مطالبة شرعية بتوقيف الفزازي عن الخطابة والإمامة

 د. محمد ناجي  

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على خاتم النبيئين والمرسلين.

أما بعد

فبدون مقدمات ألتمس منكم يا سيادة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أن توقفوا الشيخ محمد الفزازي عن الاستمرار في إمامة الناس وإلقاء خطبة الجمعة عليهم، في كل المساجد المغربية؛ درءً للشبهات واستبراءً للدين..

وإذ أتقدم إلى وزارتكم بهذا المطلب، فلأنني أبنيه على مبررين اثنين: شرعي واجتماعي، كلاهما أستفيده من تصريحات الشيخ الفزازي نفسه، التي سأعرضها بدون الدخول في تفاصيل وقائعها لأنها في متناول الجميع، في معظم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

فأما المبرر الشرعي: فأنطلق فيه من تصريح الشيخ الفزازي بأنه أحضر معه قبل حوالي خمسة أشهر السيدة حنان من نواحي سبت كزولة إلى منزله بطنجة مباشرة بعد أن خطبها من والديها، بدون إبرام عقد نكاح شرعي، حيث أسكنها مدة ما في منزله، ثم انتقل بها بعد ذلك ليسكنها في غرفة في مقر جمعية تابعة له، حيث أقامت ثلاثة أشهر ، حسب تصريحاته هو نفسه. وقد ذكر في ذات التصريح ـ بصيغة محتشمة ـ أنه لم يمسها خلال هذه المدة. ولكن هذا ـ على افتراض صحته؛ ولو انه مستبعد كما سنبين ـ فإنه لا ينفي اختلاءه بها الخلوة الشرعية المحرمة؛

إذ من معلوم أن الشرع الإسلامي، بكل فرقه ومذاهبه، لا يبيح اختلاء رجل بامرأة ما لم تكن زوجة له أو مَحْرما.

ومعلوم أيضا أن الخلوة المحرمة في الإسلام، لا تعني بالضرورة أن يثبت حدوث (معاشرة) بينهما خلالها؛؛ لأن تعريف الخلوة ومفهومها لا يشترط حصول الجماع، وإنما يقيدها بقيدين

اثنين:

أولهما : انفراد رجل بامرأة في مكان يأمنان فيه من أن يطلع عليهما أحد من الناس، بحيث يتمكن الشخص من فعل ما يشاء وهو آمن. فإذا لم يكن عنصر الأمن متوفرا، وكانت هناك إمكانية لدخول شخص ثالث عليهما على حين غفلة، فلا خلوة. ولم ينظر الشارع هنا إلى وقوع المحظور، وإنما نظر إلى إمكانية وقوعه لما يوفره المكان من أمان واختباء عن أعين الناس.

ولا شك أن الشقة التي جعلها الفزازي مقرا للسيدة حنان، والتي كان يتردد عليها فيها، هي مكان آمن، إذ لا يمكن لأحد أن يفاجئهما فيه بدون إذن، أو بدون أن يفتحا له الباب، وأنه كان يزورها بكل حرية في أي وقت يشاء من ليل أو نهار، ويجالسها ما أرادت له نفسه أن يجالسها، أو حتى أن يبيت عندها لو يشاء.

أما القيد الثاني فهو ما يعبّرون عنه بقولهم: “ما تُغلق فيها الأبواب دونهما، أو تُسدل السُّـتُـر لتحجبهما خلفها”، ولذلك اختصروا هذا بقولهم : “إنما الخلوة في البيوت”، لأن البيوت عادة هي التي تكون ذات أبواب وستر. والبيت قد يكون طوبا أو خيمة أو غير ذلك مما يأوي إليه الإنسان باعتباره سكنا له وسِترا.   

وبطبيعة الحال فإن تلك الشقة التي أقامت فيها السيدة حنان طوال تلك المدة ، كان لها باب يغلق عليهما، وكانت تقيم في غرفة فيها لها باب أيضا، مما يجعل مفهوم الخلوة الشرعية المحرمة مكتملا بجميع عناصره وقيوده؛ ومما يترتب عليه أن الشيخ؛ وإن لم يكن قد ارتكب الكبيرة؛ فقد ارتكب الصغيرة بمكوثه مختليا بتلك السيدة لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر، وعند الفقهاء «أن مكوث العبد على الصغيرة أعظم من إتيانه الكبائر» .

 فإذا كانت الخلوة محرمة ولو لمرة واحدة، فما ظنك بثلاثة أشهر، لا جرم تتوفر فيها مرجحات قوية على تطورها إلى معاشرة جنسية بينهما . نذكر من هذه المرجحات :

أولا : تصريح السيدة حنان بأنه كان يعاشرها، وبأشكال وطرق شتى، وليس للشيخ من الأدلة ما يستطيع أن ينفي به هذا الادعاء نفيا باتا وقاطعا،، لأن حجتها في هذا الباب أرجح من كلامه؛ لثبوت الخلوة، وزيارته لها وقتما أراد.

المرجح الثاني : أنه كان ينفق عليها طوال تلك المدة، مع أنه لم يكن ملزما بذلك شرعا، فالنفقة إنما تكون على الزوجة وليس على الخطيبة. وهو ما يجعل يده طويلة عليها.

الثالث : صرح الشيخ بأن المرأة لم تكن تمارس شعائرها الدينية، وأنها تقضي الليل كله في الشات، أو ربما تخرج بالليل ولا تعود إلا متأخرة، وتنام إلى وسط النهار. ومعنى هذا بالنسبة للشيخ الفزازي ومقصده، أنها لم تكن سيدة وقورا حصانا. ونحن نستنتج من هذا أن تلك السيدة إذا كانت كذلك، وكان صادقا فيما ادعاه عليها باللفظ الصريح الذي ترفعنا عن ذكره؛ فهذا يزيد من احتمال وقوعه عليها، ولو دون أن يعلم بحالها؛ لأن هذا الصنف من الفتيات، ستعمل جاهدة لإغوائه بمفاتنها ودلالها كلما اختلى بها. ومما يزيد هذا الاحتمال قوة أن لديها الوقت الكافي لتكرر المحاولة وتعيدها لمرات ومرات حتى تصيب منه لحظة ضعف؛ إذا كان يمتنع عليها؛ وما أضعف الرجل أمام إغواء النساء.

فلنتصور جميعا الشيخ الفزازي واقفا أو متكئا بإزاء فتاة شابة، هيفاء عيناء، ممشوقة القوام، لا ضامر ولا ثخين، لا تتمنع إذا اقترب، ولا تسومه إذا لامس عضوا منها؛ بل تتدلل له، وتنثنى أمامه، وتبسط له يدها؛ وتقول له : هيت لك ! والشيخ الفزازي ليس هو نبي الله يوسف، الذي لولا أن تداركه ربه لكان قد وقع في المحظور رغم نبوته.

فما مدى قدرته على المقاومة والتمنع؟

هذا إذا افترضنا أن الشيخ لم يكن في أي لحظة هو السباق إلى المداعبة، والداعي إلى التعجيل بالبر؛ متمثلا بخير البر عاجله، وبإنما الأعمال بالنيات، وليس في الوقت متسع لمزيد من الانتظار وقد أشرفنا على السبعين، وتكاد الذبالة تنطفي.

المرجح الرابع : أن أقصى مدة تصبر فيها المرأة على زوجها، أربعة شهر، حسب ما ورد عن عمر بن الخطاب، أنه سأل ابنته حفصة: كم تصبر المرأة على زوجها، فقالت : أربعة أشهر. وهذا في أشد الظروف استثناء، كخروج الزوج للجهاد في مكان قصي.

وعند الفقهاء أن الرجل إذا حلف ألا يطأ امرأته، أو هجرها ليؤدبها، فإذا انقضت أربعة أشهر، فإنه يُـخيّر بين إيفائها حقها أو تطليقها.. لأن المرأة لا تقوى على أكثر من ذلك في الأحوال العادية التي ترى فيها زوجها كل يوم أو يومين وتسلم عليه وتكلمه .

وقد بقيت حنان عند الشيخ في بيته وفي المقر الذي خصصه لها لمدة خمسة أشهر، تراه يتردد عليها كل يوم، فكيف تصبر عليه؟

فإذا أضفنا إلى هذا أنها كانت في عنفوان شبابها، وقمة عطائها، وفي أقصى حيويتها وارتفاع درجات مراهقتها؛ فتاة شابة ناضجة يافعة في الثامنة عشْرة من عمرها، فلا شك أن صبرها على زوج متواجد بجانبها، يحبها، ويزورها كل يوم، ويسترضيها، ويدللها..،، أمر مستبعد جدا. 

وحتى إذا ما أراد الفزازي أن يختبئ وراء اتهامها بأنها كانت تخرج بالليل وتلتقي بشبان وتمارس معهم ما تمارس، فمسؤوليته في هذا أشد مما يعتقد؛ لأنه كان مؤتمنا عليها، ولأنه أصبح مسؤولا عنها منذ أن أخذها من بيت والديها إلى بيته، فأصبحت تحت حمايته وكفالته، فكيف يجعلها تصل إلى تلك الحال دون أن ينتبه إليها، أو يصدها عن الفاحشة والمنكر.

والسؤال الذي يطرح هنا : لماذا لم يخبره حارس العمارة منذ اليوم الأول أو الثاني لخروجها ليلا ورجوعها في وقت متأخر؟ هل كان يعتقد أنها كانت تخرج في منتصف الليل لصلاة التراويح؟

إن هذا الاتهام الذي يريد أن يلصقه الشيخ بفتاته لا يستسيغه العقل، ولا يتوافق مع طبيعة المجتمع المغربي الفضولي المحافظ . 

هذا بالإضافة إلى ثبوت قيامهما بسفريات إلى منتجعات سياحية حيث شاهده عموم المواطنين. وقد وثقت حنان سفرتهما إلى سيدي احرازم بدون عقد نكاح شرعي، مما يقوي من عنصر الشبهة في سلوك الشيخ لدى الجمهور المغربي، وعامة المسلمين .

أما المرجح الخامس: وهو أقوى من كل ما سبقه، فأُستنبطه من النقطة التي تتلاقى فيها  رواية الشيخ الفزازي ورواية خطيبته حنان، تاركا نقط الخلاف بينهما في هذه الواقعة جانبا.

فقد صرح الشيخ بأنه أخذها إلى طبيب كشف عن رحمها وجهازها التناسلي، فتبين له أن حنان عقيم ـ بتعبير الفزازي ـ لوجود أكياس في مبايضها تحول دون وقع الحمل، ويصرح أنه رأى بعينيه مبايضها وما فيها من أكياس، وأن الطبيب سلمه شهادة طبية بذلك.

أما حنان فتقول بأنها أجهضت، فأخذها الشيخ إلى الطبيب الذي سلمه شهادة طبية تثبت وقوع الإجهاض.

ونقطة الالتقاء هنا هي أخذ السيدة إلى الطبيب، وتسليمه للشيخ شهادة طبية بحالتها.

وبناء على هذا نطرح السؤال الآتي : 

إذا لم يكن قد جامعها مجامعة الزوج لزوجته ولو مرة واحدة، فلماذا ذهب بها إلى طبيب النساء ليكشف عن رحمها ومبايضها وجهازها التناسلي؟

إن الشيخ لم يقدم سببا لأخذه خطيبته إلى الطبيب. 

إنه يكتفي بالقول بفم مملوء، بأن الشهادة الطبية تثبت استحالة حمل حنان، لأنها تعاني من أكياس في مبايضها، ويؤكد انه رأى بعينيه تلك الأكياس والمبايض، مما يقطع كل ادعاء لحنان بتعرضها للإجهاض. دون أن ينتبه إلى أنه لم يكن يعلم بوجود الأكياس في مبايضها، قبل أن يشاهدها عند الطبيب.

إذن فما هي غايته من أخذها إلى الطبيب، إذا لم يكن قد رجح احتمال أن تكون قد أجهضت فعلا، وأنها لا تكذب عليه، حيث لم يكتشف كذبها إلا عند الطبيب.

أضف إلى ذلك أن الفزازي حسب روايتيهما معا، لم يسبق له أبدا، طوال تلك الخمسة أشهر ، أن عرضها على الطبيب لفحص جهازها التناسلي ومبايضها، ولم يأخذها إلا بعد إخباره أنها أجهضت، مما يعني أنه أخذها وفي نيته ان يتأكد من وقوع الإجهاض، ولتطهير رحمها مما قد يكون فيه من مخلفات ضارة.

فلما تبين له بعد الفحص، أنها عقيم ـ حسب تعبيره ـ، انفرجت أساريره، واعتقد أنه لم يبق لديها دليل على معاشرته إياها، لأنها لا يمكن ان تحمل لكي تجهض، فسلمها تلك الشهادة الطبية، أو نسخة منها، وهو مطمئن إلى أنها حجة عليها وليست عليه،، دون أن يدرك أن تلك الشهادة الطبية ـ مهما كانت معلوماتها ـ فهي في حد ذاتها في صالح خطيبته حنان أكثر مما هي في صالحه، لأنها تقوي احتمال مضاجعته لها ولو لمرة واحدة؛ وإلا ما كان ليتطرق إلى ذهنه أن يأخذها إلى الطبيب ليتأكد من كونها قد أجهضت فعلا، ويفاجأ بأنها لا يمكن أن تحمل بسبب الأكياس في المبايض، مما لم يكن له علم به قبل الفحص.

أما عن مطالبته إياها في تصريح آخر بأن تثبت كونها أجهضت، وأن تذكر الطبيب والعيادة التي أجهضت فيها؛ فهذا لا ينفعه في شيء؛؛ لأن غايتها من زيارة الطبيب قد تحققت، وهي إثبات معاشرته لها.

المرجح السادس : يصرح الشيخ الفزازي أنه عندما أخذها عند الطبيب وفحصها، وأخبره أنها لا يمكن أن تحمل لوجود أكياس في مبايضها؛ اطلع بنفسه على مبايضها ورأى بأم عينيه تلك الأكياس التي أسعدته وأدخلت الفرحة إلى قلبه، لأنها نسفت دعواها وأسقطت حجتها. 

ولكنه هنا مرة أخرى، لم ينتبه إلى الورطة القبيحة التي وقع فيها:

فما دامت حنان لم تكن زوجته في تلك اللحظة بعد؛ ولم يكن يربطه بها أي عقد نكاح شرعي؛ فبأي حق يسمح لنفسه برؤية جهازها التناسلي والاطلاع على أسرار رحِمها؟

هل يحق لرجل أن يطلع على الجهاز التناسلي والأحشاء الداخلية لامرأة غريبة عنه، لا تربطه بها علاقة زواج شرعي وموثق؟

لماذا حرص الفزازي على رؤية مبايضها، ورحمها، والأكياس المحمودة التي أخذ شهادة طبية بوجودها؟

إن فعل الفزازي ذلك ـ وقد وثقه بنفسه في أشرطته ـ يعد اعتداء جائرا وغاشما على عرض تلك السيدة، واختراقا سافرا لحرمتها بغير وجه حق، ودوسا على كرامتها وشرفها بما لا إهانة فوقه .

إنها ورطة كبيرة، بل ثقيلة جدا، وقع فيها الشيخ الفزازي، لا ينفع معها حتى ذلك المطلب الذي تطالبه به السيدة حنان وأمها: وهو أن يتزوجها بعقد شرعي ثم يطلقها بعد ذلك، حفاظا على سمعتها وسمعة عائلتها وكرامتها. فهذا الحل نفسه غير ممكن، ولا يمكن أن تقول به امرأة عارفة بأمور الشرع، لأن الزواج بنية التطليق حرام دينا، وباطل شرعا، وممنوع قانونا.

فكيف يحُل الشيخ هذه الورطة؟  

كيف يخلص نفسه من تصريحه بأنه اطلع على بواطنها التناسلية الداخلية وأسرار رحمها، ثم يسمح لنفسه بأن يرسلها إلى حال سبيلها بدون أن يعقد عليها بنية التأبيد، ليكون الزواج صحيحا، وليخفف من وطأة ذلك الفعل الحرام الذي أقدم عليه بكل وعيه وإرادته، وبما آتاه الله من بلادة وغباء فأقر به على نفسه بكل تلقائية وطواعية؟

لقد أصبحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية جزءا من لا يتجزأ من هذه المعضلة الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، بحكم أنها هي التي تخول للشيخ الفزازي إمكانية استغلال مكانته المبجلة لدى العامة، ومنصبه المهيب الموقر بصفته إماما وخطيبا، يعتبره الناس قدوة لهم، وموضع ثقة لديهم، ومفتيهم ومرشدَهم، في حين أن سلوكه يتنافى مع تفرضه عليه هذه المسؤولية الدينية والتربوية والاجتماعية وقار، وبعد النزوات والصغائر، ومن إحجام عن كل ما من شأنه أن يجعله في وضع لا يُرتضى لمثله، تلوكه الألسن وتنعته بأقدح الصفات وأقذعها؛؛ ويراه أنداده من الفقهاء والشيوخ والعلماء قد دخل في باب الشبهات وحام حول الحمى، ورَتَع فيه مدة طويلة دون مانع ولا ممتنع .

وعليه فقد أصبحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ملزمة بتوقيف هذا الشيخ عن الإمامة والخطابة ؛ ولو من باب درء الشبهات واستبراءً للدين، وطمأنة كافة المسلمين على صحة شعائرهم وسلامة دينهم من الشوائب والشكوك؛ فقد روي عن رسول الله  صلى الله عليه فيما رواه الشيخان، أنه قال :

« إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ..»،

كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً من طرق متعددة قوله: «من عـرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به» ، وهو الحديث الذي جاء برواية أخرى منسوبا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «من وضع نفسه موضع الشبهات فلا يلومن من أساء به الظن».

فكيف يجوز لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تُبقي على خطيب جمعة أصبح موضع شبهة، واستنكر آلاف المواطنين أفعاله، ونعتوه جهرة وعلانية، وفي كل وسائل الإعلام والتواصل بأقذع النعوت وأفحشها، يستحيي المرء من روايتها، لولا أن الغاية النبيلة المتوخاة تستوجب ذلك، حيث اكتفي بوصفٍ تردد في الفيس بوك: (فقيه البورنو!) .

فهل يليق بالوزارة أن تحتفظ بإمام يؤم بالمسلمين في الصلاة، ويخطب فيهم كل جمعة ومناسبة دينية، بينما منهم من يقرنه بأخبث إنسان عرفه التاريخ، فجورا وقذارة ودعارة وفسوقا وتهتكا؟

متى شبه الناس فقيها أو إماما أو خطيبا بهذا الخبيث الماجن النتن؟

على الوزارة أن تتصور أحوال الناس وما يعتمل في صدروهم وهم يصلون خلفه، أو ما يفكرون به وهم يرونه فوق المنبر يخطب فيهم ؛ يَعِظُهم وينهاهم، ويردد على مسامعهم قول الله وقول الرسول؛ بينما هو نفسه يحتاج لمن يعظه وينهاه، بعد أن أصبحت الشكوك والشبهات تحوم حوله؛ بل هي اخترقه وتخترمه من كل جانب؟  

أليس في ذلك إحراج له، وإحراج للوزارة التي عينته في تلك الوظيفة التقية النقية؟

أليس في الإبقاء عليه إماما وخطيبا تكذيب للدولة التي تعتبر نفسها دولة إسلامية محافظة، لا تعترف بزواج عرفي ولا بزواج متعة، ولا مسيار ولا غير ذلك إلا الزواج الشرعي على سنة ورسوله والمذهب المالكي؟

بل إن الحرج سوف يطول حتى المصلين أنفسهم، لأنهم لا يعرفون ما إذا كان الرجل صادقا في خطاباته وخطبه، أم أنه مجرد منافق، حسن اللسان فصيح الكلام، ينطبق عليه قول الرسول عليه السلام : «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان، يجادل بالقرآن» ؛؛ ولا شك أن الشيخ محمد الفزازي من هذا الصنف العليم اللسان المجادل بالقرآن، بلا منازع.

… اللهم إلا إذا كانت وزارة الأوقاف لا ترى بأسا في فساد الأئمة وخطباء المساجد؛ فهذا موضوع آخر.

 

********

أما عن المبرر الاجتماعي الذي يوجب هو الأخر على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية توقيف محمد الفزازي عن الإمامة والخطابة، فهو تصريحه  بأن السيدة حنان كان بها مس من الجن، وأن جنيا يهوديا كان يسكنها، وأنه رقاها بنفسه ليخرج الجني من جسدها، ثم حملها إلى الدار البيضاء عند شيخ أمهر منه ليرقيها؛؛ مما يدخل كله في باب الدجل، ونشر الشعوذة، وتكريس ثقافة الخرافة بين أفراد الشعب المغربي الذي تضرب الأمية أطنابها بين طبقاته، وينخره الجهل وانعدام الوعي من كل أطرافه.

لقد كان على الفزازي بدل أن يرقيها أو يأخذها إلى راق بالدار البيضاء؛ أن يأخذها إلى طبيب مختص بهذه الحالات التي تعتبر كلها أمراضا طبية، لا علاقة لها بالجن ولا بالعفاريت، ولا بهاروت وماروت، لأنها أمراض عادية معروفة لدى الأطباء ومنتشرة في العالم كله، تحدُث إما بسبب تشنجات دماغية، أو انبعاث موجات كهروكيميائية من المخ، أو لخلل في وظيفة الخلايا العصبية .. أو لغير ذلك من الأسباب التي أصبح الطب الحديث قادرا على تشخيصها، ومتمكنا من معالجتها بطرق علمية ووسائل طبية لا علاقة لها بالشعوذة والخرافة. 

فإلى متى يا وزارة الأوقاف تتركين هؤلاء الشيوخ ينشرون دجلهم وسط أفراد الشعب الأمي الساذج، وبين المواطنين البسطاء الذين يثقون بخزعبلاتهم وترهاتهم، ويقتدون باعمالهم، ويستفتونهم في كل قضاياهم الدنوية والأخروية، وحتى المرضية أو العصابية؟

إلى متى سيظلون على هذا العبث بأفكار الناس والتلاعب بمشاعرهم، واستغلال طيبوبتهم وتقواهم على مرأى ومسمع منك ومن الحكومة بكاملها؟

هذا إذا كانت وزارة الأوقاف تريد خيرا بهذا الوطن وإيقاظا لهذا الشعب المستلب فكريا وعقديا من طرف هؤلاء الشيوخ العابثين الدجالين.

أما إذا كانت وزارة الأوقاف تعترف بهذا النوع من الدجل، ولا ترى بأسا في نشر الشعوذة والخرافة بين المواطنين، وتؤمن بما يسمى “الرقية الشرعية” لطرد الأرواح والشياطين من جسم المصاب، وتصدق بأن المريض بالصرع، أو بالعصاب، أو بخلل في دماغه أو جهازه العصبي، يمكنه أن يُشفى على يد فقيه أو شيخ يُرْقيه؛؛

إذا كانت الوزارة تؤمن بهذا وتنتصر له، فعليها أن تفتح معاهد لتعليم هذا اللون من العلم والثقافة، أو أن تتدخل بنفوذها وأسبابها الوجيهة لتلزم وزارة التربية والتعليم بتدريس مادة “الرقية الشرعية” في مقررات التلاميذ والطلبة الجامعيين، أو كليات الشريعة والعلوم الدينية، ليكون لدينا رَاقون مثقفون ثقافة جامعية على الأقل، وليس مجرد مشايخ لا يفرقون بين الواو وعصا الطبال، يعيثون في أجسام الناس تدميرا وفسادا.

كما كان على هذه الوزارة أن تمنع وزير الصحة من إغلاق ضريح بويا عمر، لأنه ضريح تابع لها، وليس مصحة تابعة لوزارة الصحة، فكان عليها بدل هدمه أن تعيد ترميمه، وتقوم بتجهيزه بما يلزم من السلاسل والمجامر وأنواع البخور، وتفتح أبوابه للفقهاء والشيوخ ليُرقوا الناس من نوباتهم، ويشفوهم من أمراضهم وعقدهم؛ لأن بويا عمر كان لدى العامة أوثق من غيره في تخليصهم من الجن والشياطين، مهما كانت دياناتهم، فالفرق الوحيد بين أخراج جني مسلم، وجني نصراني أو يهودي لدى بويا عمر، هو حجم العتروس أو الذبيحة التي يحضرها المريض لينحرها على قبر الولي الصالح، وعدد الفراريج التي يُسيل دماءها، تقربا إليه واستسلاما له وإيمانا أعمى بقدراته الخارقة رغم اندثار كل أثر له تحت التراب.. 

إن الشيخ الفزازي ـ يا وزارة الأوقاف ـ أصبح يشكل خطرا كبيرا على المجتمع ما دام يؤمن بهذا الدجل ويمارسه، وينصح الناس به ويأخذهم بنفسه إلى غيره من الدجالين الذين لا يختلف بعضهم عن بعض في فنون الدجل والشعوذة والخرافة، وفيما ينصبون به على الناس من بهتان وتدنيس للقرآن ، وتشويه للإسلام بما لم ينزل الله به من سلطان.

فاللهم إني قد بلغت.. اللهم اشهد أني قد بلغت،

والعاقبة للمتقين

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, محمد ناجي and tagged , , . Bookmark the permalink.