رواية “السمسار” لعمرو كمال حمودة

قراءة سوسيولوجية لمصر في نصف قرن

د.ندى يسري  

مدرس الأدب العبري الحديث والمقارن بكلية الآداب جامعة الإسكندرية

لطالما شغلت العلاقة بين الأدب والمجتمع أذهان النقاد قديما وحديثا، فبعضهم يرى الأدب رؤية جمالية تسعى نحو الفن في ذاته لا أكثر، فيما يرى آخرون أنّ الأدب بعامة – والرواية بخاصة – لا يمكن أن ينعزل عن المجتمع وحركة التاريخ والأيديولوجيا.

والحق أنّ سوسيولوجيا الأدب تأتي لتقيّم حركة الأدب في اتصاله بالمجتمع بشتى متغيراته السياسية والثقافية والدينية وغيرها من الجوانب التي تشكّل حراكا اجتماعيا ينعكس على الأفراد والجماعات.

وهو ليس ميدانا ثابتا منذ ظهوره، وإنما هو اتجاه متطوّر؛ فقد ظهرت الدراسة فيه في البدء منذ القرن التاسع عشر مع كتابات (مدام دي ستيل) لتشير إلى دراسة الأدب من حيث علاقته بالمؤسسة الاجتماعية. ثم تطوّر أسسه ومفاهيمه مع كارل ماركس الذي استطاع أن يعطينا تفسيرا موضوعيًّا للعلاقة بين الأدب والمجتمع، إذ اعتبر أنّ الأدب ظاهرة اجتماعية نسبية، وأنّ الكاتب يعبّر في أعماله عن وجهة نظر الطبقة التي ينتمي إليها بوعي أو غير وعي.

أمّا رواية ” السمسار” التي نحن بصدد الحديث عنها فهي رواية مقسّمة إلى واحد وثلاثين فصلا، تتخذ من التحولات السياسية والمجتمعية في مصر ركيزة أساسية تقوم عليها بنية الأحداث؛ وذلك في مسح اجتماعي تاريخي يبدأ منذ عصر الملك فاروق وينتهي بأحداث ثورة يناير.

وإذا كان البطل ” منتصر” / السمسار يمثل قوام عملية المسح التاريخي والاجتماعي لمصر عبر ما يقرب من نصف قرن؛ فإننا في هذه الورقة سنكون بصدد الحديث عن أحد أبنية النص والذي تتجلى شتى المتغيرات الاجتماعية والسياسية من خلال سيرته وعلاقته بالشخوص الأخرى وبالمكان والزمان؛ لذا فإنّ المنهج البنيوي التكويني سيكون الأرجح استعمالا؛ لأننا لن نقف عند حدود البنيوية الشكلانية التي تفتت النص فحسب إلى وحدات مستقلة دون أن تعنى بما وراء هذه الوحدات

من بنى وأنساق، بل تقوم إنّ المنهج البنيوي التكويني في دراسة سوسيولوجيا الأدب يقوم على معالجة الواقعة الأدبية في ضوء مفاهيم الدور والمكانة والرموز، وذلك في سبيل السعي إلى الكشف عن الأنساق الاجتماعية.

وبناء على ذلك فسوف نقوم بدراسة شخصية البطل بوصفها إحدى أبنية العمل الأدبي التي تقوم عليها هذه الرواية والتي تكشف في علاقتها بكل بنية أخرى عن جانب من الجوانب الاجتماعية والسياسية لمصر.

تعرض الرواية للبطل “منتصر” الذي يسعى نحو الثراء حلم النفوذ والسلطة عبر البراجماتية البحتة متخذا من شخصية ” فوشيه” وزير الداخلية الفرنسي الذي تقلّد المنصب ذاته رغم تقلّب السلطات وأنظمة الحكم في فرنسا قديما.

كما تعرض لعالم السياسة وارتباطه باللعبة الاقتصادية وعالم المخابرات بكل ما يحتويه من ألاعيب ووسائل مشروعة وغير مشروعة تهدف إلى السيطرة على شخصيات بعينها عبر الاستفادة من شخصيات تعمل لحساب هذا الجهاز كممثلات السينما ورجال الأعمال والاقتصاديين وغيرهم، ورغم تقلّب السلطات من الملكية إلى الجمهورية في حكم عبد النصر وأحداث الهزيمة ثم عصر الانفتاح الاقتصادي إبان حكم السادات وانتشار التعصّب الديني في عصر الرئيس المؤمن ثم حكم مبارك بكل ما يدور فيه من صفقات معلنة وخفية كان السمسار/ منتصر هو الرابح في كل العصور، فهو ليس في الواجهة كغيره، وبالرغم من ذلك فهو شريك رئيس في اللعبة يعرف أدق تفاصيلها ويحرّك الخيوط من بعيد فيربح في كل جولة.

وتأتي علاقة البطل بعناصر الرواية الأخرى لتبرز صورة الشخصية النفعية عبر تقلّب العصور والأنظمة، وهو ما سنعرض له كالتالي عبر أربعة عناصر سردية نظرا لعدم اتساع المقام لأكثر من ذلك.

أولا: البطل والمكان:

تتجلى عبر جدلية علاقة الإنسان بالمكان في الرواية جملة من التغيرات الاجتماعية بمصر والتي شهدها البطل فكانت علامة على التغيرات التي طرأت عليه كجزء من المنظومة الاجتماعية في كل عصر؛ ففي عصر الملكية نشاهد البطل الفقير يدلف إلى فيلا صديقه ابن الباشاوات ابن الدكتور فريد هيكل والتي ترسبّت في نفسه ليحاول تحقيق حلم الثراء فيما بعد:

“شغف منتصر بنمط الحياة الأروبي في فيلا آل هيكل. رئيس الخدم الأسمر يرتدي الجاكت الأبيض والبابيون الأسود، ويشرف على إعداد مائدة الطعام، وترتيب أدواتها من أطباق وشوك وملاعق وسكاكين فضيّة وكئوس متنوعة للنبيذ والماء البارد وعصير الليمون.

كان مبهورا بالجرس النحاسي المرصّع بقطع الزبرجد الأخضر، يهزه الدكتور فريد فيصدر صوتا آمرا للسفرجي ليبدل أطباق الطعام، أو يحضر مزيدا من النبيذ…”

ثم نجد ما يدلّ على أثر التغيرات السياسية والاجتماعية في المكان نفسه والذي يقع بوصفه علامة على الديكتاتورية وانعدام الديموقراطية في هذه الفترة؛ كالحديث عن فراغ مجلس النواب بعد ثورة يوليو:

” كان البرلمان في عطلة طويلة، يكاد يكون خاليا من الحركة أغلب الأوقات…

هذا كرسي رئيس المجلس وأول من جلس عليه “سعد باشا زغلول” عام 1924

وهنا في البهو الفرعوني اغتيل أحمد باشا ماهر رئيس الوزراء السعدي…”

كذلك الحديث في أكثر من موضع عن محلات وسط البلد وشارع سليمان باشا كجروبي وصالة لوك وترزي شارع المبتديان والتي تذكرنا بمصر في منتصف القرن العشرين في فترة الملكية ثم حكم ناصر.

ثم تنقلب الصورة مع سريان وتدفّق عجلة الزمن لنطالع صورة القاهرة من خلال أعين سيلفيا اليهودية التي كانت يومالا ما تعيش في مصر ثم هاجرت إلى إسرائيل، وآل بها الحال إلى أن تكون من أصحاب القرار الاقتصادي والمسؤولين عن عقد الصفقات الخفية بين مصر وإسرائيل في عهد مبارك: 

” وفي إحدى زياراتها للقاهرة، كانا في السيارة عائدين من مدينة 6 أكتوبر إلى مصر الجديدة، واتخذا الطريق الدائري فوق الجيزة، وشاهدت سيلفيا عشوائيات إمبابة وزينهم وصفط اللبن والوراق. أبنية الطوب الأحمر بلا ملامح أو روح تتكأكأ على بعضها فلا ينفذ الهواء أو الغبار إلا بصعوبة بالغة. مشهد للتشوه يمتد لعشرات الكيلومترات.”

ثانيا: وصف الشخصيات: 

احتلّ عنصر الوصف ملمحا بارزا من ملامح الرواية، ونحن هنا لا نتحدث عن عنصر الوصف بعامة في الرواية، بل سنتحدث عن عنصر الوصف المؤثر على شخصية البطل، والذي نستطيع منه استشفاف التغيّر التاريخي والاجتماعي لمصر:

فوصف منتصر البطل في بداياته يعكس بلا شك فردا من أفراد الطبقة المتوسطة / أصحاب الياقات البيضاء في نهاية العصر الملكي وبداية الفترة الناصرية، كما تعكس شيئا من ملامح شخصية السمسار وعضو المخابرات المرتقب:

” عندما تجلس معه تجد حسن تركيزه في الإنصات حتى لا تفوته أي عبارة أو كلمة أو لمحة. وقد أعجب بنشاطه الدائم ما بين الرياضة والقراءة والذهاب إلى السينما وإجادة الرقص. ما يلبسه كا محدودا لكنه نظيف ومهندم. حذاؤه الوحيد الأسود كان دائم الصقل واللمعان.”

ثم نجد الوصف يرسم لنا صورة لمنتصر الذي كان له حظا من اسمه فانتصر على الظروف وكوّن بحلول عصر مبارك وفي أعقاب الانفتاح الاقتصادي المليارات:

“مفتونة لمياء بالواقع الجديد في حياتها، نكهة مختلفة ومذاق مختلف وهي تجري اتصالات تليفونية وعبر جهاز الفاكس مع السكرتيرات في مكتب جينيف لتحديد مواعيد طبيب الأسنان والمركز الطبي للفحص الدوري وساندرو الحلاق ومدموازيل بلانش متخصصة الباديكير والمانيكير.. ولالا غرابة فمنتصر بعد الباديكير يطلي أظافره بطلاء شفاف ليحميها ويضويها.

وهناك مواعيد حجز البيجامات والأرواب دي شامبر من محل كرنفال دي فينيس…”

كذلك لعب وصف الشخصيات النسائية في الرواية دورا بارزا في إبراز التشعّب في علاقات البطل واختلاف ذوقه قبل وبعد الثراء، كوصف فوفا ذات الملامح التي تميل إلى القبح والتي تزوجها في مقتبل حياته، والفارق الشاسع بينها وبين زوجته الثانية لمياء ذات الثقافة الأروبية والخلفية المنفتحة والجمال الهادئ الأخاذ، وهو ما ظهر من خلال المقارنة بين ملبس كلّ منهما وأسلوبها في الحياة.

 وكذا في أسلوب الأجهزة الاستخباراتية في اختيار عميلاتها اللائي يضطلعن بمهمة الغواية والإيقاع بشخصيات بعينها في شركهن بهدف السيطرة عليهن عن طريق التسجيلات الفاضحة؛ كالممثلة هند سالم:

“جسد فارع لأنثى لعوب، صناعتها إغراء الرجال والإمتاع في السرير، صدر عريض قمحي اللون، ومؤخرة عريضة تقف على قدمين من الألباستر النقي، يهلك الناسك في السيطرة على نفسه أمام عريها الفاتك الفتّان.”

وتلعب الرؤية الداخلية للراوي العليم المسيطر على الأحداث دورها في زاوية الرؤية الفوقية التي نراها من خلال عنصر الوصف بعامة ووصف الشخصيات بخاصة.

ثالثا: الحوار الداخلي والخارجي:

ويلعب الحوار بنوعيه المونولوج والديالوج دوره في الكشف عن الشخصيات ونوازعها في العمل وكذلك دفع عجلة الأحداث إلى الأمام، وبيان ثقافة وعمق الشخصيات وخلفيتها الاجتماعية والنفسية.

كالديالوج بين منتصر وأخيه عبد الهادي عن الثراء والأثرياء، والذي يعكس التحوّل الذي أصاب المجتمع في أعقاب الانفتاح في مصر وظهور طبقة الأغنياء والسوبر أغنياء:

-ايه ده يا عم درويش، بتقرا في كتاب بالضخامة دي؟!

-والله يا منتصر من ساعة ما وصلني مش قادر أسيبه.

ليه.. أد كده مثير؟

جدا.جدا. عن الأثرياء والسوبر أثرياء في عصرنا… كان تصوري عن الثروات انها بالملايين، ولأول مرة اسمع عن ثروة تصل إلى مليار دولار. هل تتخيل ثروة تصل إلى هذا الرقم؟”أ

كذلك نجد الحوار بين فرهود ومنتصر حول النشاط الاستخباراتي الجديد الذي يبشر بنقلة جديدة في عصر السادات:

“في زيارته الأخيرة للقاهرة طلب الشيخ سلطان حاكم إمارة فيحاء من رئيس الجمهورية؛ انتدابي للعمل مستشارا له للشئون الأمنية. فقد ظهر النفط بكميات كبيرة تبشّر بخير وفير، ومازالت يد الإنجليز محسوسة في شئون المنطقة، لكن الأمير يرغب في بناء جهاز أمني بعيد عن عيونهم، ويكون بأيد مصرية ليوازن أيضا نفوذ جهاز مخابرات شاه إيران.”

كذلك يؤرّخ الديالوج بين نادين الممثلة السنيمائية ومنتصر لحدث حريق الأوبرا:

“حرقوها ليه.. كأن حتة من جسمي اتحرقت وماتت النهاردة.أنا مثلت واحد من أجمل أفلامي فيها.. ليه تبقى تراب مش يبقى ده انتحار.”

كذلك يؤرّخ الحوار لأحداث بعينها كنهب ثروات الطبقة الأرستقراطية إبان فترة الجرد الثوري سنة 1952

تقول لمياء:

” بابا في السنوات الأولى من الثورة كان عضو في لجان جرد القصور الملكية، وأخدهم تذكار من قصر رأس التين.”

كذلك الحديث الذي دار بينه وبين الرئيس مبارك والذي يؤرّخ لبداية الاستثمارات في سيناء وظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال في عصر مبارك، وكذلك صورة العلاقات مع إسرائيل في هذه الحقبة الجديدة:

“… يا مونتي ايه مشروعاتك اللي حنحط فلوسنا فيها السنة الجاية؟

بفكر سيادتك في فندق سياحي في محمية رأس محمد، منطقة ساحرة وبكر وتتفوق في جمالها على إيلات وطابا والسياح الإسرائيليين بيحبوها جدا… وحتى اليوم مافيهاش فندق خمس نجوم..”

غريبة.. بعض أعضاء الكونجرس اللي قابلتهم أخيرا ألمحوا للإمكانيات السياحية لجنوب سيناء.

حلو يا ريّس.. أنا جاهز بس اقفل علينا الأرض ماحدش يحط رجله هناك إلا بمزاجنا لأن إحنا حنكون البايونيرز”

وتتضافر الرؤية الداخلية للشخصيات مع زاوية رؤية المؤلف؛ حيث يُنطق شخصياته بوجهة نظره في كلّ حقبة عاشتها مصر مع اختلاف أنظمة الحكم، وهو ينطقهم كلٌّ حسب طبيعته التي رسمها

له، فكلّ شخصية تستخدم اللغة المناسبة لمستواها الثقافي والاجتماعي بل والأخلاقي؛ فالكاتب يوظّف العبارات الأجنبية والشتائم، والكلمات المعرّبة في مواضعها ودونما إقحام مفتعل، مبرزا الواقع ومتماهيا معه، بل ليبرز أيضا البون الشاسع على سبيل المثال بين شخصية البطل في الخفاء والعلن، وكذلك شخصيته في بدايات مشواره وبعد الثراء وفي تعاملاته مع من هم أدنى وأهم ,حتى مع عشيقاته وبناته وزوجته الأولى التي بات ينفر منها.

رابعا: العنوان:

يمثل العنوان عتبة النص الأولى والأهم التي يدلف منها المتلقي إلى عوالم الرواية، ويأتي عنوان الرواية جاذبا شائقا نتساءل معه من هو السمسار أهو البطل منتصر الذي أجاد الكاتب اختيار اسمه أم تراها طبقة بعينها من البراجماتيين الذين يمثلهم منتصر والذين يتكسبون مع كل نظام يأتي؛ فتتعاقب الأنظمة وتتعاظم ثروتهم.

وتعمل مفردات السرد المختلفة كالراوي العليم، وتعدد مستويات السرد وتقنيات الفلاش باك والتواتر الزمني وغيرها على إبراز شخصية البطل / السمسار وبيان المتغيرات الاجتماعية في مصر قديما وحديثا لتقدّم مسحا اجتماعيا وثقافيّا للمجتمع المصري عبر أنظمة الحكم والمتغيرات السياسية داخل وخارج مصر.

كان هذا مدخلا سوسيولوجيا لرواية السمسار للكاتب عمرو كمال حمودة الذي أجاد امتطاء صهوة كتابة التاريخ الحديث عبر الرواية الاجتماعية فكانت روايته عملا يستحق القراءة والنقد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, Biblioteca مكتبة المحروسة, ندى يسري and tagged , , . Bookmark the permalink.