

والمسيح هو (نور العالم) الذي قرر التجسد بشكل انسان, والنزول إلى عالم البشر, من اجل ان يهديهم،ويعرفهم الطريق الحق, لكي يضمنوا الحياة الخالدة، ولا يهلكون, ويشقون في الجحيم الأبدي, مع الشياطين، ولذلك جاء المسيح, من أجل هدايتهم، والتضحية بنفسه فداء لخطاياهم!

ان هذا الهدف العظيم, يستلزم ان يبذل يسوع المسيح قصارى جهده, في سبيل أداء مهمته المقدسة هذه،على أكمل وجه، وأن لا يتوانى في ايصال رسالته, بافضل الطرق, الى اكبر عدد ممكن من الناس، بلا تمييز ولا استثناء!!!…

فهل حقا فعل يسوع المسيح هذا الأمر؟!

عند قراءة إنجيل (مرقص) وهو أول الأناجيل القانونية،من حيث الترتيب الزمني, يصطدم القارئ للاصحاح الرابع من هذا الإنجيل, بتصرف غريب وغير مبرر, ينسبه كاتب الإنجيل إلى يسوع الناصري!

فهذا الإله المخلص, الذي قرر التضحية والنزول الى عالم البشر متجسدا, لكي يهدي البشرية وينقذها, نجده،حين اجتمع إليه حشد كبير من الناس, صار يكلمهم بكلام يحتوي على أمثال تصعب على الفهم!

( وابتدأ أيضا يعلم عند البحر، فاجتمع إليه جمع كثير حتى إنه دخل السفينة وجلس على البحر، والجمع كله كان عند البحر على الأرض.فكان يعلمهم كثيرا بامثال. وقال لهم في تعليمه….) مرقص 4

في هذا النص الإنجيلي, نجد يسوع الناصري, يخطب بجموع الناس المحتشدة, لغرض الاستماع له والاستفادة منه, لكنه كان يتكلم بطريقة تبين حرصه على ان يكون كلامه (مشفرا) وغير مفهوما…حتى لتلاميذه!

الذين سارعوا مع بقية المقربين من يسوع, فيما بعد, الى سؤاله عن معنى كلامه!

(ولما كان وحده سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل) مرقص 10/4

وعندما سأله التلاميذ عن معنى كلامه (المشفر) بالامثال الغامضة, وقبل أن يشرح لهم معنى ذلك الكلام المشفر, قال لهم يسوع كلاما غريبا وغير منطقي, ولا يليق بمصلح جاء ليؤدي مهمته المقدسة والمتفردة،في إنقاذ البشرية, حيث نجده يقول لتلاميذه – بعد ان خلا بهم –

( قد أعطي لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله. وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء!) مرقص 11/4

وحينما نتسائل عن سبب هذا التصرف الغير منطقي من يسوع، يجيب علينا يسوع نفسه بقوله:  

(لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتغفر لهم خطاياهم) مرقص 12/4

يا سلام!!!!….يعني ان السيد يسوع – حسب النص الإنجيلي- كان حريصا على عدم أفهام الناس, وعدم هدايتهم, وابقائهم في تيهان الحيرة والغموض!….والسبب واضح… لان يسوع لا يريد لهم ان يفهموا, فيؤمنوا, ويرجعوا للحق, فيتم غفران الخطايا لهم!!! …..اي انه كان حريصا على اضلالهم وابعادهم عن طريق الهداية والحق!!

ان هذا التصرف الغير معقول, هو بالضد تماما من هدف رسالة يسوع الناصري ومهمته المقدسة،الرامية الى إنقاذ البشر من الهلاك،وإنارة طريقهم بنور الفهم والحقيقة, بل هو تصرف متعمد من يسوع, من أجل اضلالهم, وابقائهم بلا فهم, لكي يكونوا بعيدين عن استحقاق غفران الخطايا والنجاة,والفوز بالحياة الأبدية, مع حرص كبير منه,على تخصيص تعاليمه الواضحة الى مجموعة محدودة جدا من تلاميذه والمقربين منه,الذين اختصهم بشكل (سري) أن يشرح لهم (سر) ملكوت السموات وأن يوضح لهم كلامه المشفر!

وقد يتبادر إلى ذهن البعض منا, أن يسوع الناصري, ربما تصرف كذلك, لانه يعرف ان الاخرين الذين جاءوا ليستمعوا إليه, هم اناس اشرار،وخطاة،ومذنبين, ولا يستحقون الهداية،ونيل الحياة الأبدية, لذلك تعمد يسوع عدم افهامهم وارشادهم!!

والجواب على هذا التساؤل المشروع, سيوضح لنا حجم الخطيئة التي ينسبها كتبة الأناجيل إلى شخص يسوع المسيح!

لان مهمة يسوع اساسا،هي ان يقوم بهداية الأشرار والخطاة،و إرشادهم وتعريفهم طريق الحق والتوبة والخلاص

فيسوع الناصري هو نفسه الذي قال ذلك وكرره كثيرا

( لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى ما جئت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة) مرقص 17:2

ومن هنا يتضح ان التصرف الذي ينسبه كاتب انجيل مرقص الى يسوع الناصري, لا يستحق ان يوصف بالخطيئة فقط، وانما هو خطيئة كبرى!!!…. لأنه بمثابة تقصير متعمد،من يسوع الناصري, يصل لدرجة الخيانة لقدسية رسالته ومهمته العظيمة!  

ويبدو أن السادة كتبة الأناجيل التي تم كتابتها بعد إنجيل (مرقص) قد التفتوا لهذا الفتق الكارثي, فحاولوا التخلص من الورطة من خلال التلاعب بالألفاظ، وتغيير الكلمات، من اجل تضييع الحقيقة!…كما فعل كاتب انجيل (متى)!!

ولو أن الأشخاص الذين كتبوا الأناجيل, اقتصروا على هذه الخطيئة التي نسبوها ليسوع,لهان الأمر!

لكنهم أضافوا إليها خطيئة أخرى, لتصبح خطيئة مزدوجة وقبيحة لا تصدر الا من شخص غير متزن وانتهازي!

فعندما نقرأ إنجيل (يوحنا) نجد يسوع الناصري, حينما سأله كهنة اليهود, أثناء محاكمته،عن عقيدته وحقيقة إيمانه,

يجيب قائلا:

(انا كلمت العالم علانية. أنا علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائما. وفي الخفاء لم أتكلم بشيء) يوحنا 18/20

ان هذا الادعاء يتنافى تماما مع ماذكره (مرقص) وكذلك (متى) في انجيليهما, حيث نجد ان يسوع الناصري(حينما يكون وحده) يخص تلاميذه والمقربين منه (فقط) بالشرح والتوضيح من اجل ان يعرفوا (اسرار) ملكوت السماء….هذه الاسرار التي يستلزم توضيحها, بطبيعة الحال،جلسات(سرية) للمقربين فقط!

وبهذا الشكل يصور لنا الاشخاص الذين كتبوا الأناجيل, يسوع الناصري, بصورة الانسان الخائن لمهمته, والكاذب ايضا حين يتم سؤاله عن حقيقة دعوته واغراضها!!

تماما, مثل المعلم الذي تسند إليه مهمة تعليم جميع طلاب الفصل, لكي يوضح لهم المواد الدراسية بافضل وأبسط الوسائل, لغرض مساعدتهم على الفهم الصحيح, وايصالهم الى عتبة النجاح واجتياز الامتحانات, لكنه يقوم بشرح المادة بشكل مشفر وغامض أمام الفصل, وفيما بعد يختص مجموعة صغيرة فقط من التلاميذ بالشرح المبسط، لأنه حريص على افهامهم (هم فقط)،ولا يريد لبقية التلاميذ ان يفهموا،ويتمكنوا من اجتياز الامتحانات بنجاح, وحين تتم مساءلة هذا المعلم, يقوم بالنكران والادعاء كذبا, انه قد شرح للجميع وبشكل علني ولم يتكلم بالخفاء ابدا!!

ان تصرف مثل هكذا المعلم, لا يمكن وصفه سوى أنه خطيئة كبيرة، وخيانة لرسالة التعليم, مع الكذب الرخيص خوفا من المساءلة واستحقاق العقوبة!

وهذه مع الأسف, هي نفس الصورة التي يرسمها السادة كتبة الأناجيل, لشخصية يسوع الناصري في نصوص اناجيلهم!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د.جعفر الحكيم and tagged , . Bookmark the permalink.