لماذا يهتم الإنجليز بمعركة الحوت والديناصور؟

د. خالد منتصر  

كنت قد كتبت منذ أيام عن الطفل الذى اكتشف خطأ فى اسم ديناصور فى متحف التاريخ الطبيعى فى لندن، وطالبنى البعض بتوضيح أهمية هذا المتحف حتى لا يظن الناس أنه متحف تافه ملىء بالأخطاء، لأنه على قدر عظمة المتحف كانت الصدمة من الخطأ الذى اكتشفه طفل. زيارة متحف التاريخ الطبيعى فى لندن متعة لها طعم الدهشة والفضول والشغف، فأنت هناك تلمس الحياة فى بكارتها وتغوص فى أعماقها وترى الكون وهو يتشكل ويتطور ويتغير ويتحور أمامك فى شريط بامتداد ومساحة قاعاته المهيبة. الزيارة هذه المرة صحبتها بجانب أجواء الدهشة والفضول أجواء الجدل والخلاف، جدل وخلاف حول من يحتل القاعة الكبرى أمام تمثال داروين، هل هو الديناصور الذى يدلعه الإنجليز باسم «ديبى»، أم هو الحوت الأزرق أكبر حيوان على ظهر الأرض؟!

الديناصور يحتل القاعة الكبرى منذ 35 عاماً وقد عشقه الإنجليز والسياح خاصة الأطفال، وأغلب معروضات المتحف التى يُقبل الأطفال على شرائها هى مجسمات هذا الديناصور الشهير، لكن إدارة المتحف قررت نقل هيكل الحوت الأزرق من قاعة الحيتان والدلافين إلى حيث تلك القاعة المهيبة.

وقد شاهدت العمل يجرى على قدم وساق فى القاعة لإنهاء إجراءات النقل التى لن تنتهى قبل هذا العام، لم يكن مهماً عندى من سينتقل إلى القاعة الكبرى للمتحف، بل المهم هو النقاش نفسه، أن يحتل موضوع يتعلق بهياكل عظمية لحيوانات منها ما اندثر ومنها ما هو مقبل على الاندثار تلك الدرجة من الأهمية وتسليط الضوء وجدية النقاش. القرار قد اتخذته إدارة المتحف ولا رجعة فيه برغم حدة النقاش التى بلغت حدّ أن شبّه البعض عملية النقل تلك بنقل برج إيفل ووضع لفافات من ورق المرحاض بدلاً منه، المهم أن المناقشة تدور حول موضوعات علمية وبمنتهى الجدية ومنتهى الحماس، الجمهور العادى يردد اسم الديناصور عادى جداً وكأنه يردد اسم نجم سينمائى من هوليوود!! يحفظون وزن الحوت الأزرق وتركيبه التشريحى مثلما يحفظون أغانى البيتلز!! هذا يقدم حجة والآخر يرد عليه بحجة مضادة، يحتدم النقاش ولكن وسط سخونة ذلك النقاش يتعلم الجمهور ويكتسب معلومات عن علم الجيولوجيا والبيولوجى وخطر انقراض الحيوانات والتوازن البيئى الذى صار فى خطر.. إلى آخر تلك الأفكار والمصطلحات التى يظنها الناس ثقيلة وصعبة ومملة، جعلها هذا النقاش مفهومة وسلسة ومهضومة بل وجذابة.

المناقشة العلمية والاهتمام بالعلم مجرد حلقة فى سلسلة طويلة ولننظر إلى الاهتمام البريطانى بهذا المتحف التحفة، فهو تحفة معمارية تفوق الخيال، ثانياً هو متحف مجانى يستطيع دخوله والتجول فى ردهاته وقاعاته أى عابر سبيل، ثالثاً: الحكومة البريطانية مهتمة بهذا المتحف وتضع تحديثه على قمة أولوياتها، بل وتتخذ قرارات لصالحه فقط مثل احتكاره للحيتان التى يجدونها على شواطئ بريطانيا، رحلة المتحف ودروسه المستفادة لم تنته بعد ونستكمل غداً.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , . Bookmark the permalink.