سفر الخروج والعلاقات المصرية الإسرائيلية

الضربات العشر لمصر (2)   

لميس فايد – ألمانيا

على القاريء الكريم أن يعود لمقال الضربات العشر لمصر (1)

في ربيع عام 2011 في أحدى الحوارات الدينية(اليهودية-المسيحية- الإسلامية) بأحد مدن ألمانيا التي شاركت فيها كطالبة ومترجمة، أتيحت لي الفرصة حضور سلسلة محاضرات عقدها حاخام أو رابي (كما سماهم القرآن بالربّانيون، أي رجل الله أو كما التعبير المصري العبقري “راجل بتاع ربنا”) إنجليزي يدعى مايكل شير عن قصص الحاجادة ( أدب أديني يتناول قصة الخروج وأعياد الفصح) عرض فيها مخطوطات من أدب الحاجادة من مختلف أرشيفات العالم الأسباني أو الأندلسي كان معظمها والآخر متناثر في متاحف العالم عن تصورات الضربات العشر لمصر التي عاقب بها ياهوه فرعون الطاغي والمصريين من 1 الدم وتحويل نهر النيل إلى دم مما أصاب المصريون العطش، 2 الضفادع التي أحالت حياة المصريين جحيم، 3. البعوض 4. الذباب ،5 الغبار 6.التقيحات الجلدية أو البثور التي أصابت المصريين، 7. إنزال البرد (كرات ثلج صغيرة)، 8 الجراد، 9 الظلام الذي حل بمصر (ذات الشمس المشرقة)، 10 الضربة الغريبة والأكثر إيلاما وهي موت الأطفال البكر المصريين.

كانت مخطوطات جميلة بالفعل التي عرضها الحاخام موشاة بالذهب والألوان والكتابة العبرية والشروحات وإن كانت في جلها خيال أوروبي محض، لا يمت لمصر ولا الأجواء المصرية ولا البيئة المصرية بصلة. ولكن الفنان وليد بيئته! ثم عرج رابي شير على شرح الأسئلة والطقوس التي يشارك فيها الأطفال لفهم حادثة الخروج الضخمة من مصر. انتهت المحاضرة وكانت رأسي تنفجر بالأسئلة خاصة إن دراستي الأم التي قضيت فيها جل حياتي واستكملتها في ألمانيا هي “علم المصريات” فسألته بشكل مباشر إن كان هذا التراث الديني لا يزرع كراهية في الطفل تجاه بلد لايعلم عنها شيئ إلا من التوراة وشعب ربما لم يلتق به في حياته؟ أجابني بصراحة أنه نعم، ولا في نفس الوقت، نعم من حيث مصر المكان “قديما” ولا لأن التيار السائد على الأقل في اليهودية الليبرالية أوالإصلاحية يميل إلى الرمزية في التفسيرومصر هنا أصحت رمزاً في التوراة، دون الإلتزام بمصر الدولة أو الجغرافية، فياهوه أبدل حال بني إسرائيل بعد الخروج من مصر وأصبحت مصر تمثل الماضي، الذي يجب أن يعاش للوصول إلى حال وبداية جديدة.

تذكرت هذا الحوار عندما سقط في يدي كتاب لأحد الصحفيين المصريين “جيتو إسرائيلي في القاهرة للمؤلف عرفة عبده علي”، مررت بالكتاب على عجل ولكن استوقفني إلى حد كبيرإقتباسه الدائم من سفر الخروج، وكما أشار “الحقد الذي يحمله سفر الخروج تجاه مصر” وهي الجملة التي انهيت بها مقالي الأول الضربات العشر لمصر(1)، ورأيت أنه لابد من الكتابة باستفاضة فيما يخص هذا التراث الشائك “المصري –العبراني” وتحديدا سفر الخروج، لأن للأسف هذه الرؤية المربكة متواجدة حتى عند دارسي العبرية في مصر، وأنا لاألومهم، ولكن ألوم فقر الدراسات الإنسانية في الجامعات المصرية، لولا معرفتي ودراستي في ألمانيا واطلاعي على كتابات عالم المصريات الألماني يان اسمان، واطلاعي على التصوف الإسلامي من مناحية أخرى لما تجرأت على الكتابة في هذا الشأن..

هناك أمور هامة يجب الإعتراف بها أولاً أننا لم ندرس التوراة حق الدراسة في الجامعات المصرية، بمثل الجدية التي درس بها اليهود أو الإسرائيليون في تعاملهم مع القرآن (أوري روبين الذي ترجم القرآن للعبرية مؤخرا في ترجمة منقحة مثال)، هذا خطأ من جانبا وعلينا الإقراربه، ثانيا: أنه للأسف سبب الخطاب الإسلامي المتشدد من التحقير من وحي ما قبل الإسلام والتعامل معه باستحفاف وانه ببساطة من “الجاهلية أو أصابه التحريف” ، فضلاً عن عدم وقوفنا على كيفية التعاطي مع الكتابات المقدسة بالعلوم الحديثة من هرمنوطيقا (تفسير، تأويل)، لغة وفن النص والقص وأهمهم على الإطلاق العلم الذي برع فيه اسمان وزوجته وهو علم “الذاكرة التاريخية””وتفكيك شفرة التاريخ”. 

ثانيا: أن الحضارة المصرية هي ألأكثر تأثيرا في اليهودية وتكوينها، وان علم المصريات الحديث الوليد في أوروبا ليس من الإنصاف أبدا تنحيته جانبا في الشأن العبري أو الإسرائيلي، هل يمكن تصور اليهودية دون سفر الخروج؟ بالطبع لا. وأن الدين المصري القديم بنظامه البالغ التعقيد ومستوايته المتعددة قد ترك أثراً بعيداً في اليهودية على أكثر من مستوى الديني والسياسي والصيغة والتكوين “موسى المصري الذي تحدث عنه اسمان مثال حي!

ثالثا: أن مصر تحديدا في التوراة هي الأخرى لها أكثر من مستوى ومعنى، مصر في سفر التكوين كانت الجنة على الأرض، أكبر تجربة تعايش بين العبرانيين وغيرهم من الأمم كانت التجربة المصرية التي استمرت بالفعل 400 عام! ومصر الأخرى في سفر الخروج: أرض القهروالعبودية، هذا التوتر عن مصر في التوراة، هومايكسب مصر أهمية كبيرة وطابع الهي، التغير وليس السكون هو من السمات الألهية، لاأبالغ أن هذا التوتر والإضطراب تجاه مصر كان داخل نبي الله الكليم موسى ذاته، وانعكس في التوراة بدوره، أحد الكتابات في التراث اليهودي أشارت باقتضاب أن موسى قبل رحيله من مصربعد أن عاقبها الله بكى على مصروما حل بها وفراقه لها ..لماذا؟ 

هذا ما يخص التوراة، وماذا عن الوحي القرآني؟ أعيب على دارسي العبرية في مصر تجاهل القرآن في الحديث عن اليهود عموما وعن سفرالخروج خصوصا! ألم تتدبروا القرآن جيداً وكيف سرد القرآن حادث الخروج؟ “وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم(49) وإذا فرقنا بكم البحرفانجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) سورة البقرة . “إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نسائهم، إنه كان من المفسدين” (القصص 4) وغيرها من الآيات التي تتحدث عن الويلات “سوء العذاب” الذي عانه بنوإسرائيل على يد هذاالفرعون الذي لم يعرف يوسف ” كما أقرت التوراة أنه كان هناك إنقطاع 400 عام بين زمن يعقوب وزمن فرعون موسى” الذي يبدو أنه كان حال استثنائي. لاأبالغ أن أقول أن التوراة كانت أكثر رحمة من القرآن في تناول سفر الخروج ! من الجيد عقد هذه المقارنات للفهم، أن فرعون الخروج فرض على العبرانيين السخرة أو العمل الإجباري (حسب يان اسمان كانت تلك عقوبة شائعة في العالم القديم على أسرى الحرب) وتسبب فرعون في قتل الصبية الذكور (حسب التوراة) بينما تركها القرأن لتشمل ذكوراً وإناثاً، ثالثاً أمر هام ومثير أن التوراة صمتت تماما على شأن التحرش بالسيدات العبرانيات، باستثناء بعض السطور في المدراش، بينما ذكرها القرآن في أكثر من موضع، هل استحى كاتب التوراة ذكرها؟!

رابعا: وأيضا من الأمور البالغة الخطورة أن سبب الخروج كما ورد في التوراة هو طلب موسى المتكرر أن يترك فرعون شعبه للخروج للتعبد في الصحراء وتقديم الذبائح، بينما دعوة الخروج في القرأن تتحدث عن شأن دعوة وإنذار لفرعون وللمصريين معاً في شأن التوحيد..وأن القرآن أشار إلى موقف المصريين أو الشعب المصري في قضية موسى ودعوته بينما قصرتها التوراة على أحاديث شخصية بين موسى وهارون من جابب مع فرعون وسحرته، وهو ما يجعل القرآن أخطر في سرده لحادث ضخم جلل مثل سفر الخروج بامتداد القرآن أكثر من التوراة، ألم يدع موسى عليه السلام على فرعون وقومه ألا يؤمنوا! ” وقال موسى ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلايؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (سورة يونس 88) أي دعوة قاسية يتمناها نبي لقوم! هذه الدعوة التي أتت بعد إرسال العديد من الآيات لفرعون وقومه (حسب القرأن، بينما حضور قوم فرعون خافت في التوراة) .

ومن الأسئلة التي يجب أن تثار بالفعل بيننا كمسلمين أومصريين في المقام الثاني لماذا هذا الذكر المتكرر لحادث الخروج في القرآن أو كما يمكن أن يقال أن القرآن سرد الخروج برؤيته الخاصة؟ من المعلوم في الوسط اليهودي المسيحي أن تجلي الله في التاريخ الإنساني بشكل درامي حدث مع سفر الخروج، بالطيع هذا التدخل الإلهي والنجدة الإعجازية التي تحدث عنها القرآن يصيغة الجمع “نجيناكم” كان يقصد التأكيد على إمتداد الوحي وإنه نفس الوحي “ياهوه” الذي تجلى من قبل في التاريخ في التوراة ويحضر مرة أخرى في القرأن..وإن كانت التوراة عنيفة أو تدعو للخوف من اليهود والإحتراس منهم بسبب سفر الخروج فعلى المصريين أن ترتعد فرائصهم عند قراءة القرآن جيداً ومقارنة كيف بكى موسى على مصر قبل رحيله منها في التراث اليهودي (خارج التوراة) وكيف دعى على فرعون وقومه الأ يؤمنوا حتى يرون العذاب!

ختاماً كل ما أود أن عرضه ببساطة هنا هو ان الفهم الجاد المتبادل للتراث الديني الحضاري الشيق الذي جمع العبرانيين والمصريين أو إسرائيل أو مصر هو بر الأمان في الحديث عن مثل هذه العلاقات الشائكة دون خوف أو حساسية، هذا هو الطريق، الفهم والتحاوروالدراسة ..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, لميس فايد and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.