ما رأيته وتعلمته في معسكرات كوليما – فارلام شالاموف

ترجمة مازن كم الماز   

1 ( شاهدت ) الهشاشة الهائلة للطبيعة الإنسانية , للحضارة . يتحول الكائن البشري إلى وحش بري بعد ثلاثة أسابيع من العمل الشاق , البرد , الجوع و الضرب 

2 البرد هو الوسيلة الرئيسية لإفساد الروح , لا شك أنهم صمدوا لفترة أطول في معسكرات آسيا الوسطى – لأن الطقس أكثر دفئا هناك

3 تعلمت أن التضامن و الصداقة لا يوجدان أبدا في ظروف صعبة شاقة حقا , عندما يتعلق الأمر بالبقاء على الحياة . تنشأ الصداقة في ظروف صعبة لكن محتملة ( في المستشفى مثلا , لكن ليس في المنجم أبدا )

4  تعلمت أن الحقد ( السخط ) هو الشعور الإنساني الأخير في سبيل البقاء . يملك الإنسان الجائع ما يكفي من اللحم فقط لكي يحقد – إنه لا يكترث لأي شيء آخر

5  تعلمت الفرق بين السجن , الذي يقوي الشخصية , و بين معسكرات العمل (العبودي) التي تفسد الروح البشرية

6  تعلمت أن “انتصارات” ستالين كانت ممكنة لأنه ذبح بشرا أبرياء : لو كانت هناك حركة منظمة بالفعل , حتى لو أقل بعشر مرات لكن منظمة , لكانت أطاحت بستالين في يومين

7  تعلمت أن البشر يصبحون بشرا لأنهم أقوى جسديا , أصلب من أي حيوان – لا  يمكن لأي حصان أن يتحمل العمل في أقصى الشمال

8  رأيت أن المجموعة الوحيدة التي حافظت على شيء من إنسانيتها رغم الجوع و الاضطهاد , كانوا المتدينين , الطائفيين , في معظمهم – و غالبية القساوسة ( رجال الدين )

9  أول الذين ينهارون , و الأكثر هشاشة , هم أعضاء الحزب و الجيش

10  رأيت كم هي الصفعة على الوجه حجة مقنعة بالنسبة لأي مثقف

11  أن البشر يميزون بين رؤوساء المعسكرات حسب قوة قبضاتهم , و حماستهم للضرب

12  الضرب أسلوب نقاش مقنع دائما ( “الطريقة رقم ثلاثة” )

13  عرفت الحقيقة عن التحضيرات للمحاكمات الصورية من أرباب الصنعة أنفسهم

14  عرفت لماذا تصلك الأنباء السياسية ( عن الاعتقالات و غيرها ) في السجن أسرع من خارجه

15  أن الشائعات في السجن ( و المعسكر ) هي دائما أكثر من مجرد كلام فارغ

16  عرفت أنه يمكن للإنسان أن يعيش على الحقد فقط

17  و أنه يمكن للإنسان أن يعيش على اللامبالاة فقط

18  تعلمت كيف أن الإنسان يعيش , لا على الأمل – هناك لا يوجد أي أمل على الإطلاق , و لا على الإرادة , أية إرادة , بل فقط على غريزة البقاء , تماما مثل شجرة أو صخرة أو أي حيوان

19  أنا فخور أنني قررت من البداية , في عام 1937 , ألا أصبح مشرفا على سجناء آخرين إذا أدى قراري إلى موت أحدهم , إذا أكرهت على خدمة السلطات لقمع بشر آخرين , سجناء مثلي 

20  تبين أن روحي و جسدي أقوى في هذه المحاكمة الكبرى مما كنت أتوقع , و أنا فخور لأني لم أخن أحدا و لم أرسل أحد إلى الموت أو إلى المعسكر , أني لم أسلم أي شخص

21  أنا فخور أني لم أتقدم بأية طلبات قبل عام 1955

22  رأيت بأم عيني “عفو بيريا” مرات و مرات – و كان ذلك شيئا يستحق المشاهدة

23  رأيت أن النساء أكثر صدقا و أقل أنانية من الرجال – لم يأت رجل واحد إلى كولميا ليلحق بزوجته . لكن كثير من النسوة جئن إلى هنا . ( فانيا رابينوفيتش , زوجة كريفوشي )

24  رأيت العائلات الرائعة التي تسكن الشمال ( مدنيون و سجناء سابقون ) و شاهدت رسائلهم إلى “أزواجهم و زوجاتهم الشرعيات” الخ

25  شاهدت “أول الروكفلرات السوفييت” , أوائل المليونيرات السريين , و استمعت إلى اعترافاتهم

26  شاهدت من يقومون بالأشغال الشاقة و أيضا المفرزتين إي و بي , في معسكر بيرلاغ

27  تعلمت أنه يمكن للإنسان أن ينجز الكثير ( الذهاب إلى مستشفى , تغيير مكان العمل ) مقابل المخاطرة بحياته – مقابل التعرض للضرب و برودة الزنزانة المنفردة

28  شاهدت زنزانة منفردة محفورة في الصخر و قضيت ليلة فيها  

29  أن شهوة السلطة , ارتكاب جرائم قتل دون عقاب , هائلة جدا – عند الجميع , من كبار المسؤولين حتى رجال الشرطة النظاميين المسلحين بالبنادق ( سيروشابكا و أشباهه )

30  تعلمت عن شهوة الروس غير المحدودة لاتهام الآخرين و التشكي

31  تعلمت أن العالم لا ينقسم إلى بشر جيدين و سيئين بل إلى شجعان و جبناء . و أن 95 % من الجبناء قادرين على القيام بأي خسة , مهما كانت قاتلة , بعد شيء من التخويف

32  أنا مقتنع : أن المعسكر تجربة سيئة – بالكامل . اذا قضى المرء ساعة واحدة هناك – فإنها ستكون ساعة من الانحطاط الأخلاقي . لم يمنح المعسكر أي شخص أي شيء يذكر – و لا يمكنه ذلك أبدا . الجميع , سجناء و مدنيون , يدفعهم المعسكر إلى الانحطاط

33  هناك معسكر للعمل ( العبودي ) في كل منطقة , هناك معسكر في كل موقع بناء . و ملايين , عشرات ملايين السجناء

34  لم يمس القمع النخبة الحاكمة فقط , بل كل طبقات المجتمع – كل قرية , كل معمل , كل عائلة , ( في كل مكان ) تعرض الأقرباء أو الأصدقاء للقمع 

35  أعتبر الأشهر التي قضيتها في زنزانة في سجن بوتيركي أفضل وقت في حياتي , حيث تمكنت من أن أقوي روح من ضعفوا و حيث تحدث الجميع بحرية

36  تعلمت أن “أخطط” ليوم واحد فقط لا أكثر

37  تعلمت أن زعماء “العصابات” ليسوا بشرا

38  أنه لا يوجد مجرمون في المعسكر , هناك فقط الجيران الحاليين ( و المستقبليين ) الذين احتجزوا خلف حدود القانون لا الذين تجاوزوها

39  تعلمت كم هي مريعة الأنا الخاصة بأي فتى أو بشاب : أفضل أن أسرق من أن أطلب . هذا و تفاخرهم يلقي بالشبان إلى الهاوية

40 لم تلعب المرأة دورا مهما في حياتي – بسبب المعسكر 

41  أن الحكمة الشخصية هي بلا جدوى – لا يمكنني تغيير طريقي بسبب أي حثالة يقف في طريقي

42  الأخير في أي صف يكرهه الجميع – الحراس و رفاقه بنفس القدر – هم الذين يتأخرون , المرضى , الضعفاء و غير القادرين على الركض في البرد

43  تعلمت أن السلطة تعني رجلا يحمل مسدسا

44  أن الميزان مقلوب , و أن هذا هو ما يميز معسكرات العمل 

45  أن الانتقال من ظروف السجن إلى الحياة المدنية صعب جدا , و أنه مستحيل تقريبا دون المرور بفترة تأقلم طويلة   

46  أنه على الكاتب أن يكون غريبا عن المواضيع التي يصفها . و إذا كان يعرفها جيدا فإنه سيكتب بطريقة لن يفهمها غيره .

نقلا عن

What I Saw and Learned in the Kolyma Camps // Varlam Shalamov

 فارلام شالاموف ( 1907 – 1982 ) كاتب “سوفيتي” , شاعر و سجين سابق في معسكرات الغولاغ .. اعتقل مرتين بسبب دعمه للمعارضة التروتسكية و توزيعه لوصية لينين التي انتقد فيها القادة البلاشفة جميعهم , ستالين خاصة .. أصيب بالتيفوس أثناء سجنه و نجا من الموت عندما خاطر طبيب المعسكر بحياته بإرساله إلى مستشفى المعسكر .. أطلق سراحه عام 1951 و أعيد تأهيله في الخمسينات .. نشر مذكراته في معسكرات الغولاغ في حكايات من كوليما ..

كوليما : منطقة في أقصى الشرق السيبيري , تتراوح درجة الحرارة فيها في الشتاء بين – 19 و – 38 و 3 إلى 16 في الصيف , المنطقة غنية بالذهب و الفضة و الفحم و كثير من الخامات الأخرى , سكنت المنطقة شعوب مختلفة عاشت تقليديا على الصيد .. اكتشف الذهب و البلاتينوم في كوليما في أوائل القرن العشرين , مع بدء الخطة الخمسية الأولى ( 1928 – 1932 ) انتشرت معسكرات الغولاغ في المنطقة و كان إرسال آلاف العمال إلى مناجم المنطقة جزءا هاما من تلك الخطة الخمسية , بنى هؤلاء العمال – العبيد مدينة ماغادان عام 1932 .. ينقل الكسندر سولجنستين عن قائد المعسكر في كوليما قوله في عام 1937 , “علينا أن نعصر كل شيء من السجين في ثلاثة اشهر , بعد ذلك لا يلزمنا في شيء” .. مات عشرات الآلاف في كوليما , و كان من بين الذين خرجوا من هناك أحياء توبوليف مصمم الطائرات و كوروليوف مصمم الصواريخ الروسية المعروف ..  

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, مازن كم الماز and tagged , , , . Bookmark the permalink.