في خيمة الخليل إبراهيم

لميس فايد – ألمانيا 

كانت الأيام الأخيرة حافلة بالعديد من الأخبار التي تخص العرب واليهود آخرها المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس تحت إشراف مصري، وهو بالنسبة لي يثبت أنه بالرغم من أن هذا الصراع الأزلي قد تدخلت فيه الأيادي من الشرق والغرب حتى أصغر الدويلات العربية ودويلات أخرى في المنطقة ظناً أن الدعم المالي هو الحل الوحيد للقضية الفلسطينية، فقد أثبتت الخبرة التاريخية التي تمتلكها مصر مع هذا الصراع هو ما يمكنها من هزيمة الآخرين، ببساطة لأن مصر دون شيفونية كبيرة مني هي أن مصر الوحيدة التي تمتلك لغة حوار مشتركة مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بكل أطياف وتنوعات الطرفين الإيدلوجية والدينية والخلفيات السياسية، ببساطة مرة أخرى “أهل مكة أدرى بشعابها”!

لكن لم تكن تلك المصالحة هي من الأخبار التي استرعت اهتمامي فقط، فهناك تقرير نشرته جريدة معاريف العبرية وترجمه موقع بوابة الشرق الذي أستنتد له والعهدة على الموقع وأمانته في الترجمة من العبرية أن أحد الخبراء العسكريين ويدعي يوسي ميلمان (ترددت في ذكر اسمه أم ان الله حليم ستار!، لكن يبدو انه صرح عن اسمه في التقرير العبري) أن هناك تعاون أمني سري يجمع بين إسرائيل ومصر ودول أخرى بينها ويا للعجب بلاد “الإشماعيلين”! ليس هناك ما يشين مصر أو يدعوها للتستر من تدريبات عسكرية مشتركة بين مصر وإسرائيل، فمصر والحمد لله تتصرف في النور بموجب إتفاقات دولية معلومة للجميع، لكن ما يستوقفني هي تلك العلاقات التي بين “أبناء إسحق” و”الإشماعيليين” التي يغلب عليها السرية والتكتم، ومادام هناك سرية بها إذن هناك ما يشوبها من “الإثم” أو “الحرام” أو ما تستخدمه عبقرية العامية المصرية “الشغل الشمال” ويعني بهذا كل ما هو غير أخلاقي، ويغاير القانون والدين والأعراف والقيم لذلك هو معاكس لليمين! ولو لم يكن يشوبها شيء من “الحرام” والإثم” لما أفصح عنها هذا القائد السابق في محاضرة في أقاصي العالم في سنغافورة! وهنا أن لا أتدخل في الشؤون الأمنية للإسرائيليين حاشا لله!

ولكن ما يدهشني ويؤسفني أن طوال هذه السنوات غلبت علاقة العداء والكراهية الكبيرة في العلن ووظف الإشماعيليون خطابهم الديني للتخديم على هذه العلاقة المزعومة في العلن، تاركين شعوبهم متخبطة في ظلمة وجهل وعزلة كبيرة وجراح عميقة بين المسلمين واليهود أو العرب واليهود تحديدا لن تندمل لعشرات السنين القادمة، أذكرما حكاه لي أحد الأصدقاء اليهود في برنامج للتعرف عن ممارسة الديموقراطية في ألمانيا ووضع اليهود اليوم هنا، وقد أعد طعاماً للطلبة العرب لتناوله بعد المحاضرات والأسئلة في مقر الطائفة بأحد مدن كيل، لكن الطلبة العرب رفضوا ببساطة تناول طعامه وهرولوا للخارج بعد انتهاء المحاضرة. هذا هو حصادكم!

هذا هو حصاد الإرث الإشماعيلي الحديث، الذي هرول لأبناء العم في العلاقات المشبوهة والغير شريفة، فيا إبراهيم يا خليل الله لا تحزن وأهدأ بالاً في نومتك الأبدية فقد أجتمع الأحفاد بعد قطيعة طويلة أخيراً ولكن ليس على “البر والتقوى” ولكن على “الإثم والعدوان”! ويحضرني في هذا المقام أغنية الصوت العربي الأصيل إبراهيم الحاكمي وكلمات أيمن بهجت قمر “دي ماشية شمال.. ذنوب بالكوم تكفي جبال ..سباق بينا على الأحبال .. سبق مجنون.. وكل عمل لنفسه قانون.. في ناس المال بقى سيدها ..عبدوا الحياة ومفاسدها ..كل بأوانه متشال دي ماشية شمال”. أذكر في رمضان الفائت ليلة القدر –أحد أقدس الليالي لدى المسلمين- قرأت خبراً عن توقيع معاهدات تجارية تاريخية بين ابناء إسحق وكبرى شيوخ الإشماعيلين، سعدت وقلت لابأس ربما بعد الدولار يجمعهما علاقات أخرى وذهبت لأعد سحوري وجلست لأتناوله وفتحت الراديو لأسمع صلاة التراويح من مكة التي انهاها الشيخ بالدعاء على اليهود كالعادة، وجدت صعوبة في ابتلاع طعامي! شيء من الإتساق، شئ من الحياء! شيء من المنطق!

هل بالفعل ما عاد ليجمع أبناء العمومة إلا “الشغل الشمال والعلاقات السرية” هل هذا هو حال خيمة إبراهيم الخليل عام 2017؟ بالطبع لا، ومع أجواء المصالحة الفلسطينية الأخيرة أعتقد أنه لدي ما أقوله ( ولا داعي لتكرار أن الشأن الإسرائيلي غير تخصصي على الإطلاق، لكن بما أن كل من له قلم كتب شيئا في هذا الصراع فلما لا أخذ فرصتي “اشمعنا أنا”!) ما أود أن أناقشه هنا ليس سياسياً ولكن لدي رغبة في مناقشة بعد لم يتحدث عنه الكثيرون في إعلامنا، وهو البعد المدني بين العرب (الفلسطينين ) واليهود (الإسرائيليين) أود مناقشة هذا الصراع على مستوى الأهالي أو المدنيين على المستوى الشعبي، وأقر هنا أنه لولا إهتمامي بشؤون الحوار الديني في الغرب لما كنت تعرفت على مستوى التعايش الحادث مؤخرا بين الفلسطينين والإسرائيلين آخر هذه النماذج مسيرة السيدات من الأثنين مسيرة السلام التي تطالب بانهاء الصراع وإعلان دولة الفلسطينين، لاشك أن المرأة هي الحلقة الأضعف في كل صراع وعلى مسؤلين الطرفين تفهم هذا. 

ما أعنيه هنا هو نماذج حيّة وموجودة على الأرض هناك ومنها في المستوطنات! نعم المستوطنات سيئة السمعة بساكنيها المتطرفين، لكن يبدو أن الأمور تتغير، وأن هذا الصراع بالفعل لا علاج له إلا الحوار والتفاوض، وأن شدة تداخل الجغرافيا والديموغرافيا بين الطرفين تجعل أي عنف ممكن أن يتحول لمقتلة كبيرة بين الطرفين سيكون الضحايا من المدنيين، ولن ينتصرأحد! وسيكون شرخاً كبيراً يصعب ترميمه فيما بعد، وتجاوز الصدمات النفسية بها. أعلم أن هناك إسرائيلين يتعاونون مع جيرانهم الفلسطينيين لتسهيل حياتهم اليومية، وعلى وعي بأن جيراننا العرب لهم احتياجات من علاج مسنين ومرضى، وأطفال وعمل ومدارس وحياة يجب أن تعاش! وهذه النماذج لا نعلم عنها شيئا على مستوى الإعلام من الطرفين! وعلى الناحية الأخرى على الجار العربي أن يدرك أن من حقه جاره اليهودي هو الآخر أن ينام مطمئناً في بيته دون أن يفاجأه أحداً بسكين في أحد أركان منزله أمام زوجته وأولاده! هذه بديهيات التعايش! وهذا هو التعايش الذي تحدث عنه الرئيس السيسي في خطاب الأمم المتحدة الأخير، وتندر عليه البعض في إعلامنا بسبب زلة لسان من الرجل، ولم يناقشوا ما كان يقصده كعادة إعلامنا العربي الهزيل والهازل في التعامل مع القضايا الهامة والحيوية!

وأستغرب صمت المؤسسات الدينية الإسلامية على حملة “اطعن” ونحن في فترات هدوء نسبية وأوضاع منطقة تغيرت جذريا ولازالت لم تتشكل نهائياً بعد، هل علي أن اقوم باجتهاد وحدي؟ هل علي أن أقوم بواجبات رجال الدين؟ نحن لا نطلب رأي شرعي فوري ملزم ولكن على الأقل فتح مناقشات وعدم تركنا في ظلام دامس بهذا الشكل! وعلى الناحية الأخرى يجب إبراز أصوات رجال الدين اليهودي المعتدلين، هل علي ان أخبركم أنه من خلال متابعتي لهذا الصراع من زوايته الدينية أنه لا تترجم إلا أراء الحاخامات الأشد تطرفا في إعلامنا العربي والمصري، وكل الرؤى التي تتناول عن آخر الزمان أو آخر الأيام حسب المفهوم اليهودي، ليرسخ لدي المستمع أو القاريء العربي أو المسلم أن هؤلاء القوم يضمرون فكراً دينياً شريراً لدينا، تماما كأراء وفتاوي الإشماعيلين لسنوات ويحاولوا تداركها الآن، بعد ماذا؟ بعد خراب مالطا! هذا إرثكما، هذا الشرخ لن يتداوى بالعلاقات السرية والسلاح والدبابة وطغيان المسائل الأمنية على العلاقات، أم أنكم تخافون ردة فعل الشعوب من هذا التحول المفاجيء! هذه الأمور يجب أن تقال وبصراحة دون لف ودوران ودون تنحية الجانب الديني في هذا الصراع المرير!هذه هي احوال خيمة إبراهيم اليوم 2017 ببساطة ولو رآهم إبراهيم يوم الديننونة لبصق في وجوهكما!

فصبر جميل والله المستعان

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in لميس فايد and tagged , , , . Bookmark the permalink.