مصر بين الديانات والجينات

أرنست وليم  

الديانة المصرية القديمة لمن لا يعرفها فحسابه على الوزارة التي اسمها “التربية” من باب السخرية و”التعليم” من باب الامعان في الكوميديا السوداء، هي الديانة التي خرجت من ارض مصر في تفاعل سكانها مع تاريخهم وجغرافيتهم ومناخهم… وكانت في تطور دائم حتى هجرها اهلها لديانات فلسطينية بثوب هيليني او حجازية شديدة التأثر باليهودية الرابينية، وإن مصروها إلى حد كبير.  

المصريون استقبلوا مبشرين مسيحيين فلم تسلم مسيحيتهم من التأثير المصري ليس فقط طقسا وممارسة بل في لب العقيدة وجوهرها، فصارت إلى ما صارت إليه. قبلها الكثير من المصريين طواعية أول الامر، ولكن مع صيرورة الامبراطورية الرومانية مسيحية دخلها من دخلها جبرا بعد ان صارت الديانة المصرية القديمة ممنوعة بقرار امبراطوري صدر عام 391 م من الامبراطور ثيودوسيوس الكبير، فيه منع لأي دين اخر غير المسيحية، مع هدم المعابد وإعطائها غنيمة بغير حرب، ولكن بمناوشات دائمة قتل فيها من قتل في ساحات وميادين الاسكندرية في عصر البابا ثاؤفيلس وابن اخته البابا كيرولس عمود الدين، وانتقل اثرها للصعيد وكان ابرز زعمائها الانبا شنودة عاشق الزعامة بنبرة قومية متطرفة في كل ميادينها طوال النصف الاول من القرن الخامس.

ثم جاء العرب بلفيف من المرتزقة بألوية الحرب لا يطلبون إلا الغنائم، وبقيت المسيحية هي الديانة الغالبة حتى القرن العاشر الميلادي – عصر الفاطميين الذي شهد افضل زمن عاشه اهل الذمة من يهود وأقباط وأسوءها على الاطلاق، فتحول من تحول لأسباب منها التضييق الذي بلغ في بعض عصوره الاضطهاد الفعلي ومنها السعي للعيش بسلام في وفرة بعيدا عن جو الذمية المقيت  فصار المسلمون الغالبية، والإسلام الدين الغالب، وتقلص عدد المسيحيين حتى خلت بلاد كاملة في القطر المصري منهم.

الاعداد الكثيرة من المصريين المسيحيين الذين اختلطوا بالنوبة والشوام واليونان لا يجعل منهم قوم اغراب، واختلاط المصريين المسلمين بالعرب والمغاربة لا يجعل منهم ابناء وطن اخر.

فحتى المصري القديم هو خليط من أهل الارض الذين جاءوها مهاجرين بعد ان ضرب التصحر شمال افريقيا في الالف العاشرة قبل الميلاد، وبعد ان كانت منطقة النيل مهجورة باعتبارها منطقة مستنقعات موبوءة صارت هي المنطقة الوحيدة الصالحة للعيش وإلا اكلت الصحاري الميتة البشر، ثم طوال تاريخها هو تاريخ هجرات إليها واختلاط سكانها بالكوشيين جنوبا، والامازيغ والبونيين غربا، والخبيرو والشاسوا البدو سكان سيناء والجبال الشرقية ما بين النيل والبحر الاحمر، و”اهل البحر” من الجزر المينوية والكريتية واليونانية…، والآسياويين من كنعان- الفينيقة والهلال الخصيب السوري الارامي الاموري الحوري الهند اوربي من  الشمال الشرقي، بل اننا نقول لا يوجد شعب قديم لم يترك جينا له في كروموزوماتنا الوطنية عن طيب خاطر أو بغي وعدوان.

وتاريخ الاسرات المصري القديم خير شاهد على هذا التداخل والتمازج والانصهار بين الشعوب والأعراق، فهو  تاريخ مصري اجنبي مختلط، الوطني فيه كالمستوطن كلاهما متمصر بقدر ما يضيف للمصرية عناصر ثقافية وجينية جديدة متجددة. الاسرة الثانية والعشرون اسرة ملوك امازيغية مغربية، بل أن الامازيغ اختاروا بداية تاريخهم بعام 950 ق. م وهو عام بلوغ الملك شيشنق الامازيغي من قبائل المشوش للعرش المصري دون حروب تذكر بعد ان صاروا بطول المقام بهم في مصر مدافعين عنها ضد هجمات بني جنسهم ككل المصريين بحق، مصريين بالوطن لا بالعرق والدين والعقيدة والجينات، بل من بينهم من صار كهنة بل رئيس كهنة على معابد مصرية خالصة متبنين الثقافة المصرية في ادق تفصيلها بل ربما بغيرة فاقت تمسك المصريين انفسهم بها… وكذلك الاسرة الثالثة والعشرون كانت امازيغية ايضا  في منطقة الشمال بعاصمتهم تانيس – صا الحجر –  بعد ان استقلت القطر الجنوبي بملوك كهنة من طيبة، بل في هذا العصر كجزء من الفترة المعروف بعصر الفوضى أو الاضمحلال الثالث، 1069- 664 م انقسمت فيه مصر إلى ثلاث اقاليم رئيسة مستقلة. والأسرة الخامسة والعشرون كانت كوشية من قلب السودان النوبي والذين فرضوا سيطرتهم حتى الشلال الرابع باسم الإله آمون. ثم الوجود الاشوري وحتى اشور بانيبال ما بين الاسرة الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون. ثم الفرس مختلطين بأبناء عمومتهم من الماديين والباريثيين، ومعهم علاميين واكاديين وبقايا شعوب ما بين النهرين، وأسسوا الأسرة السابعة والعشرون والواحدة والثلاثون حتى تفرد اليونان بقيادة المقدونيين بحكم مصر فالرومان الاتروسك والبلاتين وشعوب شبه الجزيرة الايطالية لمصر. 

وقبلهم استعان احمس الثالث بالأفارقة الاشداء رماة المُقل بسهام لا تطيش والذين كانوا النواة الصلبة لجيشه الذي حقق به انتصاراته في غرب اسيا حتى بلغ الفرات بل تجاوزه في حربه مع الميتانيين في مجدو ثم قادش الاولى وبقي منهم احفادهم في فرق الهجانة للحدود الجنوبية حتى وقت قريب، ثم استعان رمسيس الثاني بالسردينيين والكريتيين والدوريين من سكان جزر البحر المتوسط المحاربين والذي خاض بهم معركة قادش الثانية ضد الحيثيين جنبا إلى جنب مع المصريين والنوبيين، ثم ابنه مرنبتاح الذي لم يجد له مخرجا في حروبه إلى بعون المغاربة الامازيغية فبدأت رحلة استوطناهم في مصر…. 

وبعدهم جاء مصر اقوام من العرب والإعراب ويمنيين من عك، وسكان ادوم ومرتزقة البدو وقطاع الطرق في الطريق من الهلال الخصيب لأرض مصر، ثم جاء الترك الطولونيين والاخشيديين وأستاذ الاساتذة كافور الحبشي، والعبيد الذين جاءوا بيع واسر من كل حدب وصوب وذابوا مع الشعب ذوبان لا انفصام بعده، فالمغاربة مرة اخرى مع الفاطميين، فالأكراد الناصريين فالمماليك من البلقان وارويا الشرقية والقوقاز من غز وشراكسة وجنوب سيبريا ، فالأتراك مرة اخرى بعد ابناء عمومتهم المنغولي والتاتاري والسلجوقي … وبينهم استوطن الارض الفرنسيين اسرى بيبرس البندقداري في موقعة المنصورة 1250 م – وبعدها الطليان واليونان والفينسيين في الاسكندرية ودمياط مع اسرة الالباني الوطني محمد علي الكبير.  

فلا يوجد شعب نقي جينيا، وإلا صار اضعف الشعوب والأكثر عرضة للفناء، فالطبيعة تأبى الضن بالجين تحت تهديد الاندثار. 

.

فالمسيحية ديانة مستوردة والإسلام كذلك، وقد هجرنا معشر المصريين دين اباءنا كجزء من حركة التاريخ بكل حيثياته وتعقيداته، وان تركت ديانة اجدادنا وثقافتهم اثرها الذي لا يمحى في كل ديانات الدنيا وحضارتهم، اجدادنا لا نحن.

وعليه كل قول غير علمي اولا وقبل كل شيء، عنصري سخيف فيه إما استعلاء إما تملق وزيف ومسح جوخ بأن الاقباط هم اصل مصر صاحب الجين المصري الانقى، او أن المسلمين هم اصحاب البلد بحكم الاكتساح الديمغرافي وميزان القوى… كلها اقول ما كان يجب ان نسمعها لو تعلم سكان مصر في مدارس محترمة، وبإعلام متحضر، وبوزارة ثقافة مستنيرة غير تلك التي “لنمنم” على نفسه في دفئ مقعده الذي يبدو انه وسير قلب لسرير بالوزارة وصحبة رضوان النظام عليهم إلى يوم الدين، وقبل كل ذلك من دستور وقوانين ونظام يجعل من المواطنة، لا الانتماء الديني، الاصل في كل امر، وأي تجاوز هو انتهاك لقوانين حقوق الإنسان والمواطنة، وزرع بزور فتنة تذهب بالجميع بعد ان تتخلص من كل اقلية واحدة فواحدة حتى تأكل نفسها في النهاية. أما وهذا هو حال تعليمنا وإعلامنا وترك الساحة للمعممين بكل لون وكسم ولحن بنعرة طائفية وتجهيل لأبسط قواعد المعرفة المنزهة عن الهوى.. فإن حالنا، نحمده على أنه هكذا لأن الطبيعي ليس فقط أن يكون سيء بل ان يكون محال.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, ارنست وليم and tagged . Bookmark the permalink.