ولكم في حركة الحقوق المدنيه مثال يا أولوا الضمير السليم

جورج دميان  

تصفحت كتاب صغير عن أيقونة حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كنج كان علي المنضدة بجواري و أنا متمدد في يأس بينما قلبي يعتصره الألم علي العنف الطائفي في بلدي الحبيب مصر.

وكالعادة  وجدت نفسي أعقد مقارنات و استخلص عِبر من حركة غيّرت التاريخ الإنساني وربما رسمت الحلقه الاخيرة في تطور المفهوم الحقوقي الأخلاقي عند الإنسانية بشكل عام، وأصبحت قاعدة أساس و ملهمة لكل ناشط حقوقي في كل زمان وأي مكان.

السؤال، 

ما الذي حول كنج من قِس مغمور في أتلانتا الي قائد مُلهِم لا تخلو ولايه امريكيه من شارع هام أو بنايه ضخمه بأسمه، ولماذا يتربع تمثاله النصفي في المكتب البيضاوي للرئيس الامريكي ….. و لماذا تُلهم و تحفز سيرته كل حقوقي ذو ضمير مستنير!

هذا من جانب،

وعلي الجانب الأخر لماذا قضية ” أقباط مصر” وهي من أعدل القضايا الحقوقية المعلقة في تاريخنا المعاصر و أكثرها إيغالاً في التاريخ تراوح مكانها؟!!!

لماذا هذا الشعب الذي يعرف كل علماء الأجناس و الاجتماع ان امتداده في هذه الأرض أكثر من عشرة آلالاف سنه ، ويحتضن ثري ارضه تراب أكثر من ألفي جيل متعاقب من أجداده،و مع ذلك يطلق عليه ذمي و يعامل معاملة الرعايا لا المواطنين

محروم من التعبير عن هويته في بلده ، و محروم من أن يكون له حق دستوري في اعتلاء المناصب العليا ، بل الادهي ان دمه و عقيدته مباحه نهاراً جهاراً علي امتداد تاريخي أكثر من ١٥٠٠ سنه !!!!!

لماذا لم يحصل هذا الشعب علي حقوقه طوال تلك الفترة ؟!!!

لماذا نجح السود في أمريكا في استرداد حقوقهم بعد أقل من أربعمائة عام …. ويعجز الاقباط علي الحصول علي نفس الحقوق في أكثر من ثلاث أضعاف المدة؟!!!

أبدأ بالاعتراف -قاطعاً الطريق علي البعض من القرّاء- أن الفروق بين القضيتين كثيرة جداً فالقبطي أبن بلد أصلي لم يفِد و لم يُستعبد. هذا صحيح!!

ولكن، الطريق الي الحق يمر علي نفس المحطات الأنسانيه الحقوقيه ….و تنظمه نفس قواعد الهندسة الاخلاقية القانونيه وهي

١الحل يبدأ من فهم تاريخية المشكلة …و أمم الأخلاق تصلح طريقها عندما تعترف بأخطائها التاريخية و تقوم بجهد موازي – أو أكثر- و مضاد لتصويب الخطأ التاريخي.

عرف الغرب غي عهد ويليام ويلبرفورس و ابراهيم لينكولن أن الاسترقاق جريمة … و سرقة البشر والتجارة بهم عمل غير أخلاقي فأوجدوا للوثر كنج قاعده أخلاقية مدد عليها و طور مشروعه الاخلاقي الذي أوقظ بها الضمير الإنساني العالمي.

و في الحالة المصرية يجب أن يعرف الشرق و العالم الناطق بالعربية أن أغتصاب أرض الغير – أي كان المبرر- و فرض ثقافة و لغة و هوية غربية عليه فضلاً علي إعطائه صفة ” الذمي” (اي أحد الرعايا من الدرجة الثانية في حماية الغازي فقط إذا صحت عبوديته!!)، و فرض ضريبة جزية تُأخذ بإذلال كان عمل غير أخلاقي لا يسقط بالتقادم التاريخي… ولا يمكن – ولايصح- تبريره.

٢ضبط المصطلحات.

تُرسّخ الكلمات و تجسد أيدلوجيات معينه، فكلمة ” نيجرو” في النضال الحقوقي لسود الولايات المتحده كانت تجسد الفصل العنصري و التمييز و التحقيير وغيرها من مخلفات الاستعباد ….و لذلك كان لزاماً علي الدوله ان تقتل هذا التعبير وتنفي تلك الأيدلوجيا من ذهنها الجمعي …. فأصبحت تلك الكلمة مجرمه بفعل القانون!.

في الإطار القبطي يحب ان تعامل كلمة ” ذمي” نفس المعامله كرديفه لثقافة وتاريخ القهر و الإذلال العربي… تُجّرم بقانون يعطي أشارة بدء لنية الدولة لتصليح المسار التاريخي الخاطئ للدولة الدينية الظالمة و التحول الي الدولة المدنية الراشدة.

٣إيجاد أرضيه حقوقية مشتركة للإنطلاق

من غير المُستَعجب أبداً في مسيرات حركة الحقوق المدنية و جود متظاهرين من ذو البشرة البيضاء، فالحركة لم تكون حركة حقوق السود وإلا وضعت حاجز نفسي لأصحاب الاثنيات الآخري، وحصرتها في حقوق فئة ضئيلة … 

عبقرية تلك الحركة انها وضعت قاعدة اخلاقية يستدعيها الأقليات اللاتينية و المسلمة و الآسيوية … الخ للحصول علي حقوقهم الي الآن.

في المقابل لم يضِر القضية القبطية و عدالتها قدر حصرها في إطار ديني لمسيحي مصر، و امعاناً في الطائفية و فساد المنهج في التعامل مع تلك القضية تصدر المشهد رجال الدين و الإكليروس كمتحدثين بأسم الأقباط، تلك الآلية الفاشلة صممتها بخبث شديد السلطات المتعاقبة علي مصر لتصبح القضية قضية أقلية دينية تحصل علي حقوقها كمنن وهبات من الأغلبية الدينية، وتضعها ايضاً كسد لتكميم أفواه من يطالبوا بكامل فاتورتهم الحقوقية.

لو نهضت مصر في حركة حقوقية غير مصنفة و مفتتة دينياً تنادي بحق النوبي و المسيحي و الجنوبي والشيعي و البهائي و الملحد… الخ، لصنعنا مشهد قريب جداً من خطاب ” لدي حلم” لكنج الذي شارك فيه كل أطياف المجتمع الامريكي من البيض والسود، لوقف الكثير من المسلمين السنيين المستنيرين مع كل أطياف المجتمع ينادوا بحقوق واحدة علي ارضية المواطنة.

٤الصمود و الحرب النبيلة.

يذخر كتاب حركة الحقوق المدنية بالأساليب الإنسانية الراقية و “الحاسمة” للمطالبة بالحقوق، و الصمود و دفع الثمن.

فبعد المسيرات …و تسيير الحافلات المختلطة بين البيض والسود …و المعارك القانونية لإنهاء الفصل العنصري بالجامعات …و جمع الزخم الشعبي… و الكتابة و إلقاء المحاضرات …و الصمود امام السجن التعسفي و العنف من القتلة و المخربين و العنصرين .. ، انتصر المناضلون في النهاية و حصلوا علي حقوقهم المتأخره

ولكن هذا لايعني الإغراق في الرومانسية ففي حركة الحقوق المدنية ايضاً ظهر العنف و التشرذم و هو ديدن كل حركات الثورية و الحقوقية الغير ناضجة ، إلا ان قيادة نابهة ككنج كانت تعيد الحركة لمسارها السلمي.

مطالبي الحقوق المدنية يجب ان يحتملوا و يستبسلوا في كفاحهم علي المحور القانوني القضائي، و المحور الشعبي من مسيرات حقوقية سلمية تجمع اطياف الشعب، و المحور التثقيفي من مقالات و دراما …. وحتماً يوما سينصرون.

٥الحقوق تُنزع لا تُمح

ماطل الرؤساء و السياسيين في إعطاء السود حقوقهم و مارسوا لعبة السياسة القذرة في إعطاء الوعود البراقة وبعدها القيام بالاتصالات السرية لتفريغ اي خطوة حقيقية من محتواها … وجمد الديمقراطيين الوضع المتأزم ليقنعوا السود بأنهم طوَّق النجاة و ليبقوا أقصي مدة في السلطة … ويرصد المؤرخين ان في المساء كان يتصل كنيدي بأخوه المحامي العام لمنع اي مكسب حقيقي للمناضلين السود.

ولكن في النهاية انتصروا … لانهم صمدوا 

فبين مسيرة “حجاج الصلاة” الحاشدة امام مبني لينكولن التذكاري في مايو ١٩٥٧ وتوقيع وثيقة الحقوق المدنية في البيت الأبيض في يوليو ١٩٦٤ تاريخ من الصمود و الجلد واليقظة.

اخيراً القوانين لا تغير الثقافة ولكن تُوجِد ثقافة بديلة، و دولة التنوير و القانون ترسّخها.

لم تنتهي العنصرية من أمريكا … و ربما لن تنتهي . ولن تنتهي الطائفية و العنصرية من صدور الناس قي مصر.

ولكن عندما يتوحد الضمير الجمعي علي أساس أخلاقي نبيل و ينتصر في معركة التنوير و يؤسس لدولة القانون و يُعمله ، يصبح العنصري المتطرف مجرم قانوناً اذا مارس خطاب كراهية ثم يصبح منبوذاً بعد جيل او جيلين من مَن خروجوا في مناخ انساني صحي يقبل تعددية يحميها القانون.

هكذا انتصرت الانسانية و الثقافة الحقوقية عندهم ….. وهكذا ينبغي ان تنتصر عندنا.

رأيت في كتاب نضال الحقوق المدنية صور لسيدات تُسحل و تُضرب لانهم رفضوا ان يكونوا منوبوذين أو درجة ثانية تكون لهم مقاعد و حافلات لوحدهم ….. رأيت مدير فندق عنصري يسكب الأحماض في حمام سباحة علي السود الذين تجرّؤوا و شاركوا البيض في السباحة!!!! . رأيت الكثير و الكثير جداً من القمع و العنف والقهر ….فلا أصدق انها نفس أمريكا التي أعيش فيها و الذي انهي فيها اول رئيس أسود ولايته من قليل،و تضمن حقوق كل الأقليات والتي انا و احد منها

أقارن حقوقي كإمريكي و امتدادي التاريخي فيها الذي هو فقط عشر سنوات. واقارنه مع امتدادي التاريخي لعشرات الآلاف من السنين في مصر و مع ذلك أري اخوتي يتناثرون اشلاء ويُعرون ويُسحلون

ولكن،

أنظر لنهاية كتاب الحقوق المدنية ….. وأعطي لنفسي جرعة تفاؤل ضخمة و اتنهد قائلاً 

الحق و الخير والجمال سينتصر يوماً …. وحتماً

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, جورج دميان and tagged , , , , . Bookmark the permalink.