إسرائيل تساهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة باسرها

د. ديفيد جوفرين – سفير إسرائيل في مصر 

تصادف الشهر الجاري الذكرى السنوية الأربعين للزيارة التاريخية الذي قام بها رئيس جمهورية مصر العربية أنور السادات الى لقدس. لا شك في أن هذا الحدث التاريخي قد غيّر الواقع في منطقة الشرق الأوسط. لقد مهد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل الطريق أمام انجاز اتفاق السلام مع المملكة الأردنية الهاشمية وامام الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. كما وضع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل حدا للحروب والاعمال العدائية بين البلدين وأسس علاقات جوار بينهما كما شكل الأساس للتعاون المشترك في مجالات مختلفة لمصلحة الشعبين.

التطورات الإقليمية التي تمخضت عن توقيع اتفاقية السلام من جهة والثورة الإيرانية من جهة أخرى وضعت بشكل تدريجي إسرائيل والدول العربية السنية في حالة من الصراع المشترك ضد التهديد الإيراني الذي وصفه الملك عبد الله ملك الأردن في العام 2004 بانه “الهلال الشيعي”. يهدف سعي إيران للحصول على أسلحة نووية وعلى قدرة متطورة لإطلاق الصواريخ مع نشاطها لزعزعة استقرار الحكم في دول الخليج بالإضافة لتدخلها في العراق وفي سوريا وفي البحرين علاوة على دعمها لحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن يهدف للحصول على الهيمنة الإقليمية وزعزعة الاستقرار في أنظمة الحكم القائمة حاليا. وقد اعتبر وزير الخارجية السعودي عادل جبير مؤخرا أن إيران هي “الراعي الأكبر للإرهاب في العالم”. إن رفع العقوبات عن إيران في اعقاب الاتفاق النووي مع الدول الكبرى العام الماضي يوفر لإيران مصادر مالية جديدة ويشجعها على زيادة دعمها للعناصر الإرهابية. لن تتمكن أي دولة من مواجهة هذا التحدي بمفردها وانما السياسة الإقليمية المشتركة هي الكفيل الوحيد في مواجهة هذا الخطر

وفي مجال الأمن تمكنت الدولتان مصر وإسرائيل من تطوير أسس من التعاون في مكافحة الإرهاب من منطلق إدراكهما أن الإرهاب السلفي الجهادي يشكل تهديدًا على أمنهما. تقاتل ذراع داعش في سيناء الجيش المصري وحكم الرئيس السيسي وفي المقابل يشكل عمل هذا التنظيم على إطلاق الصواريخ من شمال سيناء باتجاه التجمعات السكانية في إيلات والنقب تعبيرًا لحجم الخطورة التي يشكلها التنظيم المذكور على أمن إسرائيل أيضا. إن منع توسع مثل هذا النشاط يحتم على الطرفين التعاون على طرفي الحدود.

أما في المجال الاقتصادي فيبدو أن المشاكل الاقتصادية الداخلية تهدد استقرار الأنظمة العربية ليست اقلّ من التهديد الإيراني والإرهاب السلفي الجهادي. وبغية مواجهة هذه المشاكل يتطلب المزيد من التطوير الإقليمي والاستثمارات والمبادرات. وتشكل منطقة التجارة الحرة QIZ التي تتيح لمصر فرصة تصدير البضائع الى الولايات المتحدة بدون ضرائب نموذجًا جيدًا للتعاون الثلاثي المصري والإسرائيلي والامريكي النابع من اتفاق السلام. توفر المنطقة التجارية الحرة QIZ لمصر إمكانية التصدير المباشر للولايات المتحدة خاصة في مجال النسيج وتثمر مبالغ تصل الى نحو مليار دولار في السنة. وبالطبع ستكون إسرائيل مستعدة لتوسيع ال QIZ لمجالات صناعة المواد الغذائية ولمجالات أخرى أيضا بناء على طلب الشركات المصرية.

أما مجال آخر يمكن من خلاله المبادرة الى إقامة مشاريع مشتركة هو مجال الزراعة. فكما هو معروف إسرائيل تتمتع بخبرة واسعة في هذا المجال بدءًا بالري مرورًا بمكافحة الامراض والاوبئة الزراعية وصولا الى الزراعة الصحراوية وهي مستعدة لمشاطرة مصر هذه الخبرة من اجل إقامة مزارع كما تم في الماضي في دلتا النيل.

تقوم إسرائيل بتصدير المياه والغاز الى الأردن والسلطة الفلسطينية. ومن المقرر أن تتم قريبًا إقامة معمل مشترك لتحلية المياه في منطقة العقبة يوفر المياه للأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية. إنها مبادرة بالغة الأهمية تساهم في رفاهية شعوب المنطقة كافة. إسرائيل معنية أيضا في تصدير الغاز الى مصر بأسعار منخفضة لمساعدة الاقتصاد المصري. وبشكل عام تعتقد إسرائيل انه بدلا من الصراع على الكمية المحدودة المتوفرة من الموارد الطبيعية كما كان في الماضي يجب علينا تطوير مصادر طاقة جديدة واضافية لمصلحة جميع السكان الذين يزيد عددهم باضطراد.  

يعتقد الكثير من العرب أنه يجب على الدول العربية حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني قبل دفع أي نوع من التعاون مع إسرائيل الى الامام. هذا على الرغم من أن الفلسطينيين أنفسهم يقومون بالتعاون مع إسرائيل بشكل يومي في مجالات شتى منها الأمن والاقتصاد والطاقة والعمل. يعتبر هذا الاعتقاد خطيرًا ويعود بالضرر على شعوب المنطقة ذلك لأن القيادة الفلسطينية أي حركة فتح في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة لم تتمكن من خلق فهم واضح ومشترك للتسوية المتفق عليها مع إسرائيل. هل يجب على الشعوب العربية أن تبقى رهينة لإصرار أبو مازن على عدم الاعتراف بدولة إسرائيل وفرض شروط مسبقة على المفوضات معها؟ او بالمقابل يجب على الشعوب العربية الانتظار حتى تكف حركة حماس عن الكفاح المسلح ضد إسرائيل؟ الجواب هو طبعا لا. المطلوب انتهاج توجه واقعي يتيح لشعوب المنطقة فرصة لضمان مصالحها كما يفعل الفلسطينيون على ارض الواقع

على الرغم من الاتهامات التي توجهها اليها جهات مختلفة فان دولة إسرائيل تتعامل بالمزيد من الحساسية وتحرص على حرية العبادة لأبناء جميع الأديان وتسمح بحرية الحركة لكل مسلم او مسيحي يريد زيارة الأماكن المقدسة في القدس وأداء الصلاة فيها بما في ذلك المسجد الأقصى المبارك. والدليل القاطع على ذلك مئات الالاف من المسلمين الذين يؤمون باحات الحرم الشريف في صلاة الجمعة خلال شهر رمضان المبارك والاف الاقباط الذين يقومون بزيارات للقدس سنويا. وبذلك توفر إسرائيل الفرصة لكل مؤمن أداء الفرائض وبالمقابل تساهم في تخفيف التوتر على الرغم من الخلافات السياسية القائمة

تعتبر أزمة اللاجئين والنازحين السوريين في اعقاب الحرب الاهلية الدموية في سوريا احدى الازمات الكبيرة التي تواجهها المنطقة. إنها مأساة إنسانية تحدث أمامنا. وعلى خلفية ذلك قررت حكومة إسرائيل منح العلاج الطبي على أساس انساني لألاف المواطنين السوريين الذين يصلون الى الجدار الحدودي ومن هناك يتم نقلهم الى المشافي الإسرائيلية لتلقي العلاج دون أن يتطلب منهم التصريح عن أصلهم وانتماءهم التنظيمي او الدفع مقابل العلاج. بالإضافة الى ذلك تقوم إسرائيل باستيعاب مائة الأطفال اللاجئين السوريين ضمن عائلات حاضنة. كما تقدم المنظمات غير الحكومية مثل منظمة ISRAELAID  المساعدات من خلال جمع التبرعات الملابس والمواد الغذائية التي يتم نقلها للسوريين من خلال جيش الدفاع الإسرائيلي. بطبيعة الحال هذا لا يكفي لحل ضائقة النازحين واللاجئين السوريين بيد انه مع الاخذ بعين الاعتبار أن سوريا تعد دولة عدو لإسرائيل فهذه الخطوات هي خطوات فريدة من نوعها.

وفي الختام يعتبر تشكيل الإدارة الامريكية الجديدة فرصة جديدة لكل دول المنطقة لإقامة نظام إقليمي جديد يشكل الرد للتهديد الإيراني من جهة ولتهديد الإرهاب من جهة أخرى. انما مثل هذا النظام الإقليمي الجديد الذي يضمن الاستقرار سيتمكن من التطوير الاقتصادي الإقليمي. اسرائيل تدعم توطيد العلاقات بين مصر والولايات المتحدة وتطلب من الإدارة الامريكية الجديدة ان تعود ثانية لاعتبار مصر حليفًا اقليميًا رئيسيًا في منطقة الشرق الأوسط مثلما اعتبرتها الإدارات الامريكية في السابق. إن مكانة مصر وثقلها السياسي والتاريخي والثقافي كما العلاقات الجيدة بين القيادتين المصرية والإسرائيلية يمنحون مصر بشكل طبيعي الدور لقيادة تسوية إقليمية مبنية على الاحترام والامن المتبادلين.

الدكتور دافيد جوفرين

سفير إسرائيل في مصر

نقلا عن صفحة السفارة الإسرائيلية في مصر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية and tagged , , . Bookmark the permalink.