ما لاهوت التحرير؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 

حيثما اجتمع اثنان للحديث عن لاهوت التحرير كان هناك ثلاثة أفكار مختلفة حوله. ذلك لأنَّه لم يحدث أن أثار نوعٌ من اللاهوت جدلًا واسعا على أصعدة متعدّدة كما فعل لاهوت التحرير. لأنَّ الاسم أو “الكلاشيه” “لاهوت التحرير” أصبح يُلصَق على أيِّ إنتاج أو عمل لاهوتيّ يتناول تحرير المظلومين والفقراء، بغض النظر عن الكاتب وتوجّهاته وتكوينه اللاهوتيّ وميوله السياسيّة والمنهج الذي يستخدمه. لقد وجد لاهوت التحرير في عقديّ الثمنينات والتسعينات نفسه بين سندان السلطة الرسميَّة (وليس التعليم) للكنيسة الكاثوليكيَّة، أو العديد من الأساقفة ذوي التوجّه اليمينيّ، ومطرقة النظم الاستبداديّة، بشكل خاصّ في قارّة أمريكا اللاتينيَّة وأفريقيا ثمّ في آسيا وأخيرًا في فلسطين من تزمّتات إسرائيليّة تعمل على إخماد صوت المسيحيّين في دفاعهم عن أرض فلسطين، لتصوير الكفاح التحرّري الفلسطينيّ على أنّه إرهاب من جماعات أو منظّمات إسلاميّة.

ييد أنّ الأفكار التي هوجِم لاهوت التحرير بسببها من قِبل بعض الرؤساء الكنسيّين هي موجَّهة للأفكار المغلوطة عنه أكثر ممّا وجِّهَ إلى أفكاره الأساسيَّة. تكمن المشكلة في أنَّ لاهوت التحرير، على عكس اللاهوت الكلاسيكيّ لا يجد من يمثِّله. لذلك أفترض أنَّه في الحديث عن لاهوت التحرير لابدَّ دائماً من ربطه باللاهوتيّ الذي يعبِّر عنه، خصوصًا أنَّه بعد مؤتمَريّ مديّين وپويبلا، صدرت هناك وثائق أخرى مهمّة في أغلب بلدان أوربّا، على سبيل المثال وثيقة «رجاؤنا» في ألمانيا والعديد من وثاق المجالس الأسقفيّة في فرنسا.كذلك في أفريقيا كوثيقة «كايروس» وفي فلسطين الوثيقة المسكونيّة «كايروس فلسطين». للأسف لم تصدر وثائق تضاهي هاتيك الوثاق أهمّيّة هنا في شرقنا العربيّ صادرة عن مجالس أسقفيَّة تتناول مشكلة تحرير الإنسان والمشاركة في الشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للأوطان من منطلقٍ لاهوتيّ.

في الحديث عن لاهوت التحرير، لا يمكن أبدًا الخلط بين لاهوت جوستاڤو جوتييرّث أب لاهوت التحرير الذي يستقي لاهوته من تأمّل كلمة الكتاب، ولاهوت جون سوبرينو الكريستولوجيّ، ولاهوت كمارا الروحيّ، وغيرهم من جهة، وتصرّفات بعض من المحرّرين مثل جون أريستيد[1] من جهة أخرى. فمجال عمل لاهوت التحرير هو قراءة كلمة الله على ضوء الحاضر، على ضوء التاريخ اليوميّ للفقراء والمقهورين. وليس أن يُكوِّن جماعة مناضلين تقوم بالمعارضة لانتزاع الحكم من يديّ طاغية. لاهوت التحرير يبحث في خلاص الإنسان وتحريره على كافّة الأصعدة، ويرفض كلّ تفسير يدجّن الإيمان ويسجنه في ممارسات تقويّة بحته وفي تفسيرات روحيّة محضة. من أجل ذلكَ يكشف لاهوت التحرير أيّ تواطئ بين الدين والنظم القمعيَّة، ويقدّم التفسيرات الكتابيَّة واللاهوتيَّة التي تحول دون استخدام النصّ المقدَّس كوثيقة تبرير للقهر والظلم والاحتلال، كما الحال في فلسطين

لم تدن الكنيسة الكاثوليكيّة أبدًا هذا اللاهوت، فلاهوت التحرير نشأ بالأساس في أمريكا اللاتينيَّة وقام أساقفة قارّة أمريكا اللاتينية جميعهم (كان يمثّل عدد الكاثوليك هناك وقتها نصف عدد أتباع الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم) بعمل سينودس في مديّين وصاغوا وثيقة ضخمة تعبّر عن أفكارهم وتطلّعاتهم وتضامنهم مع الفقراء والمظلومين، عام ١٩٦٨. ثم اجتمعوا مرّة أخرى في پويبلا، وافتتح السينودس البابا القديس يوحنّا بولس الثاني بنفسه. وصاغوا أيضًا وثيقة مهمّة بشأن لاهوت التحرير والتضامن مع الفقراء والمهمشين والمظلومين في القارّة. كل الوثائق متاحة على الإنترنت ولكن للأسف ليست باللغة العربية. متاحة على موقع مجلس أساقفة أمريكا اللاتينيَّة.

Celam.org

لم تصدر حتى الآن منذ صياغة لاهوت التحرير أيّ وثيقة من الفاتيكان تدين هذا اللاهوت. ما حدث هو أن استجوبت الكنيسة بعض اللاهوتيّين حول أحد أو بعض كتاباتهم، وأصدرت خطابا يفنّد الأفكار المغلوطة لكاتب بعينه في كتابه المحدّد. وتوجد الوثائق بأكثر اللغات أهمّيّة إلّا باللغة العربيّة على موقع عقيدة الإيمان بالڤاتيكان: http://www.vatican.va/…/congregati…/cfaith/doc_doc_index.htm

قام الكاردينال يوزف راتسنجر (البابا بندكتوس السادس عشر فيما بعد) رئيس مجمع عقيدة والإيمان سنة ١٩٨٤ بكتابة وثيقة تعّبر عن رأي الكنيسة الرسمي بشأن لاهوت التحرير، ولم ترد فيها أيّ إدانة. بل ما ورد فيها استنكار لبعض الأفكار المغلوطة وتأييد للفكر اللاهوتيّ الذي ينظر إلى الفقراء ويسعى إلى خلاصهم انطلاقًا من «إنجيل يسوع المسيح، الذي هو رسالة حريَّة وقوَّة من أجل التحرير… »، راجع الوثيقةhttp://www.vatican.va/…/rc_con_cfaith_doc_19840806_theology

كما لاحظتم نقص الوثائق باللغة العربية والترجمات يمكن أن يشير أيضًا إلى مستوانا في الفكر اللاهوتيّ نحن الناطقين بلغة الضادّ، ومستوى اهتمامنا به في مصر بشمب أخصّ. نأمل أن يكون إصدار ترجمة عربيّة لأهم كتب جوتييرّث، أحد أهمّ رواد لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة أن يكون فاتحة خير لإنتاج تأمّل لاهوتيّ شرق أوسطيّ عربيّ جديد، يتّخذ واقعنا االجعرافيّ والسياسيّ والثقافيّ واللغويّ في سبك لاهوت لا يغرّب الإنسان عن عن واقعه، ويجعله فاعلًا في بناء ملكوت الله على الأرض، ملكوت العدالة والمحبّة والسلام.

[1] كاهن ساليزيانيّ من هاييتي، اشترك فعليًّا مع جماعات معارضة للحكم الديكتاتوري في بلده. طلبت الرهبنة منه أن يتركها بعد ضغط عليها من الحكومة. وفي أوّل انتخابات ديمقراطيّة وحرَّة أنتخبَ رئيسًا للبلاد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in جون جبرائيل الدومنيكانيّ and tagged , . Bookmark the permalink.