تفكيك الحرب الأهلية الثانية في الإسلام ودور بني العباس في صناعة التراث

طه لمخير   

إذا كانت البتراء (كما ذكرنا في الجزء الأول من هذه الورقة، انظر المقال بعنوان بتوقيت مكة المكرمة عندما تغيب شهادة التاريخ وتختفي ساعة الزمن) – هي المكان الذي نزل فيه الوحي والبقعة التي كانت فيها الكعبة أول الأمر، والقبلة التي كان يتوجه إليها المسلمون الأوائل في الصلاة، فلماذا تحولت إلى مكة؟، ما هي الأحداث التاريخية والدوافع الموضوعية التي جعلت المسلمين يتحولون عنها إلى مكان بعيد في الصحراء في المملكة العربية السعودية؟ مكان ليس له ذكر في التواريخ والخرائط القديمة للشرق الأوسط والأدبيات القديمة لدول حوض البحر الأبيض المتوسط؟ كيف حدث ذلك على مرأى من الناس؟ ما هي المدة التي تطلبها تحويل القبلة ليستقر الأمر في النفوس؟ لا بد أن حدثا جللا وقع أدى إلى ذلك التحول العظيم في التاريخ؟

لقد دقق دان غيبسون -المؤرخ الكندي الذي قضى عمره في دراسة تاريخ الجزيرة العربية في كتابه الجغرافيا القرآنية- في الفترة التي تحول فيها اتجاه القبلة من البتراء إلى مكة، فوجد نفسه وجها لوجه مع فترة الحرب الأهلية الثانية التي أشرنا إلى طرف منها في الجزء الأول من هذا البحث، تلك الحرب بين عبد الله بن الزبير في البتراء -بعد أن ترك المدينة- والأمويين في دمشق، حرب من أجل السلطة حرب من أجل النفوذ حرب من أجل الإمامة العظمى.

نحن الآن في العام 680م، مات معاوية، وخلفه ابنه يزيد في الحكم، كان يزيد فتى ماجنا خليعا، مغرقا في الملذات الحسية، كان يربي قردا ويقيم على معاقرة الخمر ومعاشرة النساء، و اختار مثل سلفه دمشق لتكون عاصمة الخلافة، أما ابن الزبير فقد كان رجلا عقائديا متطرفا يريد أن يقيم حكمه على أساس ديني يستند إلى استخلاف إلاهي في الأرض، وكانت تمثل له المدينة المقدسة بقعة مهمة يمكن من خلالها أن يسمع صوته في أرجاء الشام ومصر والعراق والجزيرة العربية، يمكن أن نصف الصراع في ذلك الوقت بالصراع بين تيارين؛ أحدهما دنيوي/علماني يروم توريث الحكم وإقامة مملكة لا تلتزم بأحكام الدين كثيرا، أو بعبارة تراثية “ملكا عضودا”، و الآخر دوغمائي عقائدي متشبث بإقامة خلافة تخضع لأحكام السماء، أو بعبارة تراثية أيضا؛ “خلافة على منهاج النبوة”.

في عام 683م استغل ابن الزبير عدم رضا الناس عن ممارسات الأمويين في دمشق خصوصا بعد مذبحة الحسين بن علي وأهل بيته في كربلاء(680)م، ثم وفاة يزيد بعد أن قضى ثلاث سنوات في الحكم، وتولي ابنه معاوية بن يزيد الحكم وهو ابن 13 ربيعا، فأعلن ابن الزبير نفسه خليفة للمؤمنين، لتشتعل الحرب الأهلية الثانية.

تحرك جيش الأمويون من دمشق لقمع تمرد ابن الزبير، ثم فر هذا الأخير من المدينة إلى البتراء تاركا خلفه القوات الأموية تنهب الأموال وتغتصب النساء بقيادة مسلم بن عقبة، ثم تعقبه هذا الأخير بعد 3 أيام إلى البتراء، حاصر الأمويون ابن الزبير في البتراء أربعة وستين يوما تمكنوا خلالها من قصف البيت الحرام بالمنجنيق، واحترقت ثياب الكعبة، ووانصدعت بعض أركانها، لكن المعبد الذي كان مصنوعا من أعواد الخشب ظل قائما.

اضطر المحاصرون إلى فك حصارهم والعودة إلى دمشق بعد أن بلغهم نعي يزيد بن معاوية الذي توفي في أثناء الحصار. في تلك الأثناء ثارت البصرة على والي الأمويين عليها عبيد الله بن زياد قاتل الحسين بن علي، واضطر إلى الفرار إلى دمشق في جنح الظلام، وظهر في الناس من يدعو إلى مبايعة ابن الزبير، فتمددت سلطته لتشمل العراق وإيران، وتمكن من استعادة المدينة المنورة حيث ولى عليها أخاه عبيدة بن الزبير،في هذه الفترة انشغل بنو أمية في الشام بالصراعات الداخلية بين أفراد العائلة، أدت إلى اغتيال معاوية بن يزيد ذو 13 ربيعا بعد مبايعته 40 يوما، ثم اغتيال خليفته مروان بن الحكم على يد زوجته أم معاوية؛ زوجة يزيد السابقة.

ولقصة قتل مروان حكاية لابأس من ذكرها هنا لأنها تحمل دلالات الحياة الخلقية للمجتمع الإسلامي في ذلك العصر الذي يعتبره الناس  اليوم نموذجا للمجتمع الاسلامي الفاضل والجيل المثالي من السلف الصالح، فعندما مات معاوية بن يزيد كانت الخلافة سوف تأوُّل إلى أخيه خالد بن يزيد، لكن مروان الذي كان متشوفا للحكم تزوج أم خالد زوجة يزيد السابقة حتى يصغر خالد في أعين الناس، فلا يطلب هذا الأخير الخلافة، ويحكي الطبري أن خالدا دخل “يَوْمًا عَلَى مَرْوَان وعنده جماعة كثيرة، وَهُوَ يمشي بين الصفين، فَقَالَ: وَاللَّهِ [إنه] لأحمق، تعال يا بن الرطبة الإسْت(المؤخرة)- يقصر بِهِ ليسقطه من أعين أهل الشام- فرجع إِلَى أمه فأخبرها، فَقَالَتْ لَهُ أمه: لا يعرفن ذَلِكَ مِنْكَ، واسكت فإني أكفيكه، فدخل عَلَيْهَا مَرْوَان، فَقَالَ لها:

-هل قَالَ لك خَالِد فِيّ شَيْئًا؟

فَقَالَتْ:

– وخالد يقول فيك شَيْئًا! خَالِد أشد لك إعظاما من أن يقول فيك شَيْئًا…

فصدقها، ثُمَّ مكثت أياما، ثُمَّ إن مَرْوَان نام عندها، فغطته بالوسادة حَتَّى قتلته”.

بعد أن تولى عبد الملك بن مروان عام 686م الحكم في دمشق، كانت رقعة الإسلام تتناهبها الفرق والأحزاب والثورات من أطرافها، سيطر الأمويون على بلاد الشام ومصر وشمال الجزيرة العربية وأطراف من العراق، وحكم ابن الزبير مدينة البتراء حيث بيت الله والمدينة المنورة والكوفة والبصرة إلى خراسان، لكن العراق لم يخلص لأي منهما، ظهرت فرقة التوابين التي طالبت بدم الحسين وتنادت لأول مرة بثاراته على يد سليمان بن صرد، وخاضت معركة طاحنة مع الأمويين في موقعة عين الوردة في العراق، وقاتلت الأزارقة والخوارج قوات ابن الزبير، إضافة إلى ظهور المختار الذي ادعى النبوة وكان له كرسي مقدس يخرج به في حروبه. 

أما الجيوش المرابطة في الثغور فلم تكن مشغولة إلا بالفتح وحده، تقف اليوم لتمضي غدا، و تعمل على إقرار النظام في ما أكلته من أراضي الإمبراطوريتين المتهدمتين البيزنطية والساسانية، ورغم الصراعات الداخلية في الدولة الإسلامية الفتية بين مختلف مكوناتها؛ فقد كانت الرغبة في اكتساح العالم وبناء امبراطورية شاسعة لا تغيب عنها الشمس، رغبة مشتركة بين كل تلك العناصر المتصارعة على الخلافة، فإن الأمويين كانوا يخوضون حروبهم ضد دولة جاستينيان الرومانية المتراجعة في لبنان وآسيا الصغرى وأذربيجان وأرمينيا، كما ظل ابن الزبير يوفد بعوثه وولاته إلى خراسان والأهواز، وكانت فلول الخوراج والأزارقة المنهزمة في معاركها ضد ابن الزبير وبني أمية تتجه إلى الثغور للمشاركة في الغزو وتثبيت السلطان الجديد على أنقاض السلطان القديم، كانت تلك الأحزاب والطوائف والأهواء تتوحد لحمتها وتجتمع كلمتها كلما ابتعدت عن جغرافية الصراع الإسلامي- الإسلامي، واتجهت نحو المواقع التي يكون فيها القتال واضحا بين العرب وغير العرب.

في تلك المرحلة التي انشغل فيها بنو أمية باسترجاع ما ضاع منهم من الأراضي العراقية على إثر موت يزيد وسقوط بيعته فيها، بعد أن ثار أهالي الكوفة والبصرة على عمال وولاة الأمويين، وفرار والي البصرة عبيد الله بن زياد منها، وثورة الطوائف الشيعية والخارجية إضافة إلى تمدد الزبيريين في المدن العراقية-كان ابن الزبير في البتراء قد هدم الكعبة تماما وسواها بالأرض، ففي سنة 683م كما يذكر ذلك الطبري في تاريخه في أحداث سنة 64  للهجرة، “هدم ابن الزُّبَيْر البيت حَتَّى سواه بالأرض(…) وجعل الركن(الحجر) الأسود عنده فِي تابوت فِي سرقة من حرير، وجعل مَا كَانَ من حلي البيت وما وجد فِيهِ من ثياب أو طيب عِنْدَ الحجبة فِي خزانة البيت، حَتَّى أعادها لما أعاد بناءه”.

في هذه اللحظة بالذات، كان ابن الزبير قد اختار بقعة استراتيجية بعيدة عن طَوْل الأمويين في دمشق الذين يبعدون عن البتراء زهاء 435 ميلا، فقد كان يدرك ألا محالة سوف يعودون إليه، فكان لابد له من مكان أكثر حصانة من البتراء وأبعد مسافة أيضا، وبما أن دعوته كانت دعوة دينية عقائدية فقد كان يتوجب عليه ألا يفقد ميزة سيطرته على الحرم التي جعلت صوته يسمِّع بعيدا، ومكنته من منافسة بني أمية على الحكم، لكنه مع ذلك لا يستطيع أن يأخذ معه الكعبة إلى الوجهة التي اختارها، كما أنه لا يمكنه أن يتركها إلى بني أمية فيفقد أهم دعامة جعلت الناس يلتفون حوله وهذا ما جعله يهدمها.

لكنه كان يملك شيئا مقدسا ساحرا وثمينا، يمكنه أن يضفي الشرعية والقداسة على أي بيت يبنيه إذا ما كانت جزءا من بنائه وركنا في أساسه، لقد كان يملك الحجر الأسود؛ قطعة من الجنة في الأرض، و الذي من دونه لا يكون البيت الحرام بيتا حراما بالفعل، لأن الحجر هو الشيء المادي الوحيد الذي تبقى من عبق القداسة بعد تسوية الكعبة بالأرض، ومحو كل أثر لها، وفي كتب الحديث والفقه والتاريخ ما يشير إلى عظمة هذا الحجر ومكانته، يقول عبد الله بن العباس: “ليس في الأرض شيء من الجنة إلا الركن الأسود والمقام، فإنها جوهرتان من جوهر الجنة، ولولا من مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله”، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص:” الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب”… و قد أشار صاحب الموسوعة البيزنطية سودا ليكسيكون Suda lexicon إلى مركزية هذا الحجر في العالم المتوسطي القديم، لكنه ذكر  أن مكان ذلك الحجر في البتراء.

لم يكن بناء كعبة أخرى أمرا عسيرا أو منكرا، لأن أخبار قصف الأمويين للكعبة بالمنجنيق حتى مالت عيدانها و تصدعت جدرانها الخشبية كان قد بلغ أهل العراق وغيره وانتشر بين الناس، وكانت الخوراج تعير به جنود بني أمية عند القتال، كما أن كون الكعبة هيكلا من الخشب والعيدان بلا أساس ولا حجر، يسر على ابن الزبير طمسه وتسويته بالأرض، لكنه عندما بنى الكعبة في مكة قرر بناءها هذه المرة بالحجر وحفر أساساتها حتى تصمد أمام أي محاولة لحرقها أو هدمها، قال الطبري راويا عن ابن الزبير في أحداث عام 65ه/684م:”  إِنَّ أُمِّي أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ حدثتني ان رسول الله ص قَالَ لِعَائِشَةَ: [لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ رَدَدْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَزِيدُ فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الْحَجَرِ فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَحُفِرَ،]”، وقال في موضع آخر: “وحفر أساسه وأدخل الحجر فِيهِ”.

في عام 689م كان ابن الزبير قد بدأ في إفراغ البتراء من الأهالي وتهجيرهم مع الجيش نحو المدينة المقدسة الجديدة، هذه الهجرة الجماعية من البتراء إلى مكة اختفت من كتب التاريخ وطالتها يد الرقيب في زمن العباسيين الذين كان يهمهم أن يختفي كل أثر أدبي وتاريخي يدل على البتراء لأسباب سوف نأتي إليها، ومن الغريب والملفت في آن؛ أن الطبري الذي كان يعقد أكثر من فصلين من عشرات الصفحات لكل سنة من السنوات في تاريخه، جاء إلى سنة 70ه/689م، ولم يذكر عنها من أحداث سوى خبرين من سطرين أحدهما عن مصالحة عبد الملك لملك الرومان، والآخر عن قدوم مصعب بن الزبير إلى أخيه.

لكن هذا الخبر القصير أو جذاذة خبر بالأحرى، تحمل في طياتها دلالات على تلك الهجرة الجماعية من البتراء إلى مكة، يقول الطبري: “وفيها شخص- فيما ذكر مُحَمَّد بن عمر-مصعب بن الزبير إلى “مكة”(البتراء) فقدمها بأموال عظيمة، فقسمها في قومه وغيرهم، وقدم بدواب كثيرة وظهر وأثقال.” لم يأت مصعب بالجنود ولا بالسلاح رغم أنه الأمر المنطقي في حالة بلدة تترقب الحصار في أي لحظة من جيش عبد الملك، لكنه في المقابل أتى بدواب كثيرة وظهر (أي ما تحمل عليه الأمتعة) وأثقال (وهي المؤن التي يتزود بها للسفر الطويل)، إنها الدواب والرِّكَاب والمطايا التي استخدمت في تلك الهجرة الجماعية إلى مكة، والتي من دونها تتقطع بالأهالي والجموع سبل بلوغ مقصدهم، لأن المسافة بين البتراء ومكة لا تقل عن 1000  ميل.

خلال تلك السنوات من 683م  إلى 692م، كان هناك حجان أحدهما إلى البتراء والآخر إلى مكة، كان ابن الزبير هو من يحج بالناس في البتراء، لكنه بعد انتقاله إلى مكة أصبح ولاة بني أمية يحجون بالناس في البتراء، وإن كان حجهم منقوصا لأن ابن الزبير كان قد هدم الكعبة وحمل معه الحجر الأسود، ولذلك نجد الطبري يورد أخبارا متعددة عن حجين في سنة واحدة حج الأمويين إلى البتراء وحج أنصار ابن الزبير إلى مكة خصوصا أهل العراق، ويذكر أن بعض ولاة بني أمية كان يحجون بالناس لكنهم لا يطوفون بالبيت، كما أن فقدان الحجر الأسود يجعل إعادة بناء كعبة في البتراء أمرا شبه مستحيل، لأن الحجر الأسود كان مع ابن الزبير وقد أدخله في بناء كعبته الجديدة في مكة كما سبق الإشارة إلى ذلك. 

ففي الوقت الذي يذكر فيه الطبري أخبار حصار مكة الأخير(دام زهاء 8 أشهر) الذي سوف يشهد نهاية عبد الله بن الزبير على يد الحجاج عام 692م، فإنه يورد خبرا ظاهره التناقض إذا قرأنا التاريخ حسب الرواية التقليدية، لكنه يتكامل مع الرأي الذي يؤكد تغيير الحرم من البتراء إلى الكعبة، ففي نفس العام (691م) الذي يحج بالناس ابن الزبير وهو محاصر في مكة، يحج بالناس الحجاج بن يوسف في البتراء “وحج الحجاج بالناس في هذه السنة، وابن الزبير محصور (في مكة)” (الطبري أحداث عام 72ه)، لكن الطبري يخبرنا بأن الحجاج لم يطف بالكعبة رغم حجه بالناس، وما ذلك إلا لأنها لم يعد لها وجود بعد أن سواها ابن الزبير بالأرض ، في حين يمتنع أحد سفراء عبد الملك هو طارق بن عمرو إلى ابن الزبير وأهل مكة عن الحج وأداء المناسك، بل و يخالف القواعد العامة التي يتحلى بها من دخل المسجد الحرام مثل التخلي عن السلاح، كما أنه لم يطف بالبيت ولم يصل إليه.

في حين يورد الطبري خبرا عن بجير بن عبدالله المسلي يخاطب فيه ابن الزبير ويستشفعه في العفو عنه وعن أصحابه في الكوفة؛ بكونه يتبع نفس القبلة التي يستقبلها ابن الزبير: “يا بن الزبير، نحن أهل قبلتكم،(…)، فإن خالفنا إخواننا من أهل مصرنا فإما أن نكون أصبنا وأخطئوا، وإما أن نكون أخطأنا وأصابوا” الطبري أحداث عام67ه.، فَلَو كانت قبلة ابن الزبير هي قبلة المسلمين جميعهم، لما كان لهذه العبارة(أهل قبلتكم) من معنى.

لقد ظل هذا الإشكال مطروحا طيلة فترة حكم بني أمية التي بلغت ثمانين عاما، ورغم مقتل ابن الزبير واجتياح عبد الملك للعراق وقتله مصعبا شقيق عبد الله بن الزبير وواليه عليها، وسقوط الكوفة والبصرة وخراسان وفارس بيد الأمويين، فإن ذلك لم يثن الزبيريين و شيعة أهل البيت من أنصار محمد بن الحنفية وَعَبد الله بن عباس من التوجه في صلاتهم تلقاء البلدة التي اختارها ابن الزبير، والتي باتت تضم الهيكل الذي أدخل فيه الحجر الأسود، بدلا عن القبلة التي  يستقبلها أعدائهم و قاتلوا حفيد الرسول من بني أمية.

لقد كان الصراع بين الفرق الكبرى يكتسي أبعادا مختلفة سياسية ودينية وعرقية، و ما انفكت الساحة تشهد اقتتالا محموما ومتشابكا بين أربعة تيارات تتنازعها أهواء السياسة وأهواء الطائفية وأهواء القبلية أيضا، بنو أمية، والزبيريون، والخوارج، والشيعة، إضافة إلى أهالي البلاد المغلوبة مثل الفرس والترك والديلم الذين كانوا سادة في بلادهم قبل أن يجردهم الأمويون من حريتهم وأموالهم ويصيرونهم عبيدا وموالي، وتفرض عليهم الجزية والإتاوة، فكانوا عادة ما ينضمون إلى الثورات الشيعية والخارجية التي تعادي السلطة المركزية في دمشق، وكانوا أول من ناصر دعوة المختار بن أبي عبيد وإبراهيم الأشتر ثم دعوة آل العباس التي قضت على حكم بني أمية. 

لقد استثب الحكم نوعا ما في الفترة التي حكم فيها عبد الملك بن مروان بعد أن انتصر على الزبيريين وهزم ثورات الخوارج وبايعه أهل الكوفة والبصرة، وكان أقوى حكام الدولة الأموية على الإطلاق، لكنه مع ذلك فشل في توحيد القبلة وظلت المساجد تبنى بعضها يستقبل مكة وبعضها يستقبل البتراء كما سبق وذكرنا، وظل الحجاج يختلفون إلى البقعتين كل حسب اجتهاده، وكان السؤال ملحا: هل البقعة الأولى أولى أم الثانية التي فيها الحجر الأسود؟، بل إن بعضهم اختار الحج إلى المدينتين معا في سنة واحدة حتى يدرأ الشك، كما حدث مع أبان بن عثمان عام 698م، يقول الطبري في أحداث سنة 76ه:” حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة ست وسبعين”، بل إن هناك أعواما لم يسجل فيها أي ذكر للحج على الإطلاق في التراث الإسلامي، وهي السنوات بين 83ه و87ه.

 و إن كان الخلاف حول القبلة تشوبه آثار الصراع السياسي، فإن الشرعية الدينية كانت الهاجس الأول للمختلفين والمجتهدين في ذلك،لأن بلاطا ومسجدا للأمويين بني عام 701ه في عمان الأردن، كانت قبلته نحو مكة، وهذا البناء هو من أوائل الأبنية التي حصرها الأركيولوجيون التي تتجه إلى القبلة الجديدة(مكة)، وهذا إن دلنا على شيء فهو يدل على الحيرة و التذبذب الذي طبع تلك المرحلة حتى بين الأمويون أنفسهم، الذين لم يتخذوا أي إجراءات عقابية أو زجرية للمختلفين على القبلة، وتركوا الأمر عشواء خاضعا لتقديرات الناس.

وكما أشرنا من قبل فإن مرحلة التذبذب والحيرة هاته لم تنته تماما إلا في القرن التاسع، حيث تمكن العباسيون الذين أطاحوا بحكم بني أمية من حسم الأمر تماما وتوحيد القبلة نحو الكعبة، ومحو أي أثر أدبي للبتراء في كتب التراث ونحله في المقابل إلى مكة، وقد ساعدهم على ذلك الزلزال التاريخي عام 712 الذي ضرب البتراء ودمر جل ملامحها، والزلزال الآخر الذي هز الأردن وسوريا عام 745م وجعل التركيز يتجه نحو مكة وفقدان أي أمل لدى الأمويين لإعادة الحجر الأسود إلى البتراء.

مع الأخذ في الاعتبار الدلالات الدينية والاجتماعية للظواهر الطبيعية العنيفة مثل الزلازل في مخيال العامة، الذي عادة ما يرتبط بسخط الله على المكان الذي يحدث فيه زلزال ما، إضافة إلى ما كان قد أذاعه ابن الزبير في الناس وهو يحفر أساسات الكعبة الجديدة في (مكة) أنه وجد في أرضيتها حَجَر إبراهيم الذي بنى به أساس البيت الحرام أول مرة، وقد نقل روايته الطبري في أحداث سنة 65ه: يَقُولُ: إِنَّ أُمِّي أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ حدثتني ان رسول الله ص قَالَ لِعَائِشَةَ: [لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ رَدَدْتُ الْكَعْبَةَ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَزِيدُ فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الْحَجَرِ فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَحُفِرَ،] فَوَجَدُوا قِلاعًا أَمْثَالَ الإِبِلِ، فَحَرَّكُوا مِنْهَا صَخْرَةً، فَبَرَقَتْ بَارِقَةٌ فَقَالَ: أَقِرُّوهَا عَلَى أَسَاسِهَا، فَبَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ: يَدْخُلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَخْرُجُ مِنَ الآخَرِ.” 

ورغم ذلك فإن العصر العباسي شهد ميلاد حركة تصحيحية تعاملت بطريقتها مع هذا الخطأ التاريخي، ولكن بدل أن يكون التصحيح بسن القلم كان بذؤابة السيف، فقد نشأت في القرن العاشر فرقة القرامطة الذين اتخذوا من مدينة هجر في البحرين عاصمة لهم، و كانت الفرقة تنكر على المسلمين توجههم بالقبلة شطر مكة والحج إليها، وكان القرامطة يصلون نحو شمال الجزيرة جهة البتراء، وما انفكوا يعترضون سبيل الحجاج وينهبون قوافلهم ويقتلونهم ويسبون النساء لمنع المسلمين من الحج إلى مكة، ولقد عانى خلفاء بني العباس من ثوراتهم التي كانت تصل إلى شن حملات على حواضر الدولة مثل الكوفة والبصرة وبغداد ودمشق، بل إنهم تمكنوا في عام 929م من دخول مكة واستباحة الحرم واقتلاع الحجر الأسود وحمله إلى منطقة الأحساء التي كانوا يسيطرون عليها، ولم يتمكن العباسيون من استرداده إلا بعد مفاوضات دامت21 عاما.

يقول ابن الأثير في تاريخه: “حجّ بالناس في هذه السنة منصور الديلميُّ، وسار بهم من بغداد إلى مكّة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطيُّ بمكّة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجّاج، وقتلوهم حتّى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفّذه إلى هَجَر، فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة، في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفّعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قُتلوا بغير كفن، ولا غسل، ولا صُلّي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكّة”.

ولقد دفع العباسيون عام950  مبلغا كبيرا من المال لاسترداد الحجر الأسود، وظل الحج متوقفا طيلة 3 سنوات التي تلت سلب الحجر، وكانت أزمة حقيقية في الإسلام، قال القلقشندي في صبح الأعشى:” وتعطل الحج من العراق إلى أن ولي الخلافة القاهر في سنة عشرين وثلثمائة فحج بالناس أميره في تلك السنة”، وعندما استلموا الحجر كان مهشما ومفتتا.

لقد أشار المؤرخون إلى وقائع عديدة شهدت حرق آلاف الكتب والمخطوطات وساهمت في محو جزء كبير من ذاكرة الإسلام، بل إن إتلاف الكتب وإعدامها كان قد عرف بداية مبكرة مع حرق عمرو بن العاص لمكتبة الإسكندرية واستعمال الكتب في تدفئة حمامات المدينة لمدة ستة أشهر، و حرق سعد بن أبي وقاص التراث الأديي للفرس وإلقاء كتبهم في الماء والنار، وهو سلوك كان شائعا بين الأمم المتغلبة تجاه الأمم المغلوبة، وقد تحدث عن ذلك غير واحد من المؤرخين المسلمين مثل القفطي وابن خلدون في المقدمة والمقريزي في الخطط، إضافة إلى مصادرة خلفاء بني العباس أي انتاج أدبي يذكر الأجيال التي جاءت بعد أكثر من قرنين من تلك الحوادث بتلك الفترة، أو يتبنى خطابا مخالفا للرواية العباسية الرسمية.

وقد لاحقت السلطات العباسية كثيرا من الكتاب والمؤلفين الذين خرجوا عن طريقة كتاب بني العباس في التأليف وأعدمت كتبهم، بل وألبت عليهم كتاب ومثقفي وفقهاء العصر العباسي على امتداد القرون للنيل من سمعتهم ورميهم بالكفر والزندقة والتجديف، مثل ما حصل مع العالم المتكلم أبي الحسن ابن الراوندي في القرن التاسع الذي صلبه أحد حكام بني العباس ومُحي كل أثر لكتبه ومؤلفاته التي فاقت 100 مؤلف؛ لأنه تجرأ على أمور ما كان ينبغي له أن يتكلم بها، وهذا ما يفسر غياب الإنتاج الأدبي والتاريخي لفجر الإسلام وبداياته، رغم توفر وسائل الكتابة وتطور صناعة الورق وتوافر المؤلفين، ولم يحكيها لنا إلا جيل من الكتاب جاءوا بعد وفاة الرسول بزهاء قرنين.

فقد تأخر ظهور كتب السيرة النبوية والمدونات الحديثية والتاريخ الإسلامي حتى بداية القرن التاسع مع لفيف من كتاب ومفكري الدولة العباسية، فظهرت سيرة ابن هشام- التي اقتطعها ابن هشام من كتاب (سيرة رسول الله) لأستاذه ابن إسحاق، وحذف منها كل ما طلبت السلطات العباسية حذفه، كما اعترف بذلك هو نفسه في مقدمة السيرة، وبعدها ظهرت كتب الحديث والسنن والمسانيد، كالبخاري الذي جمع أكثر من 300 ألف حديث ولم يدون منها في صحيحه إلا2,602  دون المكرر، ثم كتب التفسير والتاريخ لمؤلفين مثل الطبري والواقدي و وياقوت… الذين كيفوا الروايات والأحداث بل و الجغرافيا أيضا مع ما يوافق إديولوجية العباسيين،وكان ذلك كله بعد مضي زهاء 200 عام من وفاة الرسول. 

بل إن تلك الكتب التراثية نفسها تعرضت للتحرير والتعقب وحذف فصول بأكملها من الذين نسخوا أصولها بعدهم، ولازالت إلى اليوم مخطوطات ومؤلفات لا يمكن النفاذ إليها بسبب الحظر الذي تفرضه بعض الحكومات في الدول الإسلامية، لقد محيت أجزاء مهمة من ذاكرة الإسلام الأولى، ووقع المسلمون ضحية مؤامرة العباسيين الذين أتاح لهم ذلك الفراغ الأدبي والتاريخي من ناحية انعدام المؤلفات المعارضة لروايتهم، وتلك الفجوة الهائلة التي اتسعت لقرنين؛ أن يملؤوها بما وافقهم من روايات و مفاهيم وأفكار مهما كانت بعيدة عن الإسلام.

وما قصة البتراء إلا صورة من صور التحريف الذي طال التاريخ الإسلامي في جوانب كثيرة، و غدت تلك التحريفات -مع الزمن الذي نحتها في النفوس نحتا، والمحاريب التي صقلتها على امتداد القرون صقلا- مسلمات وبديهيات لا تقبل الجدال والرد، وأصبح الاقتراب منها أو محاولة النظر فيها وتقليبها؛ يعتبر عند كثير من المسلمين زيغا في العقيدة أو لوثة في العقل أو محاولة مغرضة للنيل من الإسلام، ومهما حاول المرء أن يبرأ نفسه من أي من تلك التهم؛ فإنه يجد نفسه في نهاية المطاف غرضا لسهام التخوين والتسفيه، وفِي أحيان كثيرة يلقى به خارج بيضة الدين مهدور الدم أو مسلوب الحرية، وفِي هذا يقول المعري :” وحق لمثلي أن لا يُسأل، فإن سئل تعين عليه ألا يجيب، فإن أجاب ففرض على السامع ألا يسمع منه، فإن خالف باستماعه ففريضة ألا يكتب ما يقول، فإن كتبه فواجب ألا ينظر فيه، فإن نظر فقد خبط خبط عشواء.”

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, طه لمخير and tagged , , , . Bookmark the permalink.