نحن وهم… بين المعرفة العلمية والأحكام القيمية

أرنست وليم  

نحن في حالة اصرار غير عادي لنكذب العلم لصالح ما نعتبره خصوصية ثقافية ونص مقدس، فالهوى لا الحجة، التهافت خلف اطباء ذوي نزعة دينية اصولية – شرقية أو بروتستنتية امريكية لا ثقل علمي لهم إلا عند مرضى مثلهم – لا اللهفة على المعرفة المحايدة المنزهة عن الهوى وإلا ما صارت علما على الحقيقة، ولكن وللأسف هذا عين نهجنا ومنهاجنا السقيم..

نحن نعيش في هذا الشرق الكئيب، وهو كئيب ليس ظلما ولا جور من احد علينا، ولا مؤامرة حاقد كاره لنا، بل هذا عين ما نستحقه ما دامت الغالبية العظمى منا، حتى ممن يدعي الاستنارة والتنوير بل ومن يعتبرون انفسهم اطباء واستشاريين تُغلب الهوى على المعرفة العلمية التي هي وحدها اداتنا لمعرفة الكون وانفسنا، اقلهم مخلص ولكن مرجعيته العلمية يضعها في المرتبة الثانية بعد نص مقدس أو هوى في النفس أو قيم مجتمعية بنت النص والاستحسان والاستبشاع والتفكير بالتمني وبلوغ المرتجى بمصطلحات علمية لخداع السذج المشتاقين للتصفيق والباحثين عما يشعرهم بصدق ما يؤمنون به سلفا وتدمع له العين طربا… واغلبهم يتشدقون بالبر يهيمون بالقبول والاعجاب بإظهار التقوى والورع والتسليم لله وهم بلا خلق ولا شرف – انه اعلامنا يا سادة ومستنيرينا الذين مازالوا عبيد الموروث الذي جعلنا في زيل الامم بل عالة بل وباء على من سبقونا في الصيرورة بشر.

وفي النهاية يبقى العلم علما، وتبقى الادلة الخطابية الرنانة وحشرجات الصوت الخارجة من مقاعد متهالة صارت مع زمان “روبابيكة” بلا قيمة لمن يعرف للقيمة معنى.

وعلى ذلك، ولمن يجد في صدره متسع لقراءة رأي مخالف فقد اخترت لكم تعليق مطول للصديقة Mona El Laithy – في حيثيات اتخاذ المنظمات والجمعيات الاكاديمية المعتبرة والمحترمة رفع المثلية من قائمة الاضطرابات او الامراض النفسية او الجينية أو البيولوجية.

هذا ولمن يهمه الأمر.

ما هو سبب المثلية الجنسية؟

ليس سبباً واحداً فالمثلية الجنسية متداخلة الأسباب..

في الواقع المثلية الجنسية سببها مرتبط بعاملين وهما بيولوجي وجيني.

السبب الجيني : العلاقة بين التوجه الجنسي والبيولوجي..

في اول مراحل تكوين الجنين بيكون ظاهرياً وفزيائياً انثي او بالمعني الأدق ( جنس محايد ) وبستمر لمدة 5 او 4 اسابيع من التخصيب نتيجة سيطرة كروموسوم X، وبعد ذلك بيبدأ يظهر مفعول كروموسوم Y وده الكرموسوم المنتقل من الذكر وبيحمل SRY gene، اللي مسئول عن تثبيط بعض صفات كروموسوم X وفرض صفاته الخاصة واللي بتتواجد في الذكر..

في منطقة في المخ اسمها (SDN) وده اختصار لـ( sexually dimorphic nucleus ) وبتتواجد بجانب الـ( hypothalamus – تحت المهاد ) ودي – SDN – المسئولة عن التفضيلات بين الجنسين حيث تتغير حجمها تبعاً لتغير ( التوجه الجنسي ) فمثلاً توجد في الذكور المغايرين اكبر عن غيرهم..

هذه المنطقة تستجيب للهرمونات والأندروجينات والتي تبدأ في تشكيل التوجه الجنسي للجنين، ويتغير التوجه حينما تتغير نسبة التستوستيرون بالنسبة للأندروستيرون وهذا هو السبب البيولوجي للتوجه المثلي ( Homo ) والمزدوج ( Bisexual ).

السبب الجيني : العلاقة بين التوجه الجنسي والجينات..

في سنة 1993 نشر ( دين هارمر – عالم وراثة أمريكي ) نتائج تحاليل تثبت وجود ما يُسمي بجين المثلية عن طريق الربط بين عينة مكونة من 76 ذكر واسرهم ووجد ان هناك اشترك بينهم في التوجه الجنسي.

واستخلص من ذلك ان المثلية الجنسية ليست اختياراً ( أو نمط حياه كما إدّعي البعض )، وإنما هي توجهات خاضعة للجينات وتحديداً جين ” Xq28 “، وبعدها في عام 1998 قاموا بتجربة اخري وتوصلوا إلي نفس النتيجة تقريباً.. ولكن حتي هذا الوقت كانت ما تزال كل العينات صغيرة..

واستمرت عمليات تحليل وربط النتائج بعد ذلك ( Bailey – 1999 ) , ( McKnight and Malcolm – 2000 ) , ( Mustanski – 2005 ) ولكن النتائج لم تطابق اول تحليلين لكنها اظهرت اهمية هذه العلامات في الجينات : 7q36 / 8p12 / 10q26.. وهذا دفعهم لإستمرار في الدراسات الأسرية.

في 2012، تم الإبلاغ عن نتائج او دراسة شاملة واسعة النطاق ومتعددة المراكز تربط بين التوجه الجنسي والجينات من قبل مجموعة مستقلة من الباحثين في الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية..

تلك الدراسة كانت علي حوالي 409 زوجا من الإخوة مثلي الجنس، وتم تحليل أكثر من 300,000 وحدة من النوكليوتيدات – احماض نووية – وعادت نتائج دين هارمر لتتكرر بقوة وظهر جين المثلية ” Xq28 ” مرة اخري.

وتم رسم الخرائط التوضيحية لمكان الجينات وذلك ساعد في الربط القوي بين منطقة ( pericentromeric ) من الكروموسوم الثامن، وخلص الباحثون إلى أن ” النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن الاختلاف الجيني في كل من هذه المناطق يسهم في تطوير سمة نفسية هامة في التوجه الجنسي “.

ويمكن ان نستنتج مما سبق ان..

للجينات دور اساسي في التوجه الجنسي وهو ما يعرف بالدور الحتمي للجينات في التوجهات الجنسية.

اسئلة شائعة عن المثلية وإجابتها.

هل المثلية الجنسية سلوك بشري فقط؟

الإجابة : لا.. فتبعاً لآخر الدراسات تم ملاحظة اكتر من 1500 فصيلة بتمارس علاقات مثلية، وهذه الدراسة هي اقوي رد علي من يروج ان اكذوبة ( المثلية هي إنحراف بشري يخالف الطبيعة )..

ويرجع لظهور هذه الدراسة وتأكيد نتائجها ونشرها الفضل في غلق الباب نهائياً وللأبد امام إدعاءات العلة / المرض الجنسي وما تروج له القصص والروايات الدينية في ان تلك السلوكيات انما هي انحرافات بشرية وليست في الطبيعة من شئ، وهذا ما تنكره الطبيعة بنفسها.

هل المثلية الجنسية إضطراب نفسي او عقلي؟

الإضطراب ( Disorder ) مصطلح طبي في الأساس، ويعني خلل او نمط عقلي وسلوكي يصيب الإنسان ويشكل له عائق عن ممارسة حياته بشكل عادي.. ويتم تشخيص حالات الإضطراب بمعزل عن المعايير الإجتماعية.وهذا هو تعريف ( منظمة الصحة العالمية – WHO ) و ( الرابطة الأمريكية للطب النفسي – APA ) وغيرهم من المؤسسات العالمية المختصة.

نرجع لسؤالنا.

هل المثلية الجنسية إضطراب نفسي او عقلي؟

لحد يوم ( 14 ديسمبر 1973 ) كان بيتم تصنيفها كإضطراب عقلي طبقاً لمعايير تشخيص الرابطة الأمريكية للطب النفسي، وبالرغم من المناقشات المطولة اللي بدأت من تاريخ اعتبارها ( اضطراب عقلي في 1952 ) وبعد مراجعة لعدد من الإحصائيات والدراسات قام بيها مجموعة علماء هم ( كينزي وبوميروي ومارتن وجبهارد – 1953 ) بدأ يتم مناقشة الموضوع بشكل منضبط اكثر.لكن اقوي دراسة ظهرت خلال تلك الفترة هي لـ( ايفلين هوكر في 1957 ) وكانت بعنوان ” ان تكون مثلي هو صحي مثل ان تكون مغاير ” وينسب لتلك الدراسة الفضل في إسقاط الإدعاء بوجود خلل او اختلال وظيفي مصاب به الشخص المثلي ولا يوجد في الشخص المغاير.

وبعد حوالي 16 سنة تقريباً من الجدال الذي اصبح يخضع للمعطيات الجديدة فقد تم التوصل إلي وجوب وضع تعريف مُنضبط للإضطرابات – وهو ما ذكرناه في الأعلي – وبالتالي ستُحذف ( المثلية الجنسية – Homosexuality ) من الدليل التشخيصي للإضطرابات النفسية والعقلية ( DSM ) حيث لا ينطبق عليها معايير الإضطراب النفسي وهو ما تم بعد موافقة 20 ألف من مجلس امناء المنظمة.

وتم إجراء تصويت بين عدد كبير من الإطباء النفسيين والتوصل إلي نفس النتيجة في 9 ابريل 1974 مع الإحتفاظ بوجود ( اضطراب التوجه الجنسي ) وهو إنزعاج – عدم إرتياح – الشخص لتوجه الجنسي.. وهو ما تم حذفه في عام 1986 بعدما كان يستغله بعض الأشخاص الذين يحملون كره شخصي وتعصب ديني تجاه المثلية الجنسية.

وقد سارعت الجمعية الأمريكية لعلم النفس ( اكبر مؤسسة لعلم النفس في العالم ) بتأييد قرار رابطة الطب النفسي وازالة المثلية من الإضطرابات المرضية وحذف وصمة العار التي لحقت بالمثليين والمثليات، وأعترفت بأن المثلية الجنسية هو توجه جنسي وليس انحراف او خلل او اضطراب جنسي، وذلك في عام 1975

هل الشخص المثلي شاذ فسيولوجياً!

في البداية ( الفسيولوجيا هي علم وظائف الأعضاء )، والشخص الطبيعي فسيولوجياً هو الشخص اللي اعضاءه بتأدي وظائفها بشكل طبيعي، لكن في الحقيقة ان القاعدة دي مبتنطبقش علي السلوكيات الجنسية تحديداً لأن كلما زاد ذكاء الكائن الحي بدأ يستخدم قدراته واعضاءه إما في تحقيق اقصي متعة ذاتية او الإستعراض.

وبما ان كل الحيوانات بتمتلك جهاز تناسلي يبقي وظيفتها هي التناسل فقط لكن ده غير منطقي لما تعرف حياة الدولفين الجنسية، بجانب قردة البونوبو والشامبانزي وطبعاً البطاريق وغيرهم كتير..

قيس علي ذلك كل السلوكيات الجنسية الأخري..مثل استخدام الغير- مثليين الشرج مثلاً.. ويمكن ابسط طريقة لإيضاح فكرة عدم ارتباط السلوك الجنسي بمعايير التقييم الفسيولوجي الإعتيادي هو : لماذا توجد هناك آلاف النهايات العصبية الحساسة جداً في منطقة الشرج بالرغم من ان كل ما تحتاجه لوظيفة الإخراج هو عضلات للإنقباض والإنبساط فقط.

هل يمكن اعتبار المثلي انثي في الممارسة المثلية؟

الإجابة : لا.. فيه فرق بين ( التوجه المثلي Homosexuality ) و ( إضطراب الهوية الجنسية – GID ) ولازم تستوعب جزئية صغيرة ومهمة جداً وهي ان المثلي لا ينجذب للأنثي علي عكس الذكر المغاير.. وايضاً المثلي لا يشعر بالإنجذاب تجاه المظاهر الجسدية المثيرة بالنسبة للذكر.

اي ان المثلي يثار من مشاهدة الجسد الأنثوي وتوجهه الجنسي بيحكمه مثل ما توجهك الجنسي بيحكم المغاير بالظبط انت تحب جسد المراة لانه مرتبط بالممارسة الجنسية المغايرة.

هل المثليات يمارسن دور الذكور في العلاقة المثلية؟

الإجابة : لا.. الأنثي المثلية لا تنجذب لأجساد الذكور ولا لكونها ذكراً في الممارسة الجنسية، وتشعر بالرغبة الجنسية تجاه انثي مثلها فقط.

هل المثلي او المثلية مؤهلين للتبني وبناء اسرة؟

الإجابة : نعم.. اي شخص حتي لو كان غير مرتبط من حقه انه يتبني شخص ويهتم به ويراعيه مع حفظ حقوق الطفل بشكل تام ومحاسبة المسؤول عنه عن اي ضرر يصاب به في الفترات الأولي والمحورية في حياته بشكل خاص.. وهذا ينطبق علي المثليين.

نعم هل المثلي او المثلية لديهم عاطفة الأمومة والأبوة؟ 

موجودة كذلك في الشخص العاجز جنسياً و ايضاً المصاب بالعقم مثل ما هي موجودة عند الشخص القادر علي الإنجاب، وفي الأنثي نفس الشئ بالظبط.. قد تكون عاقر ولكنها تمتلك عاطفة الأمومة.

هل المثلية الجنسية اختيار؟

في الحقيقة ان صيغة السؤال لازم تكون مجردة اكتر، ليكون ” هل التوجه الجنسي اختيار؟ ” والإجابة : لاء.. نحن نتاج تفاعل مجموعة جينات في ظل ظروف طبيعية ( الحمل ) انتجتنا.. بشكل كامل.. بدايةً بمواصفاتنا الجسدية ومروراً بتوجهاتنا الجنسية لحد الرغبات والسلوكيات الفطرية التي تسمي بـ ( Epigenetics ).

Epigenetics

توضيحات / الخلاصة :

المثلية الجنسية ليس خلل او تلف او اضطراب او اي مصطلح آخر يمكن ان يستخدمه البعض ليدعي انها مرض.

^ رأي المؤسسات والمواقع الطبية العالمية في المثلية الجنسية..

– WebMD ( اشهر موقع طبي في العالم ).

– American Psychological Association ( جمعية علم النفس الأمريكية )

– American Medical Association ( الجمعية الطبية الأمريكية ).

Who ( منظمة الصحة العالمية ).

– OHRC ( قانون حقوق الإنسان – آونتاريو ).

– e-medicinehealth ( احد اشهر المواقع الطبية في العالم ).

هناك مئات المؤسسات غيرهم لكن اكثرهم تأثيراً في المجتمع الطبي العالمي.. تقدر تتأكد بنفسك من هذا الكلام.. اللينكات متاحة امامك.

هناك علاقة اساسية بين الإنسان والحيوان..

الدراسة التي تشير إلي الحيوانات التي تمارس الجنس المثلي تثبت ذلك فالإنسان هو احد الكائنات الحية والذي يخضع وجوده للتطور – حقيقة علمية – ويتم ذلك بآلية ( نظرية التطور ) التي توصل لها ” داروين ” والتي هي اساس البيولوجي، ولها علم خاص بها ( علم الأحياء التطوري ).

وبالتالي لازم تكون عارف بإن ( نظرية التطور ) حقيقة علمية.. والجملة سليمة لغويًا بس حاول تقرأ عن الموضوع من مراجع متخصصة في النظرية وتطالع المواقع الأجنبية المختصة بالتطور وبتشرح الأدلة عليه بشكل تفصيلي بسيط جداً.

العلم له منهج منضبط وواضح.

الرجاء ان نفرق بين رأيك الشخصي ضعيف الدلالة وبين العلم بصيغته الموضوعية ومنهجه التجريبي.

لو مقتنع بإن هذه الأبحاث اعلامية او مؤامرة فأنت حر لكن لا تنسي بأن اغلب الأدوية والعلاجات المُتبعة الآن تم الموافقة عليها واعتمادها من تلك المؤسسات والجهات الطبية العالمية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.