(حوارات13 يوم في كامب ديفيد(1

لميس فايد 

يمر أربعون عاما على زيارة السادات التاريخية للقدس وإلقائه للخطاب الشهير في الكنسيت المعلوم للجميع والذي أحفظه شخصيا عن ظهر قلب، هذا الخطاب كان جامعاً شاملاً لكل نقاط الصراع العربي الإسرائيلي، ونظرا لوضوحه وبساطته وقبل كل هذا صدقه فيما كان يقول نال هذا الخطاب شهرة واسعة. هذه الزيارة وما تلاها فيما بعد من توقيع معاهدة السلام التاريخية كامب ديفيد (إسرائيل-مصر) وبالتزامن مع هذه الأجواء الإحتفالية بهذه الزيارة التاريخية. أعتقد أنه من المناسب أن يسلط الضوء على هذه الإتفاقية من جانب آخر قلما تطرّق إليه أحد وهو الجانب الديني في هذه الإتفاقية. قد أشرت في مقالات سابقة بعنوان رؤية السادات للسلام (1،2) ونشرت في موقع أرابيانو وموقع مصر المدنية إلى حضور الدين في الحديث عن السلام في الأديان الإبراهيمية، وتأكد ظني مع هذا الكتاب الذي أود مشاركته معكم

“13 Days in September”, Lawrence Wright

قرأته في نسخته الألمانية [1] التي ألتزم بها هنا حسب ترقيم الصفحات والمصادر. ولعل عثوري على هذا الكتاب أكّد لي حدسي وأني أبحث في الطريق الصحيح، فمن المعلوم أن مفاوضات كامب ديفيد قبل توقيع المعاهدة استمرت 13 يوماً هناك في هذا المنتجع الساحر بين الوفدين المصري برئاسة السادات والإسرائيلي برئاسة بيجن تحت إشراف ووساطة أمريكية ممثلة في جيمي كارتر، ولكن ربما أنه من غير المعلوم أنه بجانب المفاوضات السياسية كان هناك حوار دينيّ جاد وحاد في بعض المواضع استمر جنب إلى جنب بجانب الحوارات السياسية والعسكرية بين ثلاث رجال من طراز خاص (اليهودية ممثلة في بيجن، والمسيحية ممثلة في كارتر الذي كان هو الآخر لا يقل تديناً عن الطرفين الآخرين، والإسلام ممثلاً في السادات). وأرى أن هذه الحوارات الدينية كانت على قدر من الآهمية لا تقل عن مثيلاتها السياسية، بل في أحيان كثيرة هي من مهّدت لتقليل الإحتقان وتقريب وجهات النظر. جمع الكاتب وهو فرايت هذه الحوارات من مصادر متعددة وركّز قدر الإمكان على الحوارات الدينية الجانبية وقسمها حسب الأيام يستهل فرايت كتابه بالعبارة التالية :

” كانوا ثلاث رجال ورابعهما الدين، استطاعوا من خلاله تحقيق سلام نادر، وعمل دبلوماسي من طراز رفيع بعد أربع حروب دامية يعد الأهم في القرن العشرين في منطقة لا يزال يدميها الصراع. هناك في كامب ديفيد اعتمد الثلاث على التوراة والإنجيل والقرآن وظهرت قوة الدين في تحقيق سلام في عالم الحداثة، مع قدرة نادرة على ترويض أو تحييد الأساطير الدينية التي تزكي الصراعات”[2] وماأحاول بدور تقديمه في هذه السلسلة هو تسليط الضوء على أهم الحوارات التي حدثت طيلة ال13 يوم مع تناولها بالتحليل ووضعها في سياقها الديني من منظور الأديان الإبراهيمية، ما سأحاول فعله في حقيقة الأمر هو محاولة “لإستنطاق الموتى” أو “استجواب الموتي” من خلال ما تركوه في حواراتهم واجابتهم التي حملت رؤاهم عن بعضهم البعض. من الجدير بالذكر أن كارتر وزوجته لعبوا دور الوسيط المسيحيّ الناجح المنوط به “امتصاص الصراع”، قبل بدء المفاوضات بيومين أرسلت روزلين كارتر رسالة للصلاة في جميع الطوائف الدينية في امريكا تطالبهم بالصلاة من أجل إنجاحها وتحقيق سلام.[3]

قد أشرت من قبل في مقالات رؤية السادات للسلام (1،2) إلى دور المعرفة الدينية الجيدة للسادات التي أهلته لكسر الحاجز النفسي، نُشر على موقعي أرابيانو ومصر المدنية. [4] كنت أتصور أن مثل هذه الإتفاقية لابد لها كان من حضور صوفيّ ما لتحقيق هذا الإنجاز، إلا أن السادات –رحمه الله- رغم تدينه لم يعرف عنه أي ممارسة صوفية.[5] وأدين لهذا الكتاب بإنارة الطريق في حديثه المستفيض عن مفتاح هذه الإتفاقية وهو حسن التهاميّ الذي وصفه الكاتب “بشخصية ذات حضور الهيّ، كان بمثابة الشيخ والمرشد الروحي للسادات، الذي اعتاد ربما تلطيف الأجواء بحديثه عن حواراته مع الجن والأنبياء، فضلاً على قدرته في التحكم في ضربات القلب، وغضبه عندما اتهمه أحد الأطباء الأمريكيين بممارساته لليوجا.[6]من الجدير بالذكر أن هناك بالفعل تمارين صوفية تتماس مع اليوجا والفلسفة البوذية، ولكن هذا النوع من التصوف غير مألوف في العالم العربي، ولكنه أكثر انتشارا في جنوب شرق آسيا وإسلام الهند وباكستان وإيران.[7] لذلك يبدو لي بالفعل أنه كان رجلاً استثنائياً، وأن قربه الشديد من السادات هو ما ساهم في معرفته الدينية بالتحديد عن مفهوم ” موسى المصري”، الذي أشرت إليه من قبل في رؤسة السادات للسلام 2، وأنه مصطلح وليد في علم المصريات وعلم الكتاب المقدس وعلم الثقافة على يد عالم المصريات يان أسمان[8]. والذي أشار إليه السادات إشارة خاطفة في حديثه مع هلموت شميت في مذكراته.[9] وعليّ أن أصحح في هذه النقطة شيء من مصادر السادات المعرفية عن موسى المصري، فلقد كان بلا شك هو حسن التهاميّ، الذي اختصر بوجوده في هذه المفاوضات الكثير، فالحضور الصوفي الممثل في هذا الرجل هو من كان يدفع بالمفاوضات فضلا عن المعرفة الصوفية التي لا شك انها كانت أصيلة لديه أهلته لفتح الحوارات. من نافلة القول أن مفهوم موسى المصري الوليد في علم الثقافة وعلم المصريات هو مفهوم قديم وأصيل لدى صوفية المسلمين. هذا الجزء المصري الخاص في تربية ونشأة موسى الذي صمتت عنه التوراة تناوله كبار الصوفية بالتفصيل.[10] ولاسيما في قصائد التصوف المصري يمثّل حضور موسى المصري قيمة كبيرة هناك في صعيد مصر، (ربما من الجيد أن تجمع قصائد التصوف المصري الشعبية التي تتناول كل من يوسف وموسى عليهما السلام في أرض مصر)، ,اخص بالذكر المنشد الكبير الشيخ أحمد برين رحمه الله وقصيدته البديعة “موسى والخضر”[11]  

أشار لورانس على أن التهامي فضلا عن لقائه السري من قبل مع موشى ديان في المغرب لفتح المفاوضات، هو من كان يضع أساس التفاوض طيلة ال13 يوم بين بيجن والسادات.[12] ولعل من أهم حوارات اليوم الأول التي استوقفتني بشكل خاص للتحليل هو حوار التهامي مع ديان التالي من حوارات اليوم الأول: ” موسى! أنت نبي إسرائيل الكذّاب! كان هناك نبي كذّاب قبلك مصابا بالعور( بعين واحدة)” وكان ديان يجيبه “لست أنا هذا الرجل”. هذا التنبيط أو التبكيت المحمل بالمعاني الذي لعب عليه التهامي في أكثر من موضع-كما سنستعرض في المقالات التالية – يركز بشكل كبير على النبي موسى ومعرفته به ومقارنة بديان بحكم بلاغة التورية في الإسم. وموسى الذي يقصده التهامي هنا موسى المتعدد المستويات –كما سنرى فيما بعد-موسى الفلسفي ذو العقل الحكيم، الجامع لعلوم المصريين والعلوم الظاهرية والباطنية، وهو معنى أكده القرآن في قصة موسى والخضر في سورة الكهف. موسى “الحقوقي” محرر شعبه القائم على تنظيم شؤونهم، ومهموم بحقوق الإنسان ومراقبتها في العالم. موسى المتلعثم، الذي لا يحسن الكلام ولا التواصل ولا التعبير عن أفكاره،[13]وأخيراً واتمنى أن يسع صدر الطرفين الإسلامي واليهودي والأ يتهمني أحداً بمعاداة السامية أو ازدراء الأديان أن أقول أيضا “موسى العنيف”، موسى العصبي المزاج الذي لا يحسن الكلام، ويتلقى وحياً، وطبيعته نارية، المتعصب لقومه “القومجي” الذي قتل المصري دفاعا عن أحد أفراد بني قومه، وأكّد القرآن على هذه الواقعة، وما أعنيه بالعنف هنا ليس العنف البربري على طريقة داعش (حاشا لله ما أقصد هذا) ولكنه من شرعن العنف مع فكرة التوحيد المرتبطة مع منظومة ملة إبراهيم وإن كانت قد تأسست معه. [14]

من الجيد فهم أن التصوف الّذي يقترب من طبيعة الأنبياء الكبار يسهل إلى حد كبير في فهم الشخصية اليهودية والتعامل معها، وهو نفس ما توصل إليه هاينريش هاينه وسيجموند فرويد من بعده رغم أجواء معاداة السامية في تلك الفترة في بحثه أو سؤاله عن أكثر ما يميز الشخصية اليهودية، وتوصل فيه إلى ” أن اليهودي هو إبتكار هذا الرجل ..موسى”.[15] هذا لا ينطبق على موسى وحده واليهود ولكنه يتماشى مع المبدأ الصوفي القائم أن كل أمة تحمل من روح نبيها”. وأن غرابة وعظمة موسى وجانبه الغامض هو إلى حد كبير حاضر في اليهود والتعاليم المتوارثة. ولكن أي نبي أعور كذاب كان يقصده التهامي في توبيخه لديان؟ هل يقصد موسى السامري؟ هل كان أعور؟ الذي يعتقد أنه ابن الشر أو المسيح الكذاب؟ ولماذا لم يعترض ديان على هذا التوبيخ أو حتى يستوقف التهامي للفهم؟ هل فهم ديان أصلاً ما كان يرمى إليه التهامي؟

ربما تجيب حوارات الأيام التالية عن أشياء واستفسارات كثيرة حدثت ووقعت هناك على بعد الآلاف الأميال من الشرق الأوسط التعيس لم يكن أي من الشعبين حاضرين، لكنه هناك تقرر مصير مستقبل الأجيال القادمة بعد توقيع كامب ديفيد..

لميس فايد-المانيا

—–

[1] Wright Lawrence (2016): Dreizehn Tage in September : die diplomatische Meisterstueck von Camp David, Theiss.

[2]  Wright Lawrence (2016): 11

[3] Wright Lawrence (2016): 74-75.

[4] Arabyanoo.com/37745#.WhChP1NpHIU, arabyanoo.com/tag/لميس-فايد

[5] أنور السادات، البحث عن الذات،المكتب المصري الحديث،  1977

[6] Wright Lawrence: 78-80

[7] Schimmel Annemarie: Die Zeichen Gottes: Religiose Welt des Islams, Muenchen, 1995. S223 -ومايليها

[8] Assmann Jan: Moses der Aegypter: Entzifferung einer Gedaechtnisspur, Muenchen, 1998.

[9] Kuschel Karl-Josef: Juden, Christen, Muslime: Herkunft und Zukunft, Patmos, 2007

[10]  ابن عربي: فصوص الحكم، فص حكمة موسوية، Sklali, F, Jean-Louis Girotto, Moise dans la tradition soufie, Paris, 2011

[11]  موسى والخضر ،الشيخ احمد برين على اليوتيوب

[12]  Lawrence : 80-81.

[13] Assmann Jan: Exodus,Die Revolution in der alten Welt, Muenchen, 2016

[14] Assmann Jan: Die Monotheismus und die Sprache der Gewalt, Wien, 2006

[15] Assmann Jan: Exodus. Die Revolution in der alten Welt, Muenchen, 2016, ص 236

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, Egyptian History مصرنا, لميس فايد and tagged , , , . Bookmark the permalink.