عربيّةٌ لا عُروبة

راني جهاد صيداوي  

كنتُ واقِفًا مَعَ زميلَينِ لي أحَدُهُما إفريقيٌّ مِن ساحِلِ العاجِ والآخَرُ من كوبا نَتَسامَرْ، فمَرّ زميلٌ آخَرُ -وهو لُبنانيٌّ- وسألَني عن شيءٍ ما باللهجةِ اللبنانيّةِ الدّارِجَةِ فأجبتُهُ،

 مِن ثُمَّ أعدتُ الإجابَةَ باللُّغةِ الإنجليزيّةِ احترامًا للرّجُلَينِ الواقِفَينِ مَعَنا; كونَهُما لا يفهَمانِ تلكَ اللهجة. وما أن رَحَلَ حتى بدأ بيني وبينَ زَميليَّ الحوارُ الآتي:

الكوبيُّ: “أنتُمُ العَرَبُ تتحدّثونَ بسُرعَةٍ فائقةٍ مع أنّكُم تُشدّدونَ كثيرًا على الحُروف“.

الإفريقيُّ ضاحِكًا: “كنتُ سأقولُ الشيءَ ذاتَه“.

أنا مُبتَسِمًا: “نتحدّثُ بسُرعَةٍ نَعَم صحيحْ، مَخارِجُ حروفِنا كثيرَةٌ ونُشدّدُ على الكثيرِ مِنها، أجَل. لكن أن تقولوا إنّا عَرَبًا فهذا غيرُ صحيح“.

الكوبيُّ وقَد ارتسَمَت علاماتُ الدّهشةِ على ملامِحِه: “كيفَ ذلك؟ أنتُم تتحدّثونَ العربيّةَ فكيف لا تكونونَ عَرَبًا؟!”. ثمّ أكمَلَ مُمازِحًا: “هل تخلّيتَ عن أصلِك يا راني؟!”.

الإفريقي: “نَعَم صحيح.. بلادُكُم عربيّةٌ وتُطلقونَ عليها اسمَ الوَطَنِ العربيِّ.. فكيفَ لا تكونونَ عَرَبًا؟!”. 

أنا: “يا عَزيزايَ سأجيبُكُما”. نَظَرتُ إلى الكوبيّ قائلًا لهُ: “أنتُم في كوبا تتحدّثونَ الإسبانيّةَ فهَل هذا يعني أنّكُم إسبانًا!؟.. طَبعًا لا”.. فوافَقَني قائلًا: “لَسنا إسبانًا بالفِعل“.

ثمّ أدَرتُ وَجهي نحوَ الإفريقيّ وأكمَلت: “وأنتُم يا عزيزي بساحِل العاجِ تتحدّثونَ الفرنسيّةَ فهَل أنتُم فرنسيّون!؟

فقاطَعَني الإفريقيّ قبلَ أن أُكمِلَ قائِلًا: “نَعَم.. نحنُ فرنسيّونَ“…

فابتَسَمتُ وانتَظَرتُهُ حتى أنهى جُملَتَهُ هذهِ من ثمّ أكمَلتْ: “يا عزيزي، لقد احتلّ الفرنسيّونَ بلادَكُم، ورغمَ أنّ هناكَ عدّةَ لُغاتٍ ولهجاتٍ في وَطَنِكَ اختَرتَ أنتَ لُغةَ الاحتلالِ للتّعبيرِعن نفسِكَ بل وعِرقِكَ أيضًا“…

 ثمّ أشحتُ بوَجهي نحوَ الكوبيّ قائلًا: “تمامًا كما احتلَّ الإسبانُ كوبا وفَرَضوا عَلَيكُم لُغَتَهُم“.

ثمّ أردَفتُ: “ونحنُ أيضًا لَسنا عَرَبًا.. لقد احتلّ العّرّبُ بلادَنا منذُ القِدَمِ وفَرَضوا عَلَينا لُغَتَهُم، شأنُهُم شأنُ كلّ مُحتَلٍ على مرّ التّاريخْ، وأوهَمونا بأنّا عَرَبًا، وهُم مَن أطلقوا على بلادِنا اسمَ الوطنِ العربيِّ مُتغاضينَ عَن حقيقةِ العُروقِ المُختلِفَةِ مِن سُكانِ بلادِنا الحقيقيّينَ، كالآشوريّينَ والأكرادِ في العِراقِ، والسّريانِ في سوريا، والفنيقيّينَ في كلٍّ منَ الأردنّ وفِلسطينَ ولُبنان، والأقباطِ في مِصرَ، والقَبائليّينَ في الجزائِرِ وتونِس والمَغرِب“.

وأكمَلتُ قائِلًا: “نَعَم، يَفرِضُ الاحتلالُ لُغَتَهُ ودينَهُ والكثيرَ مِن عاداتِهِ، ومِنَ المُمكِنِ أن يُغيّرَ وَجهَ المُجتَمَعاتِ ويوهِمَ الشّعوبَ بانتماءِها لعِرقِه، لكنّهُ لا يستطيعُ فِعلًا تغييرَ إثنيّةٍ ما…. لَقَد احتلّ العُثمانيّونَ بلادَنا في القِدَمِ أيضًا، فهل نحنُ أتراكٌ مع أنّا لا نحتسي إلاّ القهوَةَ التّركيّةَ، ونتفنّنُ بالشاورما وكانت الطّرابيشُ لباسًا تقليديًّا لدينا لفترةٍ من الزّمن!؟“.

ثمّ ابتسَمتُ وأكملتُ :”الخُلاصةُ يا عزيزايَ أَنّ إثنيّةَ المرءِ لا ترتبطُ بالضّرورةِ باللّغةِ التي يتحدّثُ بها، أو بالدّينِ الذي يعتنِقُه. ورَغمَ وجودِ أشخاصٍ من أصولٍ عربيّةٍ بالفِعلِ في بلادِنا، تمامًا كوجودِ الإسبانِ في بلادِكَ كارلوس (الكوبي)، ووجودِ الفرنسيينَ في بلادِكَ إيمانيويل (الإفريقيّ) نتيجةَ الاحتلال، إلّا أنّ هذا لا يعني أن تُصبّغَ بلادُنا جميعًا بإثنيّةِ المُحتلّين“.

من ثمّ وجّهتُ كلامي مباشرةً للكوبيّ مُكمِلًا: “إذًا يا عزيزي كارلوس، أنا لَم أتخلَّ عَن أصلي كما اعتَقَدتَ أنتَ، بل بالعَكسِ، قلتُ ما قلتُهُ حتى لا أُنكِرَهْ“.

وهُنا نَظَرتُ للسّاعَةِ فَوَجَدتُ أنّ فترةَ استراحَتنِا قد انتَهَت فأشرتُ إليهِما أنْ وَجَبَ الذّهابُ لمتابعةِ العَمَلِ.. فانطَلَقنا كُلٌّ منّا يحمِلُ ابتسامَةً على وَجهِهْ.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in راني صيداوي and tagged , . Bookmark the permalink.