قانون لإزدراء جمال عبدالناصر

ف.ف.  

أضفى الناصريون على جمال عبد الناصر هالة من القداسة تنزهه عن الخطأ، وسنوا قانونًا لإزدراء عبدالناصر يطال كل من تسول له نفسه الاقتراب بكلمة نقد أو عبارة لوم بوصفه كان رئيسًا سابقًا لمصر، وتتحول ألسنتهم إلى سياط تلهب منتقدوه بتهم من عينة معاداة الوطنية وانعدام العزة والكرامة، فضلا عن التقزيم والتقليل من الشأن.

وزير خارجية مصر الأسبق، والأمين العام لجامعة الدول العربية السابق، السيد عمرو موسى كان هدفًا لنيرانهم مؤخرًا.  ففي مذكراته “كتابيه” أن جمال عبد الناصر كان يطلب طعامًا مخصوصًا من سويسرا يتماشى ونظامه الغذائي، حتى هب الناصريون عن بكرة أبيهم يدافعون عن زعيمهم ضد هذه التهمة الشنعاء والجريمة النكراء فـ عبدالناصر لم يتناول سوى “الجبنة والخيار” وفي قول آخر “الفول”!!. واتهموا السيد عمرو موسى بالتطاول على عبدالناصر ورموه بالعته وفقد العقل!!

وفي الحقيقة دفوع الناصريون عن عبدالناصر غالًبا ما تكون منفصلة عن الوقائع وتدل على أنهم يعانون من حالة نكران تسوقهم إلى إعفائه من تبعات القرارات التي اتخذها وهو في سدة الحكم  فيأتي تقييمهم له كرئيس لمصر بعيد تمامًا عن الموضوعية موغل في الانحياز، فهم لا يرون له أي مثالب ولم يقترف خطأ واحد طيلة حياته، ولا أدل على هذا من جنازته المهيبة التي تنم على حب جارف من الشعب، ولا أحد ينكر كاريزما عبدالناصر ولا أحد ينكر رغبته الصادقة في تحقيق الرفاهية ليس لشعبه فحسب بل للشعوب العربية جميعًا، وأنه كان نظيف اليد لم يستغل منصبه لتكوين ثروة ولكن هذا لا يعني أنه لم يقترف خطأ ولا يبرر لأنصاره إرهاب من يتعرض له بالنقد.

يأخذ على الناصريين تجاهل دور الفريق عزيز المصري باعتباره الأب الروحي للثورة 52، رغم أن عبدالناصر شخصيًا عرض القيادة عليه والرجل إعتذر عنها لتقدمه في السن، ورشح اللواء أركان حرب محمد نجيب قائدًا لها، طبقًا لما ورد في مذكرات عزيز المصري “أبو الثائرين عزيز المصري” ومذكرات جمال حماد أحد الضباط الأحرار. حتى التنكيل بنجيب وأهانته لأنه أراد لمصر أن تكون دولة مدنية فدعا إلى عودة الجيش لثكناته ومنح الشعب حق الانتخاب الحر وعودة الحياة النيابية، لا يرد في أحاديثهم كأنه لم يحدث وأن الأمر محض افتراء على ناصر أور بما تحول إلى عدو للثورة وناصر كان يحميها

ومما يثير العجب هو دفع الناصريون بأن عبدالناصر لم يتنازل عن السودان وأن الاتفاق تم في عهد الملك البائد الموالي للإنجليز، والسؤال هل يلزم قائد ثورة بتنفيذ قرارت ملك معزول! علمًا بأن الملك فاروق رفض تمامًا التوقيع على التنازل متحديًا رغبة انجلترا!!

لا يمكن إعفاء فترة حكم عبدالناصر من النكبة التي  حلت بالتعليم في مصر، فبعد أن كان ملوك أوروبا يبعثون أبنائهم للدراسة في مصر باعتبار مدارسها الأفضل على مستوى العالم، تحولت المدارس المصرية إلى ما يشبه الكتاتيب،  فإذا كانت مجانية التعليم الأساسي أمر ضروري لتقليل نسبة الأمية لحدودها الدنيا،  فإن المجانية العشوائية وغير المخطط لها التي يفخر بها الناصريون أدت بمرور الزمن إلى تدهور جودة التعليم بمصر إذا أصبح المقياس هو الكم على حساب الكيف، وأصبح الجميع يلهث وراء إلحاق أبنائهم بالجامعة ليكون “أفندي”، وانعدم التخطيط لتحديد نوعية التخصصات التي يحتاجها المجتمع فأصبحت الجامعات تخرج الآف يفوق عددهم احتياجات سوق العمل بينما لا تلبي تخصصاتهم متطلبات هذا السوق. وأندثر التعليم الحرفي بل وأصبح لا يلتحق به إلا الفاشلين. بينما الصناعة التي هي عماد الاقتصاد تحتاج إلى عقول تخترع وأيادي ماهرة مدربة تصنع فهل حققت مجانية التعليم هذا المزيج منذ عهد عبدالناصر حتى الآن؟  

وهل يعلم أتباع الزعيم الخالد أنه أهدى 5 معابد مصرية كاملة فككت ونقلت لأمريكا ودول أوروبية!! معبد دندور لأمريكا ومعبد طافا لهولندا ومعبد الليسيه لإيطاليا ومعبد دابود لأسبانيا ومعبد كلابشة لألمانيا. فكيف فرط عبدالناصر هذه المعابد وكأنه يملكها وليس أمين من الشعب عليها؟!

 ولا يعترف مقدسو عبدالناصر أن قانون الإفساد الزراعي الذي أصدره عبدالناصر دون دراسة جدوى تحدد تأثيره على مقدار توسع الرقعة الزراعية المتوقع خلال 10 سنوات مثلا من تطبيق القانون، كان وبالا على الزراعة في مصر فبعد أن كانت مصر تزرع والعالم يأكل ويلبس، أصبحنا نستورد طعامنا ومنسوجاتنا من الخارج والسبب هذا القانون الذي فتت ملكية الأرض الزراعية وأضاعها. وإن كان الناصريون يرونه أنصف الفقراء والمعدمين فهو إنصاف زائف زائل أضر ببلد كاملة من أجل مجد زائل.   

ولا يختلف قانون التأميم في قوته التدميرية للاقتصاد المصري عن قانون الإفساد الزراعي، ما الفائدة التي عادت على الاقتصاد من تحويل مؤسسات عاملة تدر أرباحًا وتحقق نجاحًا إلى مخازن يفوق عدد العاملين بها حاجة العمل فتحول ربحها إلى خسارة وأصبحت عبء على الدولة. هل استشار عبدالناصر خبراء اقتصاد؟ أم اتخذ القرار منفردًا سواء هذا أو ذاك فقد وقعنا في فخ القطاع العام وخسرت البلد على مدار سنوات الجلد والسقط.   

هل المعتقلات التي كانت تعج بطلاب وصحافيين وكتاب والتعذيب والتنكيل الذي تم ضدهم كان  من وراء ظهر عبدالناصر، فلو حدث هذا دون علمه فالمصيبة أكبر وأفدح،  اقرؤوا ما كتبه الأستاذ عمرو الليثي   في جريدة المصري اليوم بتاريخ بتاريخ 6/7/2017 نقلا عن والده المرحوم ممدوح الليثي عن ذكرياته عن فيلم الكرنك عندما طلب رئيس الوزراء ممدوح سالم مشاهدة فيلم الكرنك قبل عرضه ويعلق السيد ممدوح الليثي قائلا “:أضيئت الانوار لينظر والدي الى وجه ممدوح سالم ليرى عينيه وقد اغرورقت بالدموع بدا التأثر واضحا جدا عليه وعلى اغلب اعضاء مجلس الوزراء والتفت احد الوزراء  وسال ممدوح سالم معقول يا فندم ده كان بيحصل ؟ ورد باسى الصورة اخف من الواقع سال وزير اخر يعني مشاهد التعذيب مش مبالغ فيها شوية؟ رد ممدوح سالم وأكتر من كده كان بيحصل” أعلم رد الناصريين “ممدوح سالم كذاب وأصلا عبدالناصر معندوش فكرة عن اللي كان بيحصل”.

لا ينفك الناصريون يهاجمون السادات وينعتونه بالخائن لتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع العدو الإسرائيلي الصهيوني، ألم تكن نتيجة لفقد أرض سيناء في كارثة 67 التي يتحملها عبدالناصر بالكامل، فبماذا تنعتون عبدالناصر؟ وأي تبرير من جانب الناصريين هو من قبيل النكران والالتفاف على الحقيقة لتحميل عبدالحكيم عامر المسؤولية هو عذر أقبح من الذنب نفسه. وإعلان ناصر التنحي لا يتجاوز كونه إعتراف بالخطأ الفادح ولا يعفي عبدالناصر أو يقلل من مسؤوليته.  

ويا أتباع عبدالناصر أعلموا أن عبدالناصر بشر وليس مقدس وله أخطاء ينبغي الاعتراف بها وعدم التبرير له فلا قدسية لبشر، وإذا كنتم تقدسونه فلا تفرضوا تقديسه علينا. ولسوف ننتقد عبدالناصر ونعيش على أرض مصر.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ف.ف and tagged , , , , . Bookmark the permalink.