كردستان ليست إسرائيل ثانية

إنما الدول التي تقاسمت كردستان هي إسرائيل ثانية وثالثة ورابعة

فريدون بينجويني 

يعرف الجميع ان الغرب هو من قام قبل قرن بالتخطيط لترسيم الجغرافيا السياسية لما يعرف بمنطقة الشرق الاوسط، وهو الذي أسس لظهور دول المنطقة بما فيها إسرائيل، هذه حقيقة ملموسة يعرفها الجميع، ونحن هنا لسنا بصدد تناول العملية “عملية ترسيم الجغرافيا السياسية للمنطقة”، إنما بصدد تناول موقف المجتمعات الإسلامية والعربية من عواقبها السياسية، وبالتالي التطرق الى إزدواجية العرب والمسلمين (دولا وشعوبا) في تعاملهم مع ما تمخض عن العملية من دول وكيانات.

لاشك في ان الكثير من المتابعين قد تلمس وجود هذه الازدواجية  في خطابات العرب والمسلمين، ففي الوقت الذي تدعو فيه شخصيات عربية ومسلمة “الصادق المهدي – السياسي السوداني المعروف نموذجا” الى ضرورة التمسك بوحدة أراضي دول خطط وأسس لظهورها الغرب:”مثل: العراق، سوريا، تركيا، والخ”، تدعو أيضا الى ضرورة محو “دولة إسرائيل” وهي الأخرى التي خطط وأسس لظهورها الغرب كباقي الدول الشرق أوسطية !

ففي مقابلة أجرتها معه شبكة أناضول وتطرق اليها موقع “العراق اليوم” الإلكتروني، يحذر السياسي السوداني المعروف “الصادق المهدي – رئيس حزب الامة القومي السوداني” من ان فكرة الانفصال التي أسس لها الاستفتاء في إقليم كردستان العراق خاطئة وخطرة للغاية، لان هناك اكراد في سوريا والعراق وتركيا، فإذا إنفصل الإقليم عن العراق فان هذه الدول ستتمزق، وان تمزّق هذه البلدان يصب في مصلحة إسرائيل “العدو الإستراتيجي للأمة “حسب قوله .

ويطالب المهدي بتعديل حق تقرير المصير الوارد في الميثاق العالمي لحقوق الانسان ليشمل الدول المحتلة فقط، أما في الدول الوطنية “المستقلة” فان ممارسة ذلك يعني إلغاء كيان الدول الوطنية الموجود حاليا .

لنتجنب النقاش حول ما يدور حاليا في العراق وإقليمه الشمالي الذي تطرق اليه السيد الصادق المهدي في مقابلته، ونكتفي بطرح بعض تسائلات حول المكيال الذي يكيل به “حق تقرير المصير”، وبالتالي موقفه من الدول الشرق أوسطية التي خطط وأسس لظهورها الغرب قبل قرن:-

الى أي منطق يستند المهدي في التمييز بين إسرائيل وغيرها من الدول الشرق أوسطية “العراق مثلا”، ليدعو الى معاداة الأول ومناصرة الثاني؟

– أ ليس الغرب هو من قام بترسيم الجغرافيا السياسية لكلا الدولتين؟ إذن لماذا نتمسك بما خلفه من آثار سياسية في العراق، ونعمل على محو ما خلفه من آثار سياسية في إسرائيل؟

– أ لم يمض وقت طويل على تأسيس الدولتين بحيث يجعل من كل منهما ظاهرة سياسية تأريخية قائمة في حد ذاتها؟

– أ ليس هناك ما يدعو الى القلق فيما إذا تمزقت دولة إسرائيل، مثلما هناك ما يدعو الى القلق فيما إذا تمزقت تركيا وسوريا والعراق؟

– هل ان الاختلافات القومية والدينية الموجودة بين سكان إسرائيل، أكثر حدة وجدية من الاختلافات القومية والدينية الموجودة بين سكان الدول التي تقاسمت أرض كردستان، لنأتي ونطالب بإلغاء حق تقرير المصير فيما يخص الشعب الكردي في تركيا وسوريا والعراق، ونطالب بتوحيد جهود الامة “بما فيها الكرد” من اجل دحض وإلغاء الكيان الإسرائيلي؟

– هل عانى العربي في إسرائيل من مظالم اكثر مما عاناه الكردي في العراق أو في تركيا أو في سوريا وإيران؟

هذا المنظور الذي يتبناه الصادق المهدي وغيره من المسلمين فيما يخص حق تقرير المصير والموقف من الآثار السياسية التي خلفها الغرب في الشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين، هو منظور إزدواجي، وهو بالتالي لا يمت بصلة لا للعقلانية ولا  للانسانية، فإذا كانت العرب في إسرائيل على الحق في المطالبة بحق تقرير المصير والعمل على تمزيق أراضي الدولة الإسرائيلية التي مضت على تأسيسها سبعة عقود من الزمن، دون الانتباه الى ما يمكن ان يترتب على هذه الخطوة من عواقب سياسية، فالكرد أيضا على الحق في المطالبة بتحقيق المصير في العراق وتركيا وسوريا التي لم تمض على تأسيسها فترة أطول بكثير مما مضت على تأسيس إسرائيل .

هذا نظريا، أما عمليا فان التسائل عما إذا كانت القيادة السياسية الكردية في أجزاء كردستان المقسمة، مؤهلة لرفع راية الاستقلال، وما إذا كانت الظروف السياسية الدولية والإقليمية، أو الظروف الداخلية في كردستان، مهيئة للمضي قدما نحو الاستقلال، فهو موضوع آخر، وربما لدينا بهذا الشأن ما نوجهه لانفسنا من انتقادات اكثر بكثير مما لدى غيرنا.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in فريدون بينجويني and tagged , , . Bookmark the permalink.