من مؤسس الدولة الدينية؟ عبدالناصرأم السادات؟

طلعت رضوان   

روّج الناصريون وغيرهم لمقولة أنّ السادات هوالذى (دشـّـن) الدولة الدينية فى مصر، وذلك باحتضانه للجماعات الإسلامية، وأنه أطلق الإسلاميين على الجامعات للتخلص من اليساريين. وبالرغم من اعترافى بأنّ هذا ما حدث بالفعل، أعتقد أنّ الترويج للأصولية الإسلامية بدأ فى عهد عبدالناصر، ودليلى على ذلك مؤسسات الدولة ومنها مؤسسة الأزهر.

لاتكتفى مؤسسة الأزهر بالتفرقة بين شعبنا على أساس الدين بالنسبة لحق التعليم، ولا تكتفى بانفاق المال (المصرى) على آلاف الطلبة من كل دول العالم لمجرد أنهم مسلمون، ولا تكتفى بارسال البعثات إلى دول العالم، وهى بعثات تـُكلــّـف ميزانية الدولة ملايين الجنيهات بهدف نشرالإسلام (= تبشير) وكأنّ مصرأنهتْ مشاكل البطالة وأزمة السكن (سكان المقابر والخيام والأرصفة) ومشاكل التعليم (فصول مُكـدّسة ومدارس آيلة للسقوط) وأزمة البحث العلمى ومأساة العلاج. ولا تكتفى مؤسسة الأزهربمصادـرة الكتب، وإنما تــُـصدرمجلة شهرية باسم (مجلة الأزهر) ترفع معاول الهدم لشق الوطن الواحد وطنيْن وتقسيم الشعب الواحد إلى شعبين. 

فبينما اجتهد البابا شنودة فى محاولة منه لوضع حد لمشكلة التثليث وهل يتنافى مع التوحيد (وهى مشكلة ينشغل بها المسلمون رغم أنّ الاهتمام بها لن تحل مشكلاتهم الاجتماعية) فإذا بمجلة الأزهرترد عليه مؤكدة على أنّ المسيحيين مشركون. فماذا قال البابا؟ قال ((إنّ مشكلة الذين يُحاربون التثليث أنهم يفصلونه عن التوحيد. ويظنون أنّ التثليث المسيحى لون من الشرك أوتعدد الآلهة. ولكننا كمسيحيين نقول: إننا نؤمن بإله واحد لاشريك له. لانؤمن إطلاقــًا بثلاثة آلهة لا علاقة لها بالمسيحية. فالمسيحيون يؤمنون بإله واحد لاغير. بل يرون أنّ الإيمان بأكثرمن إله أمر يتنزه عنه حتى الشيطان)) والبابا لم يكتف بالصيغ الإنشائية بل أسّس رأيه بآيات من القرآن. ولو أنّ مؤسسة الأزهرمؤسسة وطنية (مصرية الوجدان والعقل) لرحـّبتْ بذلك الاجتهاد وطوتْ صفحة النقاش وابتعدتْ عن لغة التكفيرواهتمتْ بما ينفع شعبنا، ولكنها كلــّـفتْ أحد مشايخها للرد فكتب مخاطبًا البابا ((ما دمتَ تستشهد بالقرآن على أنكم لستم مشركين ويتبين خطؤكم فى الاستشهاد بترككم بقية النسق القرآنى. فماذا تقولون فى وصفكم بالشرك بالله فى قوله تعالى ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألانعبد إلا الله ولانشرك به شيئــًا ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله. فإنْ تولوا فقولوا اشهدوا بأنــّا مسلمون)) فقد دعتكم الآية إلى ترك عبادة المسيح وغيره وأنْ لاتــُشركوا بالله شيئا. وقد نصّ ميثاق الإيمان الذى أقره مجمع نيقيه لدينكم على ربوبية كل من الآب والابن والروح القدس. وسمى هذا توحيدًا مع توغلها فى الشرك. وأكثر من هذا أنكم حصرتم هذا الشرك فى السيد المسيح، فجعلتموه أبًا وابنــًا وروح قدس. ولهذا تعبدونه. ولقد نعى عليكم القرآن هذا فقال ((لقد كفرالذين قالوا إنّ الله هوالمسيح ابن مريم. قل فمن يملك من الله شيئا إنْ أراد أنْ يـُهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعًا)) (سورة المائدة/17) ثم أضاف ((عندنا العهدان القديم والجديد ولقد قرأناهما وعرفنا منهما كيف ضيّعتم الحق الإلهى، حق التوحيد المُطلق النظيف من تلك التناقضات التى ورثتموها عن أسلافٍ أعدموا أناجيل التوحيد وورّثوكم أناجيل متناقضة، قطعتْ عنكم المدد الإلهى الذى يُضيىء لكم سبيل الحق)) ثم أشارلدراسة مقارنة بين عقائد المسيحيين حاليًا وعقائد (الوثنيين) من براهمة الهند وكذا عقائد البوذيين. وأنه سيكتفى بنشرالمقارنة الأولى لأنّ الثانية تــُـشبهها تمامًا. ثم تنقسم صفحة المجلة إلى قسميْن رأسييْن لعقد المقارنة بين عقائد (الوثنيين) وعقائد المسيحيين (مجلة الأزهر- يناير 85- من ص 500- 503) استخدم الشيخ كاتب المقال تعبير(التوحيد النظيف) وبمفهوم المخالفة فإنّ غيره (غيرنظيف) وهكذا تكون (أخلاق أحد الشيوخ) وأشارلوجود (أناجيل التوحيد) التى تم إعدامها. فإذا كانت تلك الأناجيل من عند (الله) فلماذا لم يمنع إعدامها وه القادر على كل شىء؟ والسؤال هوهل تلك الكتابة تـُساعد على قيام (وحدة وطنية) بين أبناء شعبنا أم على هدمها؟  

وإذا كان حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين اعتمد على حديث محمد ((من مات ولم يغز ولم ينوالغزومات ميتة الجاهلية)) وإذا كان محمد عبدالسلام فرج منشىء تنظيم (الجهاد) ومؤلف كتاب (الفريضة الغائبة) المُعتمد لدى كل الجماعات الإسلامية التكفيرية، يعتبرأنّ فكرة (الجهاد) فى سبيل الله لن تكون إلاّبالسيف اعتمادًا على حديث محمد ((بعثتُ بالسيف بين يدى الساعة حتى يُعبد الله وحده لاشريك له. وجعل رزقى تحت سن رمحى. وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى. ومن تشبّه بقوم فهومنهم)) (الفريضة الغائبة- ص 154) 

وإذا كانت الجماعات الإسلامية تعتمد آيات القرآن مرجعًا لها مثل ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا من يلونكم من الكفاروليجدوا فيكم غلظة)) (التوبة/123) كما يعتمدون على حديث محمد ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله. وأنّ محمدًا رسول الله. فإنْ فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلاّبحق الإسلام)) فإذا كانت تلك المرتكزات هى المرجعية للجماعات التكفيرية التى يصفها الإعلام البائس ب (المُتطرفة) فهل اختلف موقف مؤسسة الأزهر(غيرالمُتطرفة حسب التقسيم الإعلامى)؟ ففى مقال لأحد مشايخ الأزهر ردّ فيه على المستشرقين الذين يفترون على الإسلام (من وجهة نظره) وركــّـزعلى المستشرق (فنسنك) فكتب ((وبعد الطعن فى عالمية الإسلام وإنكارورودها فى القرآن، يصل المستشرق للمرحلة الثانية من خطته وهى الطعن فى الحديث، فزعم أنّ الصحابة وضعوا أحاديث فى عالمية الإسلام ليُبرّروا بها الفتوحات الإسلامية التى امتدّتْ بعد وفاة الرسول من شبه الجزيرة العربية لمعظم أنحاء العالم، وحملتْ معها الدعوة العالمية للإسلام، ومن هذه الأحاديث حديث ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله)) ولكى يُزيل الكاتب أية شكوك يُمكن أنْ تــُـساورالقارىء حول هذا الحديث خشية الظن أنه موضوع أوضعيف العنعنة أومختلف عليه، فإنه وضع بعد نص الحديث مباشرة العبارة التالية بين قوسيْن ((مُتفق عليه)) (مجلة الأزهر- نوفمبر90- ص 448) 

ومما تقدّم تتضح المفارقة التالية: المُستشرق الأوروبى يجتهد لنفى أنْ يكون الرسول قد صدر عنه حديث ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس إلخ)) لأنه حديث يؤكد أنّ الإسلام انتشر بقوة السيف وقتال كل من يرفض الإسلام. وذهب المستشرق إلى أنّ ذاك الحديث من وضع الصحابة. ولكن الدكتور الشيخ كاتب المقال رفض ذلك الاجتهاد ونصّ صراحة على أنّ ذلك الحديث (متفق عليه) فهل يحق لنا أنْ نلوم الجماعات الإسلامية التكفيرية التى ترفع شعار(الجهاد) بقوة السيف وقتال كل من تحكم عليه ب (الكفر)؟ ومع ملاحظة أنّ أعضاء تلك الجماعات أخذوا معلوماتهم من مؤسسة الأزهر، التى تــُروّج لكتب ابن تيميه وحسن البنا وسيد قطب، أى شيوخ التكفير. وهل هناك فرق – كما يُصرالإعلام البائس والثقافة السائدة الأشد بؤسًا- بين تلك الأسماء والجماعات الإسلامية الإرهابية ومؤسسة الأزهر؟ فإذا امتدّتْ يد أحد أعضاء الجماعات الإسلامية الإرهابية وقتلتْ (كما حدث) فضيلة د. محمد حسين الذهبى وزيرالأوقاف الأسبق، أوقتلتْ رئيس الدولة (السادات) أوقتلتْ مفكرًا وطنيًا (فرج فوده) إلخ ألايحق القول أنّ القاتل مجرد (أداة) ويجب البحث عن المُحرّض، وأنّ ذاك المُحرّض هوالفاعل الحقيقى؟ 

فى المثال الأول (مشكلة التثليث) نموذج لانشغال المسلمين والمسيحيين بموضوع ميتافيزيقى غيبى لن يحل لهم مشاكل الفقر أودكتاتورية الحكم إلخ، موضوع تخلــّـصتْ منه الشعوب المُتحضرة ولم تعد تنشغل به، بينما ينشغل به فى مصر الكهنوت الدينى فى المؤسستيْن الرسميتيْن (الأزهر والكنيسة) وفى النموذج الثانى تكريس للعنف المادى والمعنوى وإكراه البشرعلى اعتناق الإسلام أوالقتل، وكل ذلك فى مجلة تصدرعن مؤسسة رسمية وتــُموّل من ميزانية الدولة، أى من عرق الفلاحين والعمال ومن كل مواطن شريف، وبدلامن توظيف تلك الأموال للتنمية والتقدم، يتم توظيفها لتكريس الغيبيات مرة والعنف مرة أخرى. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, طلعت رضوان and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.