تأملات أكتوبرية

د. السيد نصر الدين السيد  

لا بمكن تقدير عظمة الإنجاز العسكري الذي حققه الجيش المصري منذ 44 سنة في السادس من أكتوبر 1973، دون الرجوع الى ما حدث في 5 يونيو 1967. فمنذ 50 سنة وفي تمام الساعة 7:45 صباح يوم الاثنين الموافق 5 يونيو 1967 قامت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ أولى موجات “العملية تركيز”Operation Focus التي استهدفت مطارات سلاح الجو المصري. وقد اسفرت موجات هذا الهجوم عن تدمير 388 طائرة مصرية واستشهاد 100 طيار هذا بالإضافة تدمير ممرات اقلاع وهبوط الطائرات في المطارات الحربية.

وبينما كانت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تواصل هجماتها كانت إسرائيل تحشد قواتها على حدود سيناء استعدادا للهجوم عليها. وهو الهجوم الذي بدأ الساعة 7:50 صباحا عبر محورين. الأول هو المحور الشمالي الذي تقدمت عبره مجموعة الجنرال تال مستهدفة مدينتي غزة والعريش. وفي نفس الوقت تقدمت مجموعتي كلا من الجنرال أبراهام يوفي والجنرال أرئيل شارون عبر المحور الجنوبي. واستمرت المعارك الشرسة بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية علي مدى يومي 6 و 7 يونيو لتنتهي يوم 8 بسيطرة إسرائيل الكاملة على سيناء. وتخبرنا حسابات الربح والخسارة ان المصريون تكبدوا خسائر فادحة تمثلت في تفكك جيشهم وتدمير عتاده وفقدانهم ما بين 9.800 و15 ألف قتيل وجريح، و4.300 أسير. وفي المقابل كانت الخسائر في صفوف الإسرائيليين بين 776 و983 قتيلاً وحوالي 4.500 جريح. وبإعلان جمال عبد الناصر تنحيه عن رئاسة جمهورية مصر مساء 9 يونيو 1967 عرف الجميع بهزيمة الجيش المصري الساحقة على ايدي جند ما درجوا على تسميته بالكيان المزعوم. 

وكان وقع الهزيمة على قلوب المصريين صادما اذ اخرجتهم مرارة احداثها من حلم وردي كانوا يعيشون فيه. حلم صنعته أجهزة الاعلام وامتزجت فيه الحقائق مع المبالغات، والتمنيات مع المتحققات. حلم كان فيه جيش مصر هو الجيش الحديث القوي القادر على الدفاع عن حقوق المواطن وعن حدود الوطن. ولم يكن كل ما جاء في حلمهم من قبيل التمنيات فقد كانت مراكز أبحاث جيشهم تعمل على تصميم طائرة مقاتلة هي “القاهرة”، وعلى تطوير منظومة الصواريخ الاستراتيجية: الظافر بمدي 376 كم والقاهر بمدي 602 كم والرائد بمدي 1000 كم.

ووجد القائمون على الأمر أنفسهم امام مهمة صعبة وهي إعادة بناء الجيش المصري، وتعويض ما خسره من عتاد، وتعزيز قدرته على استيعاب الأسلحة الحديثة في أقصر وقت ممكن. ولم يكن هذا بالأمر الهين فاستيعاب منظومات التسليح الحديثة، مثل منظومات الدفاع الجوي الصاروخية، والتدريب على استخدامها يتطلب توفر حد أدني من المعرفة لدى المتدربين. لذا كان القرار بالتوسع في تجنيد الحاصلون على مؤهلات عليا وتوزيعهم على أفرع القوات المسلحة للخدمة بها كجنود. وقد كان قرارا غير مسبوق في تاريخ المؤسسة العسكرية المصرية فقد جرى العرف ان من يتم تجنيده من حملة المؤهلات العليا يلتحق بكلية الضباط الاحتياط ليؤدي فترة تجنيده كضابط. 

ولقد كان لهذا القرار آثاره الإيجابية والآنية على أداء القوات المسلحة في حرب السادس من أكتوبر والتي من أهمها:

سرعة استيعاب الجنود المقاتلين للأسلحة الحديثة والأكثر تعقيدا، 

رفع مستوى الأداء القتالي للقوات. فعلى سبيل المثال أسفر تجنيد حملة المؤهلات العليا في وحدات الدفاع الجوي عن تقليل الزمن اللازم لفك وتركيب بطاريات صواريخ سام 2 المضادة للطائرات مما سهل من إقامة كمائن لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي. فبمجرد رصد الطائرات الإسرائيلية لموقع بطارية الصواريخ تمهيدا لضربها يتم تفكيكها ونقلها من الموقع المرصود لموقع آخر لم يتم رصده ويمكنها من التعامل مع الطائرات القادمة والمكلفة بتدمير الموقع الذي تم رصده.

وكان هؤلاء هم المفاجأة التي تحدث عنها الجنرال شارون عندما سأله مذيع التلفزيون البريطاني عن وجهة نظره، فيما يراه المفاجأة في حرب أكتوبر؟ فجاءت إجابته “إن المفاجأة الحقيقية، كانت الجندي المصري، الذي اختلف عن الجندي في عامي 1967 و1956”. 

ولعل هذا القرار يعتبر واحدا من أهم نتائج حرب السادس من أكتوبر التي لم تحظى باهتمام الدارسين. وتعود أهميته الى ان آثاره لا تقتصر على ما دار من عمليات في هذه الحرب اذ ان صدوره ينهي، على الأقل من الناحية النظرية، ظاهرة لازمت بنية الجيش المصري الحديث منذ نشأته وهي ظاهرة “التمايز” او اختلاف المصدر الذي يغذي فئة الضباط عن ذلك الذي يغذي فئة الجنود. ففي البداية تشكلت فئة الضباط من بقايا المماليك والأتراك والشراكسة والآخرون من ذوي الأصول العرقية المختلفة بينما كانت فئة الجنود قاصرة على المصريون. وفي مرحلة لاحقة كانت الطبقة المتوسطة هي المصدر الرئيسي لفئة الضباط بينما كانت الطبقات الأدنى هي المصدر الرئيسي لفئة الجنود. وبإنهاء هذا التمايز يصبح المجتمع المصري بكل طوائفه هو المصدر الوحيد لكل من الفئتين فئة “الضباط” وفئة “الجنود”. وتوحد المصدر لابد وأن يؤدي تواصل فعال بين مكونات الفئتين ومن ثم الى أداء أفضل.

لقد لعب الجيش المصري أدوارا حاسمة في تطور المجتمع المصري ولا يزال. ففي البداية لعب دورا شبيها بالدور الذي لعبه جيش الدفاع الإسرائيلي وهو “بناء الأمة” (السيد, 2013). واليوم نراه عنصرا فاعل فيما يحدث من تحولات. لذا تصبح دراسة العلاقة المتبادلة (او التأثير المتبادل) بين المجتمع وجيشه امر مطلوب لتعظيم الاستفادة وانتقاء أفضل المسارات.

المراجع

السيد, ا. ن. ا. 2013. سلام مربع لـ “جهادية” بلدنا. 

http://www.civicegypt.org/?p=42623 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.